mena-gmtdmp

قصّة مَنْسيّة

 

لست أدري ما الذي جعلني أبحث في الصندوق العتيق والمنسيّ في ركن مكتبي... أوراق تتراكم، ومن شتّى الأزمنة، ولا أجد مُتَّسعاً من الوقت كي أغوصَ فيها، وأُخرج ما يمكن أن يُفيدَني في رواية القصص.

***

"بْصُندوقْ بالي أعتق من الهمّ..." يكتب الشاعر "يونس الإبن" في قصيدةٍ مميّزة بعنوان "مسبحة ستّي".

لكن ما طلعَ لي من هذا الصندوق لم يكن "مسبحة ستّي"، بل قصّة العم المهاجر الى أميركا في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

***

وهاجر هرباً من "سَفَرْ بَرْلك". أي من الخدمة في الجيش العثماني. وكان يجرُّ الشبابَ قسراً الى جبهاتِ القتال، ومن دون غاية أو مثال.

وعندما التقيتُ ذلك العمّ للمرّة الأولى في ولاية "وسْت فرجينيا" الأميركية، أبقاني ساهرةً حتى مطلع الفجر، كي يرويَ لي بالتفصيل، عن رحلة انتقاله من قريته في جنوب لبنان، الى هذه المدينة "هنتنغتون" في قلب القارّةِ الأميركية، وقد جعلها وطنَه الجديد.

***

أذكرُ أني كنت ملتزمة بالسفر في الصباح الباكر، وبحاجة الى النوم كي أستعيدَ بعضَ النشاط، لأجل رحلةٍ قد تطول يوماً كاملاً.

لكنَّ العمَّ كان يبحثُ عن أذنٍ تُصغي الى تلك الرواية المؤجَّلة قرابةَ نصفِ قرن، ولن تفهمَها الزوجةُ الأميركية، أو الأولاد الذين وُلدوا في المهجر، ولا يعرفون عن تلك البلاد القديمة ويسمونها "أولدْ كانتري" إلا ما تُطالعهم به وسائلُ الإعلام العصرية. ويبقى طافياً فوق سطح الأمور والعلاقات، ولا يتسرّب الى تلك الدهاليز المعتمة القابعة في الذاكرة.

***

"وكنت في مطلع الشباب" يقول العم. وأخذوه الى التجنيد الإجباري، والالتحاق بما كان يُعرف "سفر برلك" وقد يعني الرحيل في البراري، وفي المطارح الموحشة، وفي كل الأحوال.

***

ثم يتابع الحكاية: "وعرفتُ المرض، ولا من يُداوي. وعرفتُ الجوع، وبالأخصّ الجوع الى عاطفةِ الأهل، وحنانِ ساعدي أمي وأبي.

"ثلاث مرّات حاولتُ الفرار من تلك الحياة المظلمة، وفشلتُ في كل مرّة؛ وأخيراً تغلّب عليّ المرض؛ ولم يكن مرضاً عابراً، بل طرحني في غيبوبةٍ دامتْ أسابيع، وكان شفائي أقربَ الى أعجوبة، ولا أزال حتى الآن، أحاول فهمها، وفكّ رموزها؛ وأتساءلُ حين أعجز عن الإجابة المنطقية: تراها كانت عاطفة أمي وابْتهالاتها ما أنقذني من ذلك الجحيم؟...

لستُ مَن يقدر على الإجابة. لذلك حاولتُ ان أدوّنَ سيرةَ حياتي في كتابٍ أُهديه اليكِ، فربّما يُلهمكِ لتكتبي روايةً عن المهاجرين الأوائل".

***

وعُدتُ من رحلتي.

وتسيتُ الكتابَ الذي بقي سنوات طويلة مطموراً في الصندوق العتيق، وبين الأوراق المنسية الى ان عثرتُ عليه بالصدفة، ورحتُ أقرأ حكايةَ ذلك الفتى القروي، ومغامرات حياته الأغرب من الخيال؛ من التجنيد الإجباري، الى ان "اشتراه" أبوه من الجيش العثماني لقاء حفنة من الليرات الذهبية. حتى اذا ما تمكّنَ من السفر، حلّق بعيداً، ليستقرَّ في بلادٍ لا تعترفُ إلاّ بالأقوياء. وهناك شيَّدَ العمران، وأنشأ الأعمال، وأصبح رجلَ الأعمال القوي والمحترم.

***

ما زلتُ أذكرُ ليلةَ وداع العمّ، وصاياه، وكلماتِه.

وعندما غادرتُ في صباح اليوم التالي، سلّمني هذه النسخة من كتابٍ ضمّنه تجاربَهُ، وأغلى لحظات عمره. فكيف نسيتُ ان أقرأ الكتاب في حينه؟...

وما الذي جعلني اليوم أبحثُ في هذا الصندوقٍ المهمل في زاوية مكتبي؟

تراها القصة المنسيّة، لا تنام، وتظلّ تقرعُ أبواب الوعي الى أن نتبلّغَها؟

***

لن أجيبَ بكلمة؛ فهذه التساؤلاتُ الناهضةُ من أعماق الوعي، هي التي تقودني كي أتابعَ القراءةَ والبحثَ، في ما كُتبَ منذ عقود، علّها تُكوِّنُ ركائزَ صالحة لبناء عمارة الرواية.

املي نصر الله