وكانت بيروت حلمَ الطفولة.
وعندما اخترتُها أماً ثانية، لم تكن قد أبصرتْها عيناي؛ بل كانت تزورُني في المنام؛ وأحياناً أُبصرها في وجهِ معلِّمتي البيروتية "أولغا". ويعبُرُ ذكرُها في عالمي مثلَ نسماتِ عنبر وياسمين.
أوْ تأتيني أخبارُها على أفواهِ المسافرين. ويروون سيرتَها مثلما تُروى الأساطير؛ حتى كان أن تحقّقتْ أحلامي وزرتْها، ذاتَ يوم، في الواقع لا في الخيال وحسب.
***
ويتراءى لي طيفُ تلك الطفلة، تُمسكُ بيدِ أمِّها، وترتادُ معها، ولأوّلِ مرّة في حياتها، عالمَ المدينة.
تسيرُ في الشوارع، وكأنّها في حلُمٍ تمشي.
***
ها هي أخيراً في بيروت، مدينةِ الدهشة والغرابة.
وبيروت الأسطورة التي عاشتْ في خيالِها، وتغذّتْ بأفكارِها سنين.
***
سبقتْها عيناها الى تقليبِ صفحاتِ الأسطورة: الواجهات الملوّنة، إزدحامُ الشوارع بالناس والعربات والقطارات.
وأنوارُ الكهرباء تُشعُّ في الليل ومن كلّ صوب.
***
أوصَتْها أمُّها وهما تغادران البوسطة التي نقلتْهما من ضيعتِها النائية:
- انتبهي يا بنتي. الناس في بيروت غرباء. لا تحدّقي طويلاً في وجوههم. الدنيا هنا غير شكل.
والصغيرةُ تائقةٌ الى معرفةِ تلك الدنيا، والى اكتشافِ أسرارِها ومعالمِها.
وتسمعُ نفسَها تُتمتم:
- لكنّها حلوة كثير، يا أمّي.
بيروت كثير حلوة.
وكانت تشعرُ، ومنذ ذلك اللقاءِ الأوّل، بأن المدينةَ تُشبهُ قطعةَ حلوى شهيّة، وملفوفةً بورقٍ ملوّنٍ برّاق، وهي، في تجوالِها، تفتح اللُفافة بتأنٍّ وحذَر، وتفتحُها بشوقٍ ودهشة، لتتذوّقَ طعمَها، وتشعرَ بأن أحلامَها كلَّها تتحقق.
***
حتى الساعة تعيشُ معها ذكرى ليلتِها الأولى في بيروت، وفي نزلٍ متواضعٍ على ساحة البرج: أوتيل وندسور الكبير، وصاحبُهُ من قريتها.
أما الذي بقيَ عالقاً في البال من تلك الرحلةِ الأولى، فهو أرَقُها، إذ لم تعرفْ طعم النومِ طوالَ تلك الليلة.
تسلّلتْ الى شرفةِ صغيرة مطلّةٍ على تلك الساحةِ الجذّابة، حيثُ الحركةُ لا تهدأ ليلاً أو نهاراً: ساحة البرج.
ولم يُطالعْها أيُّ برجٍ في المكان، إنما سحرتْها سرعةُ الحركة، وتبدّلُ المشاهد.
***
في ضيعتِها، كان صندوقُ الفرجة يُثيرُ دهشتَها. وهي الآن أمامَ صندوقٍ حقيقي، وتودُّ ان تُلِمَّ بكل تفاصيلةِ.
وتبدو لها المدينةُ أشبهَ بمغارة السحرِ والدهشة، وهي واقفةٌ عند عتَبتِها، حاملةً توقَها الى المعرفةِ وطموحَها، لكنّ المفتاحَ ليس في يدها.
وتسمعُ قريبَها، المقيمَ في بيروت يقولُ في سياقِ تقديمِهِ النُصحِ والإرشاد:
- هالمدينة، يا بنتي، فْريسْة الشاطر.
لم تفهم كلامَهُ في حينه. إنما العبارةُ ظلَّتْ تطنُّ في أذنِها، ولم تعدْ تُفارق.
***
ثم عادتْ الى بيروت بعد انقضاءِ سنواتٍ على تلك الخَطوةِ الأولى، ولم تعدْ زائرةْ، بل أصبحتْ ساعيةً الى علم وعمل.
ولم تكن تُمسكُ بيد أمها...
وحيدةً كانت تمشي، ولا مرشد أو دليل، وتقودُها أشواقُها والأحلام. وتلك العبارةُ التي غرسَها القريبُ في سمعِها:
- بيروت فْريسة الشاطر.
***
وهكذا راحتْ بيروت تفتحُ لي أبوابَها السرّية؛ وتدعوني الى الدخولِ من بوابة العلم والعمل. وكنتُ أصلُ الليلَ بالنهارِ وأعملُ. وكان شرطُ الأهلِ عليَّ أن أُقيمَ في معهد داخلي حتى يسمحوا لي بالسكنِ في بيروت.
وقد حقّقتْ ذلك الشرطَ المدرسةُ الأهلية في وادي ابو جْميل؛ وظلتْ طوالَ سنوات، قاعدةَ انطلاقي الى الجامعة، أو الى مقرّ عملي.
***
لكنَّ بيروت ظلّتْ تُخبّئُ لي المزيدَ من المفاجآت. وقد حصلتُ على إحداها يومَ عثرتُ على وظيفةِ محرِّرة في مجلّة الصياد؛ وقد كتبتُ في وصفِ تلك المرحلة كتاباً عنوانُه: في البال.
ولا يزالُ هناك المزيدُ مما تختزنُهُ الذاكرة، ويحفظهُ الوعيُ، عن تلك الأيامِ الأولى في مدينةِ أحلامي.
فقد كانت منها انطلاقتي في مجال الصحافة، ومنذ منتصف الخمسينات حتى مطلعِ السبعينات من القرن الماضي؛ وفيها كتبتُ معظمَ أعمالي الروائية والقصصية.

Google News