أدب الطفل.. جهود عربية لمخاطبة عقول الصغار والناشئة

أدب الطفل.. جهود عربية لمخاطبة عقول الصغار والناشئة
من كتاب «هذا جسمي لا تلمسني» جبل عمان ناشرون، تأليف ديمة العلمي ومنى أبو دية ورسوم ساشا حداد

في الحديث عن أدب الطفل، في العالم العربي، يتردد أن التحديات التي يواجهها تتعلق بأسلوب الكتابة الصعب على الصغار والناشئة، وبناء القصص على شخصيات لا تقرب من الطفل أو الاجترار من الأدب العالمي، كما غلاء سعر الكتب، وتفوق القصص الأجنبية، من دون الإغفال عن «مزاحمة» وسائل التواصل والإعلام البديل والتلفزيون للكتاب... لكن، على الرغم من ذلك، لا يمكن القفز عن حقيقة أن هناك جهود في الأعوام الأخيرة لتجاوز كل ما تقدّم، ونماذج من قصص جذابة مضموناً وأسلوباً ورسومات.


تجربة في أدب الطفل

من كتاب «هذا جسمي لا تلمسني» جبل عمان ناشرون، تأليف ديمة العلمي ومنى أبو دية ورسوم ساشا حداد


تتحدّث الأردنية ديمة العلمي عن تجربتها في عالم أدب الطفل لـ «سيدتي»، فتقول إن دخول المجال لم يكن محض مصادفة، بل هو انطلق من خبرتها في مجال التعليم، إذ مارست مهنة تدريس اللغة الإنكليزية لمدة 16 عاماً، بالإضافة إلى تولي أعمال إدارية في مؤسسات قيادية كبيرة والدراسة الجامعية (البكالوريوس والماجستير في تخصص تعليم الأطفال). وتزيد أنها من خلال هذه الخبرة، توصلت إلى أهمية القراءة وقدرتها على تطوير مواهب الطفل وتنمية قدراته العقلية والاجتماعية والعاطفية، كما تعزيز ثقته بنفسه ومدى استطاعته على حل المشكلات، وذلك لأن للقراءة أبعاداً عظيمة، إضافة إلى الأهمية الأكاديمية، وهي تصقل شخصية الطفل، بشكل لا يُصدّق.

ʼ لا يمكن تخيل مدى فرحة الكاتب عندما يؤثر على طفل أو طفلة أو منزل بالكامل عبر الكتب التي يؤلفهاʻ
ديمة العلمي


مؤلفات لديمة العلمي


تقول ديمة العلمي إنها فخورة للغاية، بالكتب التي ألفتها مع منى أبو دية:

  • «هذا جسمي لا تلمسني» (جبل عمان ناشرون) للفئة العمرية من 0 إلى 5 أعوام، يتناول حماية الجسد. أخذ الكتاب وقتاً وجهداً حتى إنجازه. وقد بيعت منه آلاف النسخ.
  • «من بلد اسمه فلسطين» (جبل عمان ناشرون) للفئة العمرية من 6 إلى 9 أعوام، يتحدث عن الثقافة والطعام والعادات والتقاليد الفلسطينية.

تقول المؤلفة إنه لا يمكن تخيل مدى فرحة الكاتب عندما يؤثر على طفل أول طفلة أو منزل بالكامل عبر الكتب التي يؤلفها.
يمكنك التعرف على قصة للأطفال: "حسن" وزوج الحمام


تشجيع المترددين

ديمة العلمي


إضافة إلى تأليف القصص، شجعت علمي كثيرين على دخول المجال؛ في هذا الإطار، تشرح أنه من خلال صفحتها على «إنستغرام»، التي يُتابعها 27 ألف حساب، استطاعت الوصول إلى عدد كبير من العائلات العربية، مع نقاشات تناولت متطلبات كل عائلة، لناحية المواضيع المرغوب الحديث عنها مع أطفالهم، ومعرفة الكتب الصحيحة التي تناسب عمر كل طفل وما يحب أن يقرأ. من هنا، جاءت فكرة برنامج From Mother to Author؛ تشرح العلمي عن هذا الأخير، قائلة إنه من أهم وأوائل مبادراتها، بعدما لاحظت تذمر الأهل من الكتب الإنجليزية المترجمة إلى اللغة العربية، كون محتواها لا يتناسب دائماً مع ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية. لذا، قررت أن تطلق هذا البرنامج لمساعدة كل شخص عربي يطمح إلى تأليف كتب قيمة تجذب الطفل وتحبب عنده ملكة القراءة، وذلك من ناحية الموضوع، واختيار الرسومات، ونوعية الورق المستخدم، ودور النشر، وشكل الغلاف، أي كل تفصيل ممكن أن يحير كاتب كتب الأطفال.
في طرح التحديات التي يواجهها أدب الطفل، في المنطقة العربية، والمذكورة أعلاه، توضح الكاتبة أنها تنطبق على الكتب العربية، قبل عشرة أعوام. تقول: «اليوم، هناك كتب عربية رائعة وأفضل مقارنة بالكتب الأجنبية، لنواحي الجودة والمحتوى والنص والرسومات. لذا، علينا العمل على تغيير اتجاهات ومفاهيم ومعتقدات الأهل عن كتب اللغة العربية، ليجذبوا أطفالهم إلى الاستمتاع بها». وتُلاحظ أن الأهل مستعدون أن يدفعوا مبلغاً كبيراً من المال، في مقابل كتاب أجنبي أو لعبة ما، عوضاً عن الكتاب العربي. لهذا السبب، تكرر أنه من الضروري تغيير اتجاهات آراء الأهل من هذه الناحية، لأنه في مجتمعنا العربي كُتّاب موهوبون يؤلفون أجود وأحسن الكتب.
وعن معاناة كاتب أدب الأطفال لتصل مؤلفاته للفئة المستهدفة، في ظل المغريات الكثيرة، التي لا تجعل القراءة أولوية، تقول إن «هناك تحد كبير في حضور الإنترنت والتلفزيون وغيرهما، ما يحتم الوعي، لناحية طريقة التعامل مع الأطفال وجذبهم لحب القراءة، واختيار وشراء أفضل الكتب، ومعرفة ما هو نوع الكتب الذي يجذبهم، كما تخصيص وقت للقراءة ومناقشة الكتاب معهم لاحقاً حتى يحسوا بأهمية القراءة فلا يشعروا بأنها واجب مدرسي عليهم إنهاؤه، بالإضافة إلى تعاون المؤلفين والرسامين والناشرين في اختيار كتب صحيحة تُنمّي بيئة أدب الطفل باللغة العربية».


الرسومات تضيف للكلمات

من كتاب «حكاية مختبئة في غرفة علوية»، الصادر من «مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي»، تأليف أناستاسيا قرواني ورسوم ساشا حداد


ساشا حداد رسامة لبنانية مقيمة في اليونان؛ حصلت على درجة الماجستير في الرسم التوضيحي في كلية «كامبريدج» للفنون عام 2014، مع ممارسة الرسم منذ ذلك الحين. في تقديم نفسها لقراء «سيدتي»، تقول: «أعمل على أنواع مختلفة من الرسوم التوضيحية؛ جزء كبير من عملي كان على كتب الأطفال، فقد رسمت أكثر من 25 كتاباً مُصوّراً، معظمها لمؤلفين عرب من المنطقة. عام 2021، أسّست Bookie، والأخيرة منصة للرسوم التوضيحية المتعلقة بالأطفال التي أعمل عليها أو أقوم بالإخراج الفني لها، مع رسامين موهوبين من المنطقة».
تعتقد حداد أن «الرسومات لا تقل أهمية عن النصوص، في الكتب المصورة، فهي تنمي خيالات القراء الصغار. النص والرسومات ثنائي؛ النص قد يذكر إجراءً أو حدثاً، فيما الرسومات تضبط الحالة المزاجية، وتضيف عناصر لا تذكرها الكلمات ويمكن أن تحكي أكثر من قصة».
تتفق حداد مع العلمي، لناحية أن كتب الأطفال في المنطقة شهدت تغيرات إيجابية في الأعوام العشرة الماضية، سواء لناحية النصوص أو الرسومات. تقول حداد لـ «سيدتي»: «لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه، لكن التحسن يحدث بسرعة، وهذا يجعلني سعيدةً للغاية، لأنّي مؤمنة بشدة بالتعليم من خلال الصور والكلمات لبناء أجيال أفضل».
في المقارنة بين قصص الأطفال الصادرة باللغة الإنجليزية، وتلك العربية، تقول: «أعتقد أن كتب الأطفال، في هذا الجزء من العالم (العربي)، لا تزال تفتقر إلى الأصالة. في معظم الكتب، الشخصيات الرئيسة تختصر الأطفال المثاليين، وأدوار النساء والرجال نمطية والبيئة عمومية». وتضيف: «عند رسم المنازل في السعودية، تبدو أسطح حمر وحدائق، على سبيل المثال، من دون أن يمثل ذلك هندسة العمارة المحلية. أمر شائع آخر ألاحظه هو أن في معظم الكتب، سلوك أخلاقي للشخصيات، الأمر الذي يسلب القراء الحرية والخيال المتأتيين من القصص المروية، وهذا خطأ في رأيي. الأطفال يولدون أحراراً وغير مُدجّنين.. لماذا نضعهم في صندوق ونقيد مخيلاتهم؟».
يمكنك أيضاً الاطلاع على قصص للأطفال: أحلام طارق في ليلة القدر

ʼهناك جهود واضحة مؤخراً في عالم أدب الطفل باللغة العربية، ونماذج من قصص جذابة في مضمونها ورسوماتهاʻ
ساشا حداد

ساشا حداد

 

ʼ الأطفال يولدون أحراراً وغير مُدجّنين.. لماذا نضعهم في صندوق ونقيّد مخيلاتهم؟ʻ
ساشا حداد

 

الصور من كتاب «حكاية مختبئة في غرفة علوية»، الصادر من «مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي»، تأليف أناستاسيا قرواني ورسوم ساشا حداد