شعرالغزل
لطالما كان شعرالغزل ذا مكانة مميزة كأحد أنواع الشعرالأدبي لدى العرب

الغزل، هو الشعر الذي يُبرز الشوق والشكوى من الهجر والفراق، وهو التغنّي بالجمال، وهو واحد من فنون الشعر التي فيها يعبر الشاعر عن مشاعره وعواطفه وانفعالاته تجاه محبوبته بكل صدق، ووصفها عبر إبراز محاسنها ومفاتنها، فتكون القصيدة والأبيات من واقع تجربته الخاصة ويقدم فيها معاناته وألمه.
بالسياق التالي سيدتي التقت الشاعر والناقد الأدبي صالح شرف الدين، عضو شعبة النقد سابقاً وعضو شعبة الخيال العلمي باتحاد كتاب مصر، في حوار حول شعر الغزل.

الشاعر والناقد الأدبي صالح شرف الدين عضو شعبة النقد سابقاً وعضو شعبة الخيال العلمي باتحاد كتاب مصر

الغزل شعر يتغزل فيه الشاعر بمحبوبته

يقول الشاعر صالح شرف الدين لسيدتي: الغزل فنُّ شعريٌ يهدف إلى التّشبّب بالحبيبة ووصفها، وذكر محاسنها؛ حيث يقوم الشاعر بذلك النوع من الشعر بوصف جمال محبوبته وذكر مواطن الجمال فيها، والتغزل فيها، ويعتبر الغزل من أبرز الموضوعات الشعرية؛ إذ شغل مكاناً واسعاً من الإرث الشعري الذي خلفـه لنا العصر الجاهلي، حتى إنه يكاد يكون الجزء الأكبر من ثروتنا الأدبية في هذا العصر، والغزل لغة العاطفة، صوَّر فيها الشعراء أشواقهم وإحساساتهم نحو المرأة، وما يلقون منها من وصال أو هجر، وصوَّروا فيه سعادتهم وشقاءهم، وآمالهم وآلامهم.

مكانة شعر الغزل عند العرب

يقول الشاعر صالح شرف الدين: "لقد كان شعر الغزل ذا مكانة مميزة كأحد أنواع الشعر الأدبي لدى العرب؛ وذلك لأن للمرأة مكانة كبيرة في حياة مَنْ يحيون في الصحاري حتى صار الغزل ركناً من أركان القصائد العربية، ولقد عرف العرب الشعر منذ القدم، فقد كان الشعر بالنسبة لهم قديماً هو أسلوب حياة، كانوا يعبّرون فيه عن جميع أمور حياتهم، والشعر الغزلي في العصر الجاهلي يختلف عن العصر الإسلامي، ففي العصر الإسلامي يمكن القول إن الشعر أصبح أكثر تهذيباً وأصبح أكثر عفة، ولكن بطبيعة الحال لكل عصر من العصور طبيعة مختلفة فيما يتعلق بالغزل".

لطالما كان شعر الغزل ذا مكانة مميزة كأحد أنواع الشعر الأدبي لدى العرب

هل خبت مكانة الغزل في الشعر أم ما زالت بذات المكانة؟

يقول شرف الدين: "لا لم تخبُ، ولكن لم يعد هناك شعراء يتفرغون للغزل فقط، وأكثر من ذكر المرأة في شعره في العصر الحديث هم إبراهيم ناجي، وأحمد رامي، ونزار قباني، والآن نجد بعض القصائد تتغزل فيها المرأة بالرجل أو تكتب غزلاً لها على لسانه، سواء كان عفيفاً أو صريحاً نتيجة ما نالته المرأة من حرية في الكتابة والتعبير عن رأيها ومشاعرها، وحديثاً تداخل الغزل العفيف مع الصريح، ومثال ذلك ما قاله عن المرأة أحمد رامي، ونزار قباني، وإبراهيم ناجي الذي تفتحت موهبته مبكراً، فقد نظم الشعر وهو في الثانية عشرة من العمر، وشجعه والده على ذلك وفتح له خزائن مكتبته، ومن شعره في الصبا قصيدة قالها وهو في الثالثة عشرة من عمره، عنوانها "على البحر"، وفيها يقول إبراهيم ناجي:
إني ذكرتك باكياً، والأفق مغبر الجبين
والشمس تبدو وهي تغرب شبه دامعة العيون
والبحر مجنون العباب، يهيج ثائره جنوني
وعلى صعيد آخر، وحول الشعر بعصرنا الحديث قد ترغبين في متابعة هذا الرابط: الشِعر والأدب في عصر الفيسبوك.. هذا ما يراه الشعراء والكُتاب

أنواع شعر الغزل العربي

يقول الشاعر صالح شرف الدين يمكننا تقسيم شعر الغزل العربي على مر العصور إلى قسمين، وهما:

الغزل العذريّ أو العفيف أو البدوي

هذا النوع من الغزل هو نوع من الفنون الشعرية التي تنمو فيها حرارة العواطف الطاهرة العفيفة التي يستخدمها الشاعر لإبراز مكابد العشق، وآلام الفراق والبعد عن الحبيبة، ويذكر المعاناة في الحب، ولا يذكر أية أوصاف حسية ولا يذكر أية ملامح جسمية في المرأة غالباً، وبدون أي فحش في التصوير أو التعبير، ويتميز بأن الشاعر يوجه فيه كلامه إلى محبوبة واحدة فقط، ويتميز بصدق الأحاسيس والمشاعر ومن الغزل العذري كل ما قاله عنتر عبلة، وكُثَيّر عزة، وجميل بثينة وأيضاً من الشعراء الذين اشتهروا بهذا النوع من الغزل هو قيس بن المُلوح المعروف باسم مجنون ليلى وأبياته المشهورة تلك الأبيات:
خليـليَّ لا واللهِ لا أملكُ الذي
قضى اللهُ في ليلى ولا مَا قَضى لِيَا
قضَاهَا لِغيري وابتلاني بِحُبِّها
فهلّا بشـيءٍ غير ليـلى ابتلانيا

الغزل الصريح أو الفاحش أو الحضري

والغزل الصريح يذكر فيه الشاعر ملامح جسمية وتجربة الحب الحسي المتبادل بينه وبين من يحب، وهناك مسميات تطلق أيضاً على هذا النوع من الغزل؛ مثل الغزل الإباحي أو الحضري، وقد أطلق على هذا النوع الشعر الحضري لأنه ظهر في المدن، كما أن أغلب شعرائه من الحضر، وقد أطلق عليه شعر إباحي؛ لأن هذا الشعر دائماً ما يصف متعة الوصال بين الرجل والمرأة وبشكل مبالغ فيه بدون أي حرج، ويتسم هذا النوع بأن الشعراء لا يوجهون حبهم إلى محبوبة واحدة فقط، بل كانوا يحبون أكثر من امرأة، ومن أشهر شعراء الغزل الصريح عمر بن أبي ربيعة، امرؤ القيس له أبيات كثير يظهر فيها هذا النوع من الغزل حيث يصف مفاتن النساء، ويحكي عن علاقاته النسائية، ومن تلك الأشعار:
“أُغادي الصَبوحَ عِندَ هِرٍّ وَفَرتَنى
وَليدًا وَهَل أَفنى شَبابِيَ غَيرُ هِر
إِذا ذُقتُ فاهاً قُلتُ طَعمُ مُدامَةٍ
مُعَتَّقَةٍ مِمّا تَجيءُ بِهِ التُجُر
هُما نَعجَتانِ مِن نِعاجِ تِبالَةِ
لَدى جُؤذَرَينِ أَو كَبَعضِ دُمى هَكِر
إِذا قامَتا تَضَوَّعَ المِسكُ مِنهُم
نَسيمَ الصَبا جاءَت بِريحٍ مِنَ القُطُر
يمكنك كذلك متابعة أجمل أبيات شعر غزلية رومانسية قصيرة

هل كان الغزل العفيف أكثر انتشاراً من الغزل الصريح قديماً؟

يقول شرف الدين بالفعل كان الغزل العفيف أكثر انتشاراً؛ لأن العربي حرص على صيانة المرأة أماً وأختاً، وزوجة وابنة وحفيدة، لدرجة أن العرب لا تزوج أي محب تفتضح قصة حبه لمرأة، فلا تزوجه أبداً بمن يحبها؛ لأنه لو كان كفئاً لها لتزوجها وبثها حبه كما يريد دون أن يشبب بها ويذكرها في شعره أو نثره، والكفاءة كانت مرعية بقوة عند العرب.

أفضل ما قيل في الغزل

عنترة العبسي في حبيبته عبلة

ولولاها فتاة في الخيام مقيمة... لما اخترت قرب الدار يوماً على البعد
مهفهفة والسحر في لحظاتها ... إذا كلمت ميتاً يقوم من اللحد
أشارت إليها الشمس عند غروبها ... تقول إذا اسود الدجى فاطلعي بعدي
وقال لها البدر المنير ألا سفري ... فإنك مثلي في الكمال وفي السعد
فولت حياء ثم أرخت لثامها ... وقد نثرت من خدها رطب الورد
وسلت حساماً من سواجي جفونها... كسيف أبيها القاطع المرهف الحد
تقاتل عيناها به وهو مغمد ... ومن عجب أن يقطع السيف في الغمد
ويطلع ضوء الصبح تحت جبينها ... فيغشاه ليل من دجى شعرها الجعد

أبيات شعر غزل لكُثير عزّة

وكانتْ لقطعِ الحَبلِ بَينِي وبَينَها كناذِرةٍ نِذراً وفَتْ فأحلَّتِ
فقلتُ لها: يا عَزُّ كُلُّ مُصيبَةٍ إذا وطِّنتْ يَوماً لَها النَّفسُ ذَلَّتِ
ولمْ يَلقَ إنسانٌ مِن الحُبِّ مَيعةً تَعُمُّ ولا عَمياءَ إلا تجلَّتِ
فإن سأَلَ الوَاشُونَ فيمَ صرمْتَها فقُل نَفسُ حُرٍّ سُلِّيتْ فَتَسلَّتِ
كأَنّي أُنادِي صَخرَةً حِينَ أَعرَضَتْ مِن الصُمِّ لو تَمشي بها العُصمُ زلَّتِ

أبيات شعر غزل للعباس بن الأحنف

أمـيـرتـي لا تـغـفـري ذنـبـي .... فـإن ذنـبـي شـدة الـحـب
يـا لـيـتني كـنـت أنـا الـمبتلى .... مـنـك بـأدنـى ذلـك الـذنـب
حـدثـت قـلـبـي كـاذبـاً عـنـكـم ... حـتّى اسـتحت عيني من قلبي
إن كـان يـرضيكم عذابي وأن ... أمـوت بـالـحـسرة أو الـكـرب
فـالـسمع والـطاعة مـنّي لـكم .... حسبي بما ترضون لي حسبي
وإذا كان هذا قبس من شعر الغزل فهذه أجمل الأبيات الشعرية التي كتبت في الحب