في عالم الفن المعاصر، لا تقتصر اللوحة على الألوان والخطوط، بل تتحول إلى مساحة تروي قصصاً عن الهوية، والانتماء، والذاكرة، والتجارب الإنسانية المشتركة. ومن بين الأصوات الفنية الأفريقية التي استطاعت أن تفرض حضورها عالمياً، يبرز اسم الفنان النيجيري مايووا شوتاباغ ألابي Mayowa Shutabug Alabi، الذي نجح في المزج بين الرسم الرقمي، والتصميم الجرافيكي، والتصوير الفوتوغرافي، والرسوم المتحركة؛ ليبتكر لغة بصرية خاصة تتميز بعفويتها وصدقها، وتحافظ على روح العمل اليدوي في عصر تهيمن عليه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
بدأت رحلة شوتاباغ عام 2017 بعد فوزه بمسابقة الاتحاد الأوروبي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة الخاصة بالقصص المصورة والكاريكاتير حول المساواة بين الجنسين، وهي المحطة التي شكّلت نقطة التحول في مسيرته الفنية. ومنذ ذلك الحين، أقام معرضين فرديين في لاغوس ونيروبي، وتعاون مع علامات عالمية بارزة مثل Meta وUber وDesperados، كما ساهم في رسم كتاب "Africana: An Encyclopedia of an Amazing Continent" للكاتبة كيم شاكانيتسا، مؤكداً مكانته كأحد أبرز الفنانين الشباب الذين يعيدون صياغة صورة الفن الأفريقي المعاصر.
في هذا اللقاء مع "سيدتي"، يتحدث شوتاباغ Shutabug عن البدايات التي قادته إلى عالم الفن، وفلسفته في الاحتفاء بالعفوية والصدق البصري، وكيف يوظف أعماله لسرد قصص تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. كما يكشف تفاصيل مجموعاته المستوحاة من كرة القدم وكأس العالم، ورؤيته لتطور الفن الأفريقي، وتأثره بالعمارة والزخارف العربية، والدور الذي يأمل أن يتركه للأجيال الجديدة من الفنانين في رحلة البحث عن هويتهم الإبداعية.
بدأت رحلتك الفنية عام 2017 بعد فوزك بمسابقة Picture It Comic & Cartoon Competition. كيف غيّر هذا الفوز علاقتك بالفن، وماذا كشف لك عن قوة السرد البصري؟

كان ذلك الفوز عام 2017 المرة الأولى في حياتي التي أحصل فيها على جائزة مرتبطة بالفن، وهذا أمر ينطبق على كامل مسيرتي التعليمية. شعرت حينها بأن الأمر لم يكن مجرد إنجاز، بل كان بمثابة تأكيد، أو ربما إشارة بأن هذا هو الطريق الذي كان مقدراً لي أن أسلكه.
كانت أيضاً المرة الأولى التي أروي فيها قصة حقيقية من خلال الفن. قبل تلك المسابقة، كنت أرسم وأخطّ الرسومات باستمرار، لكن أعمالي كانت دائماً عبارة عن أجزاء منفصلة، من دون سرد أو قصة تحمل معنى متكاملاً. أما في ذلك العمل، فقد رسمت أشخاصاً يحاولون إعادة تجميع نسخة مكسورة من رمز المساواة بين الجنسين؛ حيث يحمل كل شخص جزءاً من الرمز ويحاولون معاً إعادة تركيبه. كانت تلك أول مرة أتوقف فيها فعلاً عند فكرة المساواة بين الجنسين باعتبارها مفهوماً يمكن تجسيده بصرياً، وليس مجرد موضوع للنقاش.
أكثر ما أثّر بي هو أن القصة وصلت إلى الناس من دون الحاجة إلى شرحها. فهموا الاستعارة وحدهم: الانكسار، والجهد الجماعي، وعدم اكتمال الرمز إلا عندما يضع كل شخص جزأه في مكانه الصحيح. كانت تلك اللحظة التي أدركت فيها أن الفن قادر على إيصال فكرة أبعد مما تستطيع الكلمات وحدها فعله، وهذا الإدراك شكّل الطريقة التي تعاملت بها مع كل عمل فني بعد ذلك.
قد يهمك أيضاً: زيارة إلى منزل الرسامة المكسيكية Frida Kahlo امرأة من نار وألوان
يتميّز عملك بالعفوية والصدق. ماذا يعني لك عدم الكمال كفنان، ولماذا تعتقد أن المشاعر الصادقة تلامس الجمهور أكثر اليوم؟

عدم الكمال هو ما يجعلنا بشراً، وهذا هو الجانب الذي أحاول التعبير عنه من خلال أعمالي. إذا اقتربت من بعض لوحاتي، ستلاحظ ذلك بوضوح؛ هناك حواف غير مصقولة وبعض التفاصيل غير المثالية. أنا لا أسعى إلى الكمال، بل أحاول نقل ما يدور في ذهني إلى اللوحة بأكبر قدر ممكن من الصدق.
يمكن رؤية ذلك بشكل واضح في مجموعتي Kamoru vs the World، حيث أترك خطوط الرسم الأولية ظاهرة في العمل النهائي. إنه اختيار مقصود، وطريقتي في إظهار يدي داخل العمل، وإظهار مراحل العملية الإبداعية بدلاً من إخفائها. ففي النهاية، القصة بالنسبة لي أهم من السطح المثالي. عدم الكمال جزء أساسي من الفكرة نفسها.
أما عن سبب صدى هذه العفوية اليوم، فنحن نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح جزء كبير مما يراه الناس ويستهلكونه يتم إنتاجه عبر أوامر رقمية وليس عبر صناعة بشرية حقيقية. عملي، وأعمال العديد من الفنانين الذين ما زالوا يبدعون بأيديهم، يمثل دليلاً على العكس تماماً. الناس قادرون على التمييز، ويشعرون عندما يكون العمل قد صُنع فعلاً بواسطة إنسان جلس وأخذ الوقت ليبتكره، وليس شيئاً تم إنتاجه بشكل فوري.
هذه الأصالة أصبحت أكثر ندرة، وأعتقد أن هذا تحديداً هو سبب ارتباط الناس بها؛ فهي تذكّرهم بأن الأعمال الحقيقية المصنوعة بيد الإنسان لا تزال موجودة، ولا تزال تحمل قيمة كبيرة.
تتنقل بين الرسم الرقمي والتصميم الغرافيكي والتصوير والتحريك. كيف تتكامل هذه المجالات في عمليتك الإبداعية، وكيف تختار الوسيط الأنسب لكل فكرة؟

كل مجال يغذي المجال الآخر بطريقة مختلفة. التصميم الغرافيكي منحني الإحساس بالبنية والتوازن، وعلّمني كيفية بناء التسلسل البصري، وكيفية توجيه عين المشاهد نحو العنصر الأكثر أهمية في العمل. هذا التفكير يرافقني مباشرة في لوحاتي؛ فأنا دائماً أسأل نفسي: ما هو العنصر الأساسي في هذه القطعة؟ وكيف أجعل المشاهد يراه أولاً؟
أما التصوير الفوتوغرافي، فهو يؤثر في طريقة رؤيتي قبل أن أمسك الفرشاة أصلاً. قبل أن أبدأ الرسم، أتخيل العمل وكأنني ألتقط له صورة فوتوغرافية. أسأل نفسي: لو التقطت صورة لهذه اللحظة الآن، كيف ستبدو؟ هذا التأطير والتكوين يصبحان الأساس الذي أبني عليه اللوحة.
أما التحريك، فهو المجال الذي ما زلت أتعلم فيه ولم أصل بعد إلى إتقانه. لا أعتقد بأنني قدمت فيه أعمالاً كافية لأقول بثقة إنني أستطيع سرد قصة من خلاله بالطريقة نفسها التي أفعلها عبر الرسم. لكنه مجال يثير شغفي الحقيقي، وما زلت أواصل استكشافه وتطوير مهاراتي فيه.
أما اختيار الوسيط، ففي معظم الأحيان يبدأ الأمر بشعور داخلي أو فكرة لا أستطيع تجاهلها، ثم أتبع هذا الشعور. وفي أحيان أخرى، أجد الإلهام في شيء بعيد عن الفن تماماً، مثل فيلم أو قصة، وهذا يقودني في النهاية إلى اختيار الوسيلة التي تناسب الرسالة التي أريد إيصالها.
تتناول أعمالك الهوية والثقافة والتجارب الإنسانية. كيف توازن بين سرد قصصك الشخصية وصناعة أعمال يتفاعل معها جمهور عالمي؟

أحاول دائماً البحث عن أوجه التشابه بين البيئات والثقافات المختلفة، سواء من خلال ما أراه بشكل مباشر أثناء السفر أو من خلال ما أكتشفه عبر وسائل الإعلام. حتى عندما تبدو الثقافات مختلفة تماماً من الخارج، فإن التجربة الإنسانية واسعة بما يكفي؛ لتظل مترابطة وعالمية في جوهرها.
يمكنني مثلاً أن أرسم شيئاً عن شدة الازدحام المروري في لاغوس، ومع ذلك قد يشعر شخص يعيش في لوس أنجلوس أو باكستان بأنه قريب من هذه التجربة؛ لأنه يعرف ذلك الشعور أيضاً، حتى لو كانت الشوارع والمشاهد مختلفة تماماً.
أسافر بقدر ما أستطيع، وعندما أكون في مكان جديد، أحب استخدام وسائل النقل العامة المحلية بدلاً من تجنبها. غالباً ما تكون تلك اللحظات هي التي ألاحظ فيها أوجه التشابه بين المجتمعات؛ كيف يتجمع الناس، وكيف يتحركون خلال يومهم، وكيف تُستخدم المساحات العامة. أحتفظ بهذه التفاصيل وأربطها دائماً ببيئتي الخاصة في لاغوس.
وهذا أحد الأسباب التي جعلتني مفتوناً بكرة القدم في الفترة الأخيرة؛ فهي برأيي واحدة من أكثر القصص الإنسانية عالمية. الجميع تقريباً حول العالم لديه قصة مرتبطة بكرة القدم. على سبيل المثال، عندما فاز أرسنال بالبطولة، وقع الحدث في لندن، لكن مشاعر الفرح والانتماء امتدت إلى جماهيره في كينيا ونيجيريا ومختلف أنحاء أوروبا، بل وإلى كل مكان كان فيه شخص يتابع المباراة. كان الانتصار لحظة عالمية، وردود الفعل على العمل الفني الذي أنشأته احتفالاً بهذا الفوز عكست ذلك الترابط.
ما الذي ألهمك لتوثيق كأس العالم من خلال الفن، وما القصص الإنسانية التي أردت أن يراها الجمهور خلف اللعبة؟

سلسلة كأس العالم مثال جيد على ما تحدثت عنه سابقاً؛ فقد بدأت في البداية كفكرة عفوية. كان الإلهام الأول هو رغبتي في منح كرة القدم وجهاً بصرياً خاصاً من ابتكاري. لطالما أردت تصميم قمصان كرة القدم، وكنت مهتماً منذ فترة طويلة بتصميم أطقم المنتخبات والفرق، لذلك وضعت لنفسي تحدياً بأن أصمم قمصاناً بالطريقة التي أتخيلها.
قادني ذلك إلى رحلة طويلة من البحث حول الدول المشارِكة في كأس العالم، ومنتخباتها، وألوانها، ورموزها، والأنماط المرتبطة بهويتها. وخلال هذا البحث، أدركت أنه لا توجد طريقة أجمل لإظهار جمال الدول والرياضة معاً من خلال رسم نساء، وهن فئة لا تزال ممثلة بشكل أقل في عالم الرياضة يرتدين قمصاناً مستوحاة من بلدانهن الأصلية. أصبحت هذه السلسلة وسيلة لرؤية كل دولة من خلال منظوري الخاص.
أما من ناحية المشاعر التي أردت نقلها، فكنت أريد أن يشعر الناس بالفخر. غالباً ما تُصنّف كرة القدم على أنها رياضة "ذكورية"، لكنها في الحقيقة واحدة من الرياضات القليلة التي تخلق شعوراً حقيقياً بالوحدة والفخر الوطني بين الجميع، بغض النظر عن النوع أو العمر أو الطبقة الاجتماعية.
إنها رياضة قادرة على جعل الناس يضعون اختلافاتهم جانباً لمدة 90 دقيقة فقط لمتابعة مباراة واحدة معاً. إنها لغة عالمية. وهذا هو الشعور الذي أردت أن يبقى مع المشاهد: الإحساس بالفخر والانتماء إلى شيء أكبر من مجرد نتيجة مباراة.
يحمل كأس العالم قصصاً عن الوحدة والشغف والهوية. هل كانت هناك لحظات أو شخصيات أو قصص معينة ألهمت رؤيتك الفنية لهذه اللوحات؟
بصراحة، لم يكن هناك لاعب محدد. شعرت بأن الجميع كانوا بالفعل يصنعون أعمالاً فنية تتمحور حول لاعبين بعينهم، ويحتفون بهم، بينما أردت أنا الابتعاد عن هذا الاتجاه تماماً. كان تركيزي على الدول والثقافات، وعلى العناصر التي شعرت بأنها لا تحصل على الاهتمام نفسه.
أما بالنسبة للحظات الثقافية، فأذكر هتاف التجديف المرتبط بجماهير منتخب النرويج في اللوحة التي رسمتها عنهم. يمكن رؤية أشخاص يجدّفون على متن سفينة نرويجية في العمل، وهو مستوحى مباشرة من تلك اللحظة. أصبحت هذه طريقتي في التعامل مع السلسلة بأكملها: كنت أبحث أولاً عن رمز ثقافي أو لحظة خاصة مرتبطة بكل دولة، وإذا لم أجد شيئاً محدداً، كنت أنتقل إلى لحظات الجماهير في المدرجات، إلى ما يفعله المشجعون، وليس فقط ما يحدث داخل الملعب.
ومن اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرتي، ظهور شقيق لامين يامال الصغير كأنه تميمة للفريق؛ طفل يبلغ من العمر خمس سنوات فقط يعيش أجواء كأس العالم بكل عفوية وحماس، من دون أي تصنع أو وعي بالصورة العامة. أثّرت فيّ تلك اللحظة كثيراً.
وأحب أن أؤمن بأنني أبدع كما يستمتع الطفل باللعب؛ بحرية مطلقة، ومن دون خوف أو تردد، مدفوعاً فقط بمتعة اللحظة وجمالها.
وصلت أعمالك إلى جمهور عالمي وتعاونت مع علامات دولية. كيف ترى تطور الفن الأفريقي المعاصر، وما دور الفنانين في تقديم صورة جديدة للإبداع الأفريقي على الساحة العالمية؟

لطالما كان الفن الأفريقي عظيماً؛ فهو يمتلك تاريخاً عريقاً يمتد لقرون، ويشهد على ذلك إرث مثل برونزيات بنين. لكن التحدي الأكبر كان دائماً في إيصال هذه القصص إلى العالم. في الماضي، كان ذلك يتطلب جهوداً هائلة، ولم يتمكن سوى عدد قليل من الفنانين من تجاوز الحدود والوصول إلى جمهور عالمي.
أما اليوم، فقد منحنا الإنترنت نافذة مباشرة على ما يبدعه الفنانون الأفارقة، وفي الوقت الحقيقي. وما زلت أرى نفسي مجرد شاب من لاغوس يبدع داخل عالمه الخاص، لكن قدرة أعمالي على الوصول إلى جمهور عالمي من هنا، من لاغوس، تجسد حجم التحول الذي نعيشه اليوم.
ولم يعد الإبداع الأفريقي يقتصر على المنحوتات البرونزية أو الفنون التقليدية، بل امتد ليشمل مجالات متعددة، من الفن ثلاثي الأبعاد إلى التحريك والرسم الرقمي. نحن نعيش مرحلة أصبح بإمكاننا فيها أخيراً إظهار التنوع الكامل لما يستطيع الفنانون الأفارقة تقديمه، والعالم بات يراه بوضوح.
أما عن إعادة تشكيل الصورة العالمية للإبداع الأفريقي، فهو سؤال كبير، لأن أي فنان قد يشعر بأنه مجرد صوت صغير ضمن حركة أوسع بكثير. ومع ذلك، أعتقد أن العالم بدأ يدرك أن الإبداع الأفريقي لا يقتصر على نوع أو وسيط فني واحد.
اليوم، يحضر الفنانون الأفارقة بقوة في عالم الفن الرقمي، ويواكبون الاتجاهات العالمية، ويقدمون أعمالاً تضاهي أعمال الفنانين الدوليين وتتواصل مع جمهور من مختلف أنحاء العالم.
أما دوري، كما أراه، فهو أن أساهم في إبراز حجم الإبداع الحقيقي الذي يقدمه الفنانون الأفارقة اليوم، وأن أكون جزءاً من هذه الحركة المتنامية.مايووا شوتابغ ألابي
يمتلك العالم العربي تراثاً بصرياً غنياً. هل وجدت روابط أو مصادر إلهام مشتركة بين الثقافتين الأفريقية والعربية، وهل هناك عناصر عربية ترغب في استكشافها فنياً؟

أنا مفتون بعناصر كثيرة من الثقافة البصرية العربية، خصوصاً العمارة. هناك هندسة معمارية مميزة في العالم العربي تتميز بالتناغم والدقة؛ والطريقة التي تتكامل بها المساحات والتناظر والزخارف بدلاً من أن تتنافس مع بعضها البعض، وهذا أمر يجذبني كثيراً.
كما أنني معجب بالموضة العربية؛ فهي تجمع بين الاحتشام والحضور البصري القوي، وأعتقد بأن تحقيق هذا التوازن ليس أمراً سهلاً. بدأت بالفعل في إدخال بعض عناصر هذا الأسلوب المتحفظ إلى رسوماتي الخاصة، فقد علّمني ذلك كيف يمكن للتصاميم البسيطة أن تبدو أكثر غنى بدلاً من أن تكون فارغة، وكيف يمكن للقليل أن يحمل قيمة بصرية كبيرة.
تظهر هذه التأثيرات بشكل واضح خصوصاً في عالم النقوش والأنماط. أحب السجاد والبسط العربية بسبب تفاصيلها الدقيقة، والطريقة التي تتكرر بها الزخارف وتتغير عبر السطح حتى تصبح أشبه بإيقاع بصري ساحر.
وأنا أميل إلى استخدام هذا الحس نفسه في رسوماتي، من خلال بناء الأنماط وتكرار العناصر بطريقة تخلق حركة وتناغماً. كما أنني مفتونة بالهيروغليفية للأسباب نفسها؛ فهناك لغة مشتركة بين التقاليد البصرية الأفريقية والعربية القديمة، خصوصاً فيما يتعلق بالرموز، والأنماط، واستخدام التكرار كوسيلة للسرد.
هذا التقاطع بين الثقافتين هو أمر أرغب في استكشافه بشكل أعمق في أعمالي المستقبلية، وربما من خلال سلسلة فنية مخصصة لهذا الموضوع تحديداً.
بصفتك جزءاً من جيل جديد من المبدعين الأفارقة، ما الإرث الذي تأمل تركه للفنانين الشباب الباحثين عن هويتهم البصرية؟

أتمنى أن يدركوا أنه يمكنهم الإبداع بطريقتهم الخاصة، وأنهم لا يحتاجون إلى إذن أو موافقة من بيئتهم أو من العالم قبل أن يبدأوا في صناعة الفن.
احكوا قصصكم الخاصة، بأسلوبكم الخاص، وثِقوا بأن خصوصية هذه القصص هي بالضبط ما يمكن أن يجعلها تصل إلى جمهور أكبر. غالباً ما تكون أكثر الأشياء شخصية بالنسبة لنا هي التي تلامس أكبر عدد من الناس.
كما أريد من الفنانين الشباب أن يحتضنوا الفشل والتجربة قدر الإمكان. التطور لا يأتي من النجاح في المحاولة الأولى، بل من تجربة أشياء متعددة، والفشل في الكثير منها، والاستمرار في المسار رغم ذلك. بعض أقوى أعمالي خرجت من تجارب بدأت في الأصل كمحاولات فاشلة.
إذا أردت تعريف الإرث الذي أتمنى تركه، فهو يتمحور حول التواصل الإنساني. غالباً ما نعتقد أن مجتمعاتنا وتجاربنا مختلفة تماماً عن الآخرين، لكن عندما ننتبه جيداً، سنجد خيطاً يربط البشر في كل مكان، بغض النظر عن خلفياتهم.
من خلال أعمالي، أحب أن أُظهر للعالم أننا أكثر ترابطاً مما نعتقد. وإذا كان هناك شيء واحد أريد أن يأخذه الفنانون الشباب من تجربتي، فهو أن يبحثوا عن هذا الخيط الذي يربط قصتهم بقصص الآخرين، وألا يخافوا من اتباعه.
إذا كان بإمكانك إنشاء قصة بصرية عن لحظة واحدة في عالمنا اليوم تستحق أن تُخلّد بعد عقود، فما هذه اللحظة؟ ولماذا؟

إذا كان عليّ اختيار لحظة واحدة، فسأختار فترة الجائحة. وتحديداً، أرغب في إنشاء لوحة تجسد التوتر بين العزلة والتواصل خلال تلك الفترة.
على السطح، كانت الجائحة واحدة من أكثر الفترات التي شعر فيها الناس بالعزلة في حياتهم. فقد أصبح البشر منفصلين جسدياً عن بعضهم بطريقة غير مسبوقة. لكن في الوقت نفسه، دفعت هذه العزلة الناس إلى البحث عن التواصل بطرق لم تكن تقليدية؛ من خلال مكالمات الفيديو، والمجتمعات الرقمية، والتواصل مع أشخاص لم يتحدثوا معهم منذ سنوات، واكتشاف طرق جديدة للبقاء قريبين رغم عدم وجودهم في المكان نفسه.
هذا التناقض هو ما أعتقد أنه يستحق أن يُخلّد بعد عقود؛ ليس العزلة وحدها، بل الدليل على أنه حتى في أكثر لحظات ابتعادنا الجسدي، وجد الإنسان طريقة للبقاء متصلاً. أعتقد أن هذه الفكرة تكشف جانباً مهماً من طبيعتنا البشرية، وهي قصة تستحق أن تُحفظ بصرياً، لا أن تبقى مجرد ذكرى.
تابعي أيضاً: الحرف العربي.. حين تتحول اللغة إلى فن بصري خالد


Google News