يُعد العمل الإنساني والتطوعي صمام الأمان الذي يحمي المجتمع من التفكك، حيث يتجاوز مجرد تقديم المساعدات المادية ليعيد صياغة العلاقات البشرية على أسس من التضامن والرحمة. وتكمن قوته في قدرته على انتشال الفئات الهشة من طيات الفقر والإقصاء، ونشر ثقافة المبادرة والإيجابية بدلاً من السلبية. إنه القناة المثالية التي تستوعب طاقات الشباب نحو البناء المستدام والتنمية المجتمعية الشاملة، وفق هذا السياق يحتفل العالم اليوم 5 أغسطس باليوم الدولي للعمل الخيري.
كيف تحول يوم العمل الخيري من مبادرة محلية ليوم عالمي مشهود؟
وفقًا للموقع الرسمي للأمم المتحدة un.org، فقد بدأت ملامح اليوم العالمي للعمل الخيري كفكرة محلية ملهمة ومبادرة نابعة من مؤسسات المجتمع المدني في دولة المجر عام 2011، حيث رغبت الحكومة المجرية بالتنسيق مع الفاعاليات الأهلية والمحلية في إيجاد يوم وطني يركز على تعزيز قيم التكافل الاجتماعي وتوعية المواطنين بأهمية التطوع، فضلاً عن دعم الجمعيات الخيرية في مواجهة الأزمات المجتمعية.
وفي ظل النجاح الاستثنائي الذي حققته المبادرة داخلياً، سعت الدبلوماسية المجرية إلى نقل هذا النموذج الإنساني نحو آفاق أوسع عالمياً. لتتوج المسيرة بنهاية عام 2012، عندما تقدمت المجر بطلب رسمي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحظي المقترح بتأييد دولي جارف وشاركت في رعايته أربع وأربعون دولة عضو من مختلف القارات، ليثمر ذلك عن إصدار الأمم المتحدة لقرارها التاريخي الذي أعلن رسمياً يوم الخامس من سبتمبر من كل عام يوماً عالمياً للعمل الخيري.
جاء اختيار هذا التاريخ تحديداً تخليداً لذكرى رحيل "الأم تريزا" عام 1997، الراهبة الشهيرة في محراب الإنسانية والحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1979، حيث اعتبرت المنظمة الدولية مسيرتها الطويلة التي امتدت لأكثر من خمسة وأربعين عاماً في خدمة الفقراء والمشردين في كالكوتا، نموذجاً إنسانياً فريداً ومشرقاً يستحق المحاكاة والتقدير من البشرية جمعاء.
القضاء على الفقر بجميع أشكاله
بالتزامن مع إطلاق الأمم المتحدة لأجندة التنمية المستدامة لعام 2030، شهد مفهوم العمل الإنساني تحولًا كبيرًا من مجرد تقديم المساعدات العاجلة والحلول المؤقتة كجمع الأطعمة والملابس، ليصبح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالهدف الأول للأجندة الدولية وهو "القضاء على الفقر بجميع أشكاله"، ومناقشة الحلول الجذرية كصناعة فرص التعليم والرعاية الصحية.
واكب هذا التحول دخول العمل الخيري عصر "الرقمنة وعصرنة العطاء" في السنوات الأخيرة، حيث استغلت المنظمات هذه المناسبة لإطلاق:
- منصات التمويل الجماعي الذكية.
- حملات التبرع المبتكرة عبر الهواتف.
- توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الفجوات الإنسانية.
- رفع كفاءة وصول المعونات لمستحقيها بمرونة وشفافية.
مبادرات استثنائية إنسانية
يُعد التطور المعاصر الذي يشهده العالم والذي طال مجال العمل الخيري ما هو إلا امتداداً لإرث تاريخي عريق من العمل الأنساني، آمن به قادة وعظماء فخلفوا وراءهم مبادرات إنسانية ملهمة. وفي ظل الاحتفال باليوم الدولي للعمل الخيري سيدتي تستعيد بعضاً من القصص لمبادرات من التاريخ الإسلامي قدمتها عدد من الشخصيات الشهيرة ..فتعرفوا معنا على بعض من حكايات العطاء التي تركت أثراً في التاريخ.
مبادرة العمل الإنساني" مؤنسي المرضى "
أسسه السلطان المريني أبو يعقوب يوسف الناصر، وجدده لاحقاً السلطان أبو عنان المريني، حيث أُسس هذا النظام كجزء من أوقاف "مارستان سيدي فرج" في فاس عام 1286م. وتمت تسميته "سيدي فرج" نسبة إلى الطبيب الأندلسي فرج الخزرجي الذي تولى إدارته وطوّر أساليب العلاج النفسي فيه حيث يتم اختيار موظفين يتمتعون بأصوات رخيمة، ونبرات هادئة، ويبعثون على الطمأنينة. كانت مهمتهم السرية هي الدخول إلى ردهات المستشفى في الصباح الباكر والمساء، والوقوف بالقرب من أسرّة المرضى -دون أن يشعر المريض أن الأمر مقصود-، والحديث مع بعضهم البعض بصوت منخفض بإيجابية حول شفاء المريض مما يبعث الامل داخل نفسه فيشفى سريعًا.
مبادرة العمل الإنساني "تطبيب وتغذية الحيوانات المسنّة"
أسسه الأمير الأيوبي "ابن أتابك" عرفت باسم "المرج الأخضر" خصصها أصحابها لتكون ملاذاً آمناً وخلفوا وراءهم أوقافاً تدر عائداً ماليّاً لشراء الأعلاف وتقديم الرعاية الطبية للدواب العاجزة
مبادرة العمل الإنساني"الزواج والتجهيز وعقد القران"
أسستها السيدة فاطمة خاتون (ابنة محمد بك بن السلطان الغوري) وشخصيات نسائية من طبقة الأعيان وقد انتشرت هذه المبادرة بكثرة في العهدين المملوكي والعثماني بالقاهرة ودمشق حيث كانت النساء الثريات (مثل فاطمة خاتون) يوقفن مجوهراتهن وثيابهن الفاخرة للفتيات اليتيمات)، بل وأسست السيدات كذلك مبادرات تشتري بيوتاً كاملة لتأثيثها للشباب غير القادرين.
مبادرة العمل الإنساني "عازفي الموسيقى للمرضى"
أسسها السلطان نور الدين زنكي، والسلطان المنصور قلاوون. وظهرت هذه المبادرة في المستشفى النوري بدمشق، و المستشفى المنصوري بالقاهرة. حيث اشترط السلاطين في "حجج الأوقاف" تخصيص رواتب شهرية ثابتة للموسيقيين لزيارة المستشفيات والعزف للمرضى لتخفيف آلامهم.
مبادرة العمل الإنساني "توزيع السكر والحليب على الأمهات"
اسسها القائد الناصر صلاح الدين الأيوبي. فعندما بنى صلاح الدين قلعة القاهرة (قلعة الجبل)، جعل في أحد أبراجها ميزابين (أنبوبين) يسيل منهما الحليب المحلى بالسكر والماء النقي مرتين في الأسبوع لدعم الأمهات المرضعات، وكان يُموَّل بالكامل من ديوان الأوقاف الخاص بالسلطان.
مبادرة العمل الإنساني "تسهيل الخطى وعابري السبيل"
أسسها الخليفة الوليد بن عبد الملك (أول من أسس فكرة إنارة الطرق العامة)، وتولى أصحاب الحرف والتجار تطويرها كأوقاف محلية في حارات مصر والشام. حيث كان يخصصون دكاكين أو عقارات يُصرف ريعها لشراء الزيت والقناديل، وتوظيف أشخاص لرش الملح والرمال في الشتاء منعاً لانزلاق المارة.
مبادرة العمل الإنساني"التنزه والترويح عن النفس"
أسسها السلطان نور الدين زنكي فعندما وجد السلطان أن البساتين والمتنزهات الكبرى في غوطة دمشق محصورة فقط على الأمراء والأغنياء، اشترى قرية "داريّا" (وهي من أغنى وأكبر ضياع الغوطة) وبنى فيها قصراً ومتنزهاً كبيراً، وجعله وقفاً عاماً يتنزه فيه الفقراء والأيتام مجاناً لضمان عدالة الترفيه بين طبقات المجتمع.
والرابط التالي يعرفك المزيد عن: أعمال الخير وتأثيرها الإيجابي

Google News