في عالمها لا تُستَخدمُ الموسيقى للتسلية، بل تتحوَّلُ إلى وسيلةٍ لفهمِ الذات، وقراءةِ المكان، واستعادةِ الذاكرة.
وبين صوتِ الكمان، ورحابةِ الصحراء، وبين الإيقاعاتِ السعوديَّةِ العتيقة، والتقنيَّاتِ الإلكترونيَّةِ الحديثة، ترسمُ كيان ملامحَ مشروعٍ فنِّي مختلفٍ، هو مشروعٌ لا يكتفي باستحضارِ التراث، بل ويُعيد أيضاً اكتشافَه، وتقديمَه برؤيةٍ معاصرةٍ، تنفتحُ على العالمِ دون أن تتخلَّى عن جذورها. ومنذ انضمامها بوصفها أوَّلَ عازفةِ كمانٍ سعوديَّة إلى الأوركسترا الوطنيَّةِ السعوديَّة، وحتى تأسيسِ مشروعيها «خبيتي» و«سكالا»، تُواصل كيان رحلتَها في البحثِ عن الجمالِ الكامن في الموسيقى السعوديَّة، وعن القصصِ الإنسانيَّةِ التي يمكن أن تُروى بالنغمِ كما تُروى بالكلمات.
في هذا الحوارِ مع «سيدتي»، تحدَّثنا مع كيان عن البداياتِ، والكمانِ الذي اختارها قبل أن تختاره، وعن مسؤوليَّةِ تمثيلِ السعوديَّة في المسارحِ العالميَّة، إضافةً إلى شغفها بإعادةِ قراءةِ التراثِ الموسيقي السعودي بلغةٍ تنتمي إلى الحاضر، وتتطلَّعُ إلى المستقبل.
كيان

مَن كيان بعيداً عن الألقابِ والتعريفاتِ المهنيَّة؟
فنَّانةٌ سعوديَّةٌ، وعازفةُ آلاتٍ متعدِّدةٍ، من بينها الكمان، ومُنتِجةٌ موسيقيَّةٌ. مسيرتي الفنيَّةُ في عالمِ الموسيقى الإلكترونيَّةِ انطلقت من الرياض، وكنتُ أوَّلَ عازفةِ كمانٍ سعوديَّة تنضمُّ إلى الأوركسترا الوطنيَّةِ السعوديَّة حيث قدَّمتُ عروضاً منفردةً، محليَّةً ودوليَّةً، كما شاركتُ في جولاتٍ عالميَّةٍ.
وإلى جانبِ مسيرتي الفنيَّة، أسَّستُ مشروعَ «خبيتي» عامَ 2022، و«سكالا» في 2025، ولدي أيضاً برنامجٌ إذاعي خاصٌّ بعنوان «وادي الصوت»، أقدِّم فيه محتوى مستوحى من تجاربي الموسيقيَّةِ في وديانِ مدينةِ العُلا.
كثيراً ما تقولين إن الكمان الآلةُ التي اختارتكِ، كيف حدثَ ذلك؟
ربما لأن الكمان من أكثر الآلاتِ قرباً للصوتِ البشري، كما أنه يمنحُ العازفَ مساحةً واسعةً من الحريَّةِ، والتعبيرِ الموسيقي، ويُتيح التنقُّلَ بين النوتاتِ سواءً في الموسيقى الشرقيَّةِ، أو العربيَّة. عندما بدأت علاقتي به، لم أشعر بأنني اتَّخذتُ قراراً واعياً بقدرِ ما شعرتُ بأن الأمرَ جاءِ بوصفه إلهاماً طبيعياً، لذا أقولُ دائماً: إن الكمان هو الذي اختارني.
متى أدركتِ أن الموسيقى ستكون مسارَ حياتكِ؟
عندما حصلتُ على منحةٍ من وزارةِ الثقافة لدراسةِ الكمان والنظريَّاتِ والتاريخِ الموسيقي. في تلك المرحلةِ أدركتُ أن علاقتي بالموسيقى تجاوزت حدودَ الشغف، وأصبحت مسؤوليَّةً ورسالةً. بدأتُ أكرِّس وقتي بالكاملِ للدراسةِ والتدريب، ومن هناك انطلقت رحلتي المهنيَّة.
ماذا يعني لكِ أن تكوني أوَّلَ عازفةِ كمانٍ سعوديَّة في الأوركسترا الوطنيَّة؟
إنه شرفٌ كبيرٌ، ومسؤوليَّةٌ أكبر. كنتُ محاطةً بدعمٍ استثنائي من وزارةِ الثقافة وهيئةِ الموسيقى، وتعلَّمتُ على أيدي أساتذةٍ متخصِّصين من مختلفِ المدارس الموسيقيَّة، كما حصلتُ على تكريمٍ من قِبل الأمير بدر بن عبدالمحسن، وزير الثقافة، عند تخرُّجي بمرتبةِ الشرف. هذه التجربةُ جعلتني أشعرُ بأن عليَّ أن أقدِّم أفضل ما لدي، ليس لنفسي فقط، بل وأيضاً لتمثيلِ الفنَّانةِ السعوديَّةِ بالصورةِ التي تستحقُّها.
هل ما زلتِ تتذكَّرين لحظةَ وقوفكِ الأوَّلِ على المسرحِ مع الأوركسترا؟
بكلِّ تفاصيلها. كانت بالمسرحِ الوطني في مكسيكو سيتي، العاصمةِ المكسيكيَّة، وكانت المرَّةَ الأولى التي أمثِّلُ فيها السعوديَّة ضمن جولةٍ عالميَّةٍ للأوركسترا الوطنيَّة. يومها وثَّقتُ مشاعري قبل دخولِ المسرحِ باستخدامِ جهازِ بلايترونيكا playtronica الذي يرصدُ مشاعرَ الإنسان، ويُحوِّلها إلى ذبذباتٍ، وبالتالي إلى أصواتٍ موسيقيَّةٍ.
حتى اليوم أعدُّها من أجمل لحظاتِ حياتي. لحظةٌ، امتزجَ فيها الفخرُ بالرهبةِ والامتنان.
أمضيتِ أعواماً في استكشافِ الموسيقى السعوديَّة، كيف بدأت الحكاية؟
بدأتُ من خلال جولاتٍ، أجريتها في السعوديَّةِ لاستكشافِ التراثِ الموسيقي السعودي. زرتُ مدناً كثيرةً، وعزفتُ فيها، وكنتُ أوَّلَ عازفةٍ سعوديَّةٍ تُسجِّل محتوى موسيقياً في قلعةِ رجالِ ألمع، كما عزفتُ لأميرِ محافظةِ جازان ومنطقةِ خيبر بمصاحبةِ أوركسترا عالميَّةٍ، وعزفتُ أيضاً في صحراءِ العلا، وغيرها من المدنِ والمناطقِ السعوديَّة، وبقيتُ على هذه الحال حتى التحاقي بالأوركسترا الوطنيَّةِ السعوديَّة، ثم إطلاقي مشروعَ «خبيتي» في «يومِ التأسيس» 2022.
ما أكثرُ ما أدهشكِ خلال هذه الرحلة؟
التنوُّعُ الموسيقي المذهلُ في كلِّ منطقةٍ، والقصصُ التي بُنِيت عليها هذه الأنواعُ مستوحاةٌ من تجاربَ ووقائعَ حقيقيَّةٍ، عاشها سكَّانُ الأرضِ مثل «الدحَّة»، و«العرضة» وقتَ الحروب، و«الينبعاوي» المرتبطِ بتجاربِ الصيد. هذا الثراءُ يجعلُ الموسيقى السعوديَّةَ عالماً لا ينتهي من الاكتشاف.
إذاً من هنا جاءَ مشروعُ «خبيتي»؟
نعم. «خبيتي» بالنسبةِ لي ليس مجرَّد مشروعٍ موسيقي، إنه محاولةٌ لإعادةِ تقديمِ الموروثِ السعودي بطريقةٍ معاصرةٍ، تُحافِظ على روحه، وتفتحُ له آفاقاً جديدةً للوصولِ إلى جمهورٍ أوسع.

كيف يمكن للفنَّانِ أن يُطوِّر التراثَ دون أن يُفقِدَه أصالتَه؟
أعتقدُ أن أكبر سوءِ فهمٍ يتعلَّقُ بالتراث، هو الاعتقادُ بأنه يجبُ أن يبقى ثابتاً، وهذا ليس صحيحاً، فالتراثُ الحقيقي ظلَّ عبر التاريخِ في حالةِ تطوُّرٍ مستمرَّةٍ، لكنْ جوهره بقي محفوظاً. المهمُّ أن نفهمَ الروحَ الكامنة خلفَ العملِ الفنِّي، ثم نستخدم الأدواتِ الحديثةَ لخدمتها لا لإلغائها.
ما الفرقُ بين الاستلهامِ وإعادةِ الإنتاج؟
في الاستلهامِ يُعدُّ التراثُ مصدرَ إلهامٍ، كما يُمثِّل الابتكارَ والتطوير، أمَّا إعادةُ الإنتاج، فهي تجربةُ نقلٍ مباشرٍ، وحفظٍ للموروث، وتوثيقٍ للفنِّ في الماضي، والحفاظِ على أصوله. شخصياً أميلُ إلى الاستلهامِ أكثر، لأنه يُتيح مساحةً أوسعَ للابتكار.
تمزجين بين الكمان الكلاسيكي والموسيقى الإلكترونيَّةِ، كيف تُحقِّقين هذا التوازن؟
لطالما كنتُ شغوفةً بعددٍ من الألوانِ الموسيقيَّةِ الإلكترونيَّة. من وجهةِ نظري، الموسيقى الكلاسيكيَّةُ أعلى مستوى يمكن أن تصلَ إليه الموسيقى، أمَّا الموسيقى الإلكترونيَّة، فتُمثِّل أقصى مستوى من التطوُّرِ في التقنيَّاتِ، والأجهزةِ، والبرامجِ الصوتيَّة في عصرنا.
ما مشروعُ «سكالا»؟
«سكالا»، هو مشروعٌ للموسيقى الإلكترونيَّة، يستكشفُ التجربةَ الإنسانيَّةَ من خلال عروضٍ تفاعليَّةٍ غامرةٍ، تمزجُ بين الصوتِ، والصورةِ، والأداءِ متعدِّدِ الوسائط. من خلاله، أسعى إلى بناءِ عوالمَ فنيَّةٍ، تستحضرُ الذاكرةَ، والهويَّةَ، والخيال حيث تتقاطعُ الموسيقى مع التكنولوجيا، والفنونِ البصريَّة لتقديمِ تجربةٍ متعدِّدةِ الحواس، تدعو إلى التأمُّلِ والتواصل، وتُحوِّل المشاعرَ والسردَ الإنساني إلى رحلةٍ فنيَّةٍ متكاملةٍ.
ما رأيك بالتعرف على عازفة التشيللو الإماراتية إلهام المرزوقي

هل أصبح الجمهورُ السعودي أكثر تقبُّلاً للتجاربِ الموسيقيَّةِ الجديدة؟
بالتأكيد. الجمهورُ اليوم أكثر انفتاحاً وتنوُّعاً من أي وقتٍ مضى. يمكنه أن يستمتعَ بالأغنيةِ السعوديَّةِ الكلاسيكيَّة، وفي الوقتِ نفسه، أن يتفاعلَ مع موسيقى إلكترونيَّةٍ، أو أنماطٍ عالميَّةٍ أخرى. ما يهمُّه في النهايةِ، هو صدقُ التجربةِ وجودتها.
حوار بين الذاكرة والمستقبل
إذا طُلِبَ منكِ تقديمُ السعوديَّةِ للعالمِ بمقطوعةٍ واحدةٍ، فكيف ستكون؟
من الصعبِ اختزالُ جمالِ الموسيقى السعوديَّةِ في مقطوعةٍ واحدةٍ، لكنْ بالنسبةِ لي، سأدمجُ أصواتَ المكانِ، والإيقاعاتِ السعوديَّة، والوتريَّات، وبعض العناصرِ الإلكترونيَّةِ الحديثة، لتكون رحلةً بين الذاكرةِ والحداثة، وبين الأرضِ والحلم.
وبعد كلِّ هذه الرحلةِ، ما الحلمُ الذي ما زلتِ تسعين إليه؟
بأن أترك أثراً حقيقياً من خلال موسيقى صادقةٍ تُمثِّلني وتُمثِّل المكانَ الذي أنتمي إليه بكلِّ جماله وثرائه، وأن أصنعَ أعمالاً تبقى في ذاكرةِ الناس.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط


Google News