mena-gmtdmp

في يوم الشيف العالمي.. الطاهية السعودية ماريا كيال: الطهي رحلة شغف واكتشاف وتقدير

الطاهية السعودية ماريا كيال مؤسسة مبادرة من الأرض
الطاهية السعودية ماريا كيال مؤسسة مبادرة من الأرض

أوجدت ماريا كيال لنفسها مساحة فريدة في عالم الطهي، يلتقي فيها الفن بالعافية، والمذاق بروح الأرض، والابتكار برواية قصص التراث وفق منهج مستدام يستثمر خيرات الطبيعة. ومن إيمانها بأن الطعام حكاية تمتد جذورها في عمق التربة وتتصل بهوية المكان، وظّفت شغفها لتعزيز العلاقة الحيّة بين ما تقدمه الطبيعة وبين أصالة التراث الإنساني، ومن ذلك نشأت مبادرتها «من الأرض».
ولم تغفل ماريا خلال هذه الرحلة عن التمسك بجذورها، لتروي من خلال وصفاتها ومبادراتها في الفعاليات الثقافية أهمية دور الطهاة في أرشفة تراث الطهي الشعبي، بأسلوب يحافظ على جوهره المستمد من الطبيعة، ويجعله نافذة تنبض بالأصالة والحضور على الساحة العالمية.
بمناسبة يوم الشيف العالمي، نبحر في هذا الحوار في عالم طاهية المخبوزات والحلويات، وراوية فنون الطهي، والباحثة في التراث الغذائي والاستهلاك الواعي للطعام، الطاهية السعودية ماريا كيال..

الشغف والرحلة..

 

الطاهية السعودية ماريا كيال تبدع في مجال المخبوزات والحلويات


تخصصتِ في العلوم، قبل أن تحولي بوصلتكِ نحو عالم المخبوزات والحلويات.. حدّثينا عن بداية الرحلة وهذا التحول؟

درست الماجستير في كندا وكنت أشعر بضغط الدراسة، فاقترحت عليّ أختي نور أن أمارس هواية تسعدني. قررت التسجيل في دورة في الخبز، فقد كنت أستمتع في صغري عندما كنت أساعد والدتي د. أمل هاشم، حفظها الله، في عمل "الكوكيز". السعادة التي شعرت بها خلال هذه الدورة أكدت شغفي بهذا المجال وكانت نقطة التحول في حياتي.

كيف أثرت خلفيتك العلمية ودراستك الأكاديمية على أسلوبك في الطهي وابتكار الوصفات؟

العقل العلمي من دراسة الماجستير في هذا التخصص ساعدني في رحلة الطهي من خلال أكثر من جانب: أولاً، التوجه العلمي حثّني على فهم الوصفات بمنهج منظم ومركز، ثانياً، المنهج العلمي شجعني على الاكتشاف والفضول، ثالثاً، الخلفية العلمية مكنتني من فهم تفاعل وتأثير مكونات الوصفات مع بعضها البعض. هذا المنهج بالتأكيد كان عاملاً مساعداً قوياً في مسيرتي في استكشاف وصفات جديدة وفي إعادة تقديم الوصفات في صورة مبتكرة.

 

تقديم وصفات تقليدية بروح معاصرة واستخدام منتجات محلية من مختلف مناطق المملكة


ارتحلتِ بين ثقافات متعددة واستكشفتِ الحضارات من خلال الطبخ المنزلي. كيف انعكست هذه التجربة على هويتكِ كطاهية سعودية تمزج بين الموروث المحلي والتقنيات العالمية؟

من خلال الترحال بين ثقافات ودول متنوعة تعرفت إلى المأكولات من خلال القصص والروايات المحلية. هذا جعلني أقدر أن وراء كل وصفة رواية وذكريات متوارثة. أضف إلى ذلك أن جدتي لوالدتي تنقلت بين العديد من الدول بسبب عمل جدّي الدبلوماسي وأثرتني بالروايات عن المأكولات التي تذوقتها. هذا خلق فيّ إدراكاً واستشعاراً للتراث، فأحرص على تقديم الطعام كوسيلة للتعبير وأن تسرد كل وصفة التراث الخاص بها. وعند تطبيقي للتقنيات العالمية، أفعل ذلك بنية أن يظهر في الصحن ويشعر به الضيف.

تؤمنين بأن الطعام لغة للتعبير وبناء المجتمعات، وليس فقط وسيلة للتغذية.. كيف تعبّرين عن هذا المفهوم في مبادراتك المتنوعة؟

الطعام هو ممارسة عالمية أساسية مشتركة تربط جميع البشر ببعضهم البعض. حول مائدة الطعام يتواصل الأفراد ويتبادلون تجاربهم بسهولة. إعداد الطعام أيضاً يحتوي على مساحة دافئة يتم فيها تبادل الذكريات والمشاعر، وهذا ظاهر عبر الزمن والأجيال. بالتالي إيماني قوي أن الطعام هو لغة تواصل قوية بين الأفراد يربطهم ببعضهم البعض، وأهدف أن أحيي مساحة لهذا التبادل في كل تجارب مبادرة «من الأرض» (Of the Land).

 

 

الطاهية ماريا كيال ع
 الطاهية ماريا كيال في مسابقة نخبة الطهاة السعوديين
اللومي الحساوي في الايسكريم من الأطباق المميزة التي قدمتها الطاهية ماريا كيال

 



حدّثينا عن هذه المبادرة وكيف وظفتِها لتقديم تجارب طهو تعكس عمق الثقافة السعودية وترتبط ارتباطاً وثيقاً بإيقاع الطبيعة في المملكة؟

«من الأرض» (Of the Land) مؤسسة أنشأتها من منطلق شغفي للتعرف إلى تراثنا من خلال تقديم واستخدام منتجات محلية من مختلف مناطق وطننا. أحرص على البحث عن مزارعين في شتى مناطق المملكة وأستخدم كل منتج من الأرض المعروفة بإنتاجه، فمثلاً قدمت اللومي الحساوي في الأيسكريم، وزيت الزيتون المنكّه بورق شجرة الليمون لمسابقة نخبة الطهاة السعوديين التي فزت بها. رؤية هذه المحاصيل الموسمية أمامي هي ما تلهمني في إعداد الوصفة.
قدمت من خلال المؤسسة ورش عمل ولقاءات على مائدة الطعام تكون بمثابة تجارب تحث الحاضرين على استشعار الطعام ودفع الفضول لديهم لتذوق الوصفات التراثية التي أقدمها بأسلوب مبتكر وحديث. يسعدني رؤية فضول ضيوفي في محاولة معرفة الوصفة أو تحديد مكوناتها التي أشاركهم مصدرها من مختلف مناطق المملكة الحبيبة. هكذا تتحول الجلسة إلى رحلة اكتشاف وتقدير المكونات. هذا التفاعل والمناقشات والمشاعر التي تتلألأ في هذه الجلسة هو قمة السعادة والإنجاز.

 

الطاهية ماريا كيال عند فوزها بالمسابقة الوطنية لكأس العالم للحلويات والمخبوزات (Pastry World Cup 2025)
الطاهية ماريا كيال عند فوزها بالمسابقة الوطنية لكأس العالم للحلويات والمخبوزات (Pastry World Cup 2025)

 

حدثينا عن مشاركتكِ في المسابقة الوطنية لكأس العالم للحلويات والمخبوزات (Pastry World Cup 2025) وفوزكِ بالميدالية الفضية، وكيف تجسدت خلالها فلسفتكِ في الاستدامة والارتباط بالتراث؟

​تمكنتُ خلال هذه المسابقة من تجسيد فلسفتي من خلال عملين متكاملين؛ الأوّل هو Place of Harmony، وهو منحوتة شوكولاتة تحتفي بقلب جدة التاريخي، منطقة "البلد"، كملتقى إنساني وثقافي عبر الأجيال. واستوحيتُ تصميمها من أحد الدوارات الفنية للفنان صلاح عبد الكريم بطراز عمارة الممالك، تحيط بها عناصر طبيعية ترمز لروح المكان والذكريات الممتدة. أما العمل الثاني Echoes of Passage، فقد جسدتُ فيه مفهوم الاستدامة والعودة إلى الأرض بشكل عملي ومباشر؛ حيث استخدمتُ بنّاً محلياً من جنوب المملكة لدعم المزارعين، ثم أعدتُ طحنه ليكون مخصّباً طبيعياً في حديقة والدتي، كما حرصتُ على اقتناء جوز الطيب من عطّار تقليدي دعماً للتجار المستقلين والحفاظ على الممارسات التراثية. واكتملت الدائرة الواعية لهذا الطبق بإعادة استخدام الحاويات وتدويرها، مع التخطيط المسبق للكميات بدقة لمنع هدر الطعام، ليكون الطبق نتاج رؤية واعية في كل مرحلة من إعداده ومصادره.

 

أرشفة التراث

 

الاعتزاز والاحتفاظ بوصفات الأجيال وتوثيقها


ما أهمية توثيق وأرشفة وصفات الطهي التقليدية في نظرك؟

بالتأكيد هناك حاجة لأرشفة وتوثيق وصفات الطهي التقليدية حفاظاً على المذاق الأصيل ومنعاً لاندثارها. فكم أتمنى لو كنت دوّنت وصفات جدتي رحمها الله والتي كان طعامها مشهوداً له بالجودة العالية. الإحساس وليس المعيار كان أداة، وأعرف أنه يمكننا أن ننمي هذا الحس عن طريق الممارسة واستخدام حواسنا في الطبخ.
الجميل الآن هو وجود مبادرات تسعى إلى الاعتزاز والاحتفاظ بوصفات الأجيال من خلال توثيقها. شخصياً أحرص على تدوين ما أستطيع تدوينه من الوصفات القديمة التي تتذكرها سيدات الجيل القديم من الأسرة أو المعارف.

ما أكثر الذكريات العائلية القريبة إلى قلبك والمرتبطة بطبق تراثي؟

لديّ العديد من الذكريات المرتبطة بوصفات مختلفة، ولكن ربما الأكثر قرباً لقلبي هي وصفة «اللحوح المكاوي» الذي كانت تشتهر بصنعه جدتي لطفية فارسي (رحمها الله). فلم تكتمل سفرة إفطار رمضان بدون وجود طبق اللحوح الخاص بكل فرد من أفراد العائلة. وإلى اليوم، عندما أرى اللحوح المكاوي أستطعم مذاق الهيل وأسترجع كيف كنت وأخوتي نتسارع في لف طبقاته المغمورة بالسمن البلدي الأصيل.

طبق المطازيز السعودي بروح معاصرة من إبداعات الطاهية ماريا كيال

كيف تقومين بإعادة تقديم الوصفات التراثية بأسلوب فني ومعاصر؟

الحقيقة هذا ليس سؤالاً افتراضياً، فرؤيتي تهدف إلى إعادة تقديم الوصفات التراثية بمنظور مميز واستخدام المنتجات المحلية بوصفات فنية. ولقد سبق وقدمت العديد من هذه الأطباق منها «المطازيز» حيث كانت العجينة محشية بلحم الضأن وقدمت مع بيوريه الكوسا وبوريه اليقطين (Purée)، والبطاطا الحلوة المقرمشة، وحينها كان لكل ضيف أن يلّون الطبق بالبيوريه، فكان الطعم مألوفاً والشكل جديداً.
نستعيد معكم هنا هذا المقال: جيل الرؤية السعودية يقتحم قطاع الضيافة بشغف واحترافية

الاستدامة والاستهلاك الواعي

ماريا كيال ورحلة فريدة في عالم الطهي


ما دور الطهاة في تعزيز مفهوم الاستهلاك الواعي والحدّ من الهدر؟

للطهاة دور مؤثر في تحقيق الاستهلاك الواعي. أتحدث في ورشي عن هذا الموضوع، كما دوماً أسعى لتقليل مدى الهدر من خلال القيام باستخدام كامل المنتج أمامي وأقوم باستخدام ما يتبقى في وصفة أخرى عند الإمكان. وأخيراً، بقايا معينة مثل القهوة أرجعها كسماد طبيعي إلى التربة في حديقة والدتي.

هل نشأتِ على قيم الاستهلاك الواعي وإعادة التدوير هذه أم اكتسبتها لاحقاً خلال مسيرتك؟

أؤمن بشدة في الاستهلاك الواعي في شتى ممارساتنا اليومية. وقد نشأت على ذلك إذ كانت والدتي تؤكد علينا ضرورة تكملة كل ما نضعه في أطباقنا من طعام، وكنا نطبق إعادة تدوير البلاستيك والورق في منزلنا كما أنها كانت تستخدم قشور الفواكه وبقايا بن القهوة كسماد طبيعي في الحديقة مما زرع فينا الحرص على النعمة. كلما انتشر الوعي، رأينا إبداعات في تحقيق أعلى درجة من الاستفادة. أجدادنا هم أفضل مثال للاستهلاك الواعي، قاموا بصنع المربى والحلوى من قشر البرتقال أو قشر الحبحب، والآن نرى في الساحة أمثلة رائعة من الابتكار في إعادة التدوير.

آفاق وتطلعات..

الطاهية ماريا كيال بعد فوزها بمسابقة الوطنية لكأس العالم للحلويات والمخبوزات (Pastry World Cup 2025)

 

الطاهية ماريا كيال بعد فوزها بمسابقة الوطنية لكأس العالم للحلويات والمخبوزات (Pastry World Cup 2025)


كيف ترين الدعم الحكومي والتمكين المتاح للقطاع وسائر الطهاة السعوديين اليوم؟

ما نراه اليوم في الساحة رائع ومحفز. هناك دعم قوي وواضح من قبل دولتنا لإظهار تراثنا من خلال طعامنا ووصفاتنا، وأصبح معترفاً بالطهي كوسيلة تعبير فنية وأداة مهمة لحفظ التراث الغذائي السعودي. إنشاء «هيئة فنون الطهي» أكبر دليل على ذلك، وأيضاً الفرصة التي أتيحت لي بفضل الله من برنامج «جودة الحياة» للدراسة في معهد Le Cordon Bleu في باريس. لقد وقع الاختيار عليّ أكثر من مرة للمشاركة في المؤتمرات العالمية للتعريف بتراثنا الغذائي، وكانت تجربة جداً مثرية.

بمناسبة يوم الشيف العالمي، ما أبرز نصيحة تقدمينها للطهاة الصاعدين والراغبين في إبراز التراث الثقافي؟

أحث كل طاهٍ وطاهية جادة بالبحث عن الرواية والأيدي المساهمة خلف الوصفة، وأحثهم على إشباع ما لديهم من فضول وشغف في تقدير كل مكون. وأخيراً أذكرهم أن النجاح يتحقق مع التعاون.

ما طموحاتك المستقبلية ورؤيتك لمشروعك القادم؟

ابتكار الوصفات المستوحاة من محاصيل الأرض شغف يجري في صميمي. أصبو إلى إنشاء مطعم فريد من نوعه في أنه يقدم مساحة آمنة لتذوق المنتجات المحلية ولتبادل التجارب والأحاسيس المستمدة من هذه الأطباق. أتمنى أن أرى حلمي يتحقق وأن يتحول الطعام إلى وسيلة التعبير المشتركة بين الأشخاص.
اقرأوا أيضاً: كتاب "فن الطبخ السعودي" يستعيد حضوره بطبعة جديدة

عبير بو حمدان

محررة أولى

صحافية وكاتبة. عملت في عدد من المؤسسات الإعلامية المرموقة  في مجالي التوثيق والتحرير. محررة أولى في سيدتي وعملت على إجراء اللقاءات والحوارات والتغطيات. وهي مؤلفة رواية فراشة النسيان. الاهتمامات: العائلة، الكتابة، الرسم، التصوير، الأزياء، الأشغال اليدوية، البيئة.

صحافية وكاتبة. عملت في عدد من المؤسسات الإعلامية المرموقة  في مجالي التوثيق والتحرير. محررة أولى في سيدتي وعملت على إجراء اللقاءات والحوارات والتغطيات. وهي مؤلفة رواية فراشة النسيان. الاهتمامات: العائلة، الكتابة، الرسم، التصوير، الأزياء، الأشغال اليدوية، البيئة.