mena-gmtdmp

في مهرجان لندن الدولي:روميو وجولييت عراقيان.. وماكبث تونسي

3 صور
كان لمهرجان لندن الدولي للمسرح (LIFT) خلال هذا العام نكهة خاصة؛ حيث استضاف ثلاث مسرحيات عربية من العراق وتونس وسوريا، وأعطى الفرصة الكبيرة للمسرحيين العرب؛ كي يعرضوا بضاعتهم أمام الجمهور اللندني، ويقدموا إبداعاتهم وهواجسهم، وينقلوا جزءاً مما يدور داخل مجتمعاتهم؛ من صراعات سياسية واجتماعية وتغييرات على صعيد حرية التعبير وحقوق الإنسان، وما يجري هناك من انقلابات على الأنظمة الحاكمة وفق ما يعرف بالربيع العربي.
وكان المهرجان قد اتخذ قراراً في عام 2010 يدعو إلى الاهتمام بقضايا الشرق الأوسط، وإلقاء الضوء على النهضة الثقافية هناك، لا سيما بين الجيل الجديد من الشباب؛ الذين بدأوا بالتمرد على الأطر التقليدية في التعاطي مع الفنون، حيث يقول بول بروندج مدير المهرجان: «لقد سافرت إلى المنطقة العربية وفاجأتني النهضة الثقافية والازدهار الكبير الذي يشهده المسرح في كثير من هذه الدول؛ لذا عدت وأنا أحمل مشروعاً هو أقرب إلى الالتزام يقضي بالتعريف بالمسرح العربي، وتكريس ما لا يقل عن 30% من العروض التي نقدمها للقضايا التي تأتي من هناك، وسيكون هذا الالتزام نافذاً حتى عام 2016، وقد استضفنا في هذا العام ثلاث مسرحيات عربية؛ منها اثنتان مقتبستان بتصرف من الأدب الشكسبيري، فيما تندرج الثالثة تحت مسمى المسرح الارتجالي، وبذا نكون قد نجحنا في تقديم باقة منوعة من المسرح العربي، خاصة بعد أن أصبح جمهورنا اللندني جاهزاً لمتابعة هذه المسرحيات التي تأتي إليه من بلدان شغلت العالم ولا تزال، ولا ننسى أيضاً جمهورنا من البريطانيين من الأصول العربية ممن يتوقون لمتابعة مسرح بلدانهم».

روميو وجولييت في بغداد
ربما لا تحتاج مسرحية (روميو وجولييت في بغداد) إلى كثير من الجهد لفك لغز عنوانها، فالعاشقان اللذان اختارهما شكسبير من عائلتين متخاصمتين في مسرحيته، التي تحمل الاسم نفسه، هما من مذهبين مختلفين في بغداد، ورغم عدم إشارة المؤلف مناضل داوود إلى الطائفتين بالاسم الصريح، إلا أن العراقيين يستطيعون تمييزهما من اللباس الشعبي أو المنطقة أو حتى الأسماء، وبذا يمكن أن نقول إن جولييت السنية (سروة رسول) قد وقعت في حب روميو الشيعي (أحمد مونيكا)، وقد حاول العاشقان أن ينتصرا لحبهما، وأن يسموَا به بعيداً عن الفوارق والاختلافات، وأن يحمياه تحت خيمة العراق ويحرساه بتعويذة الحب، إلا أن نهايتهما كانت الموت والدم، في مجتمع أُدخل في دوامة حرب أهلية خلال عامي 2006 و2007، ودفع أثماناً باهظة؛ كي يحافظ على وحدته ولحمة أهله. وقد اعتمدت المسرحية على تفاعل الجمهور، ولكن الحوار الذي جرت ترجمته إلى اللغة الإنكليزية -عبر شريط ضوئي- قد فقد كثيراً من حرارته، ففي الوقت الذي تفاعل العراقيون مع النكات وضحكوا على المواقف الطريفة القادمة إليهم من بغداد وبلهجة أهلها، كان تفاعل غير العراقيين أقل حرارة، ولكن هذا لم يمنع النقاد من الإشادة بهذا العمل، خاصة أن اللندنيين تواقون لمعرفة ما يجري في هذا البلد من تداعيات بعد تغيير نظام الحكم الذي كانوا جزءاً من أدوات تغييره، وربما هذه واحدة من أسباب نفاد التذاكر قبل موعد العرض، وترحيب الجمهور الحار بفريق العمل، والتفاعل مع الموسيقى الحية التي صاحبت المسرحية بقيادة الموسيقار العراقي علي خصاف، وعموماً فإن المسرحية تثير التساؤلات وتجيب عن بعضها، فيما تترك الأخرى لفطنة الجمهور الذي عاش على مدى ساعة ونصف الساعة جواً من التوتر والغناء والمرح واليأس والسوداوية مع بصيص من التفاؤل. وفي حديث مع «سيدتي» كشف الفنان حيدر منعثر عن تجربته الشخصية قائلاً: «لقد فقدت أخي في النزاعات الطائفية في العراق، وكنت متحمساً للمشاركة بهذه المسرحية؛ لكي أنقل رسالة مفادها أن الصراعات الداخلية بين أبناء الشعب الواحد هي محض جنون، وأن الرابح فيها خاسر، وما موت هذين العاشقين إلا إشارة لموت كل ما هو جميل في هذه الحياة؛ وهو موت للحب والسلام».

ماكبث التونسي
التونسيون طوّعوا مسرحية ( ماكبث) لوليم شكسبير وأعادوا كتابتها؛ كي تجسد واقعهم في ظل الحكم الديكتاتوري الذي كان يقوده زين العابدين بن علي، أو ماكبث التونسي، وزوجته ليلى طرابلسي (الليدي ماكبث)، وقد وظّف لطفي بن عاشور أدواته المسرحية من أجل إيصال الفكرة العميقة، التي أراد طرحها أمام الجمهور، فهو لا يتحدث عن تونس فقط، وإنما عن كل بلد عربي تحكمه العقليات المريضة؛ لذا فإن الجملة التي تضمنها المشهد الافتتاحي «كم ماكبث لدينا في العالم العربي» هي أقرب إلى الصرخة أو إلى جرس إنذار يوقظ النائمين، ثم توالت المشاهد المغلفة بالموسيقى والشعر والغناء والإضاءة المميزة وعروض الفيديو والمقاطع الصوتية والدمى الضخمة والأقفاص التي ترمز إلى السجون، وكلها تستعرض ما كان يعانيه الناس من ظلم واضطهاد وتكميم للأفواه وسرقة للبلاد والعباد، في ظل نظام لا يعرف لشهوة الحكم من حدود، كما تطرق النص إلى ليلى طرابلسي التي لا تقل تسلطاً وديكتاتورية وعنفاً واستبداداً عن زوجها، وكانت مثالاً لقسوة المرأة عندما تكون بلا قلب، وقد لعب المخرج وفريق العمل المميز، وعلى رأسهم الممثلة أنيسة داوود والممثل جوهر الباسطي، على ثنائية ماكبث وزوجته، وحوّلوهما إلى نسختين تونسيتين تبتعدان بعض الشيء عن النسختين الأسكتلنديتين الأصليتين في الرواية، بعد أن ربطوهما بالبيئة والجغرافية العربية، وإن لم يعدلوا كثيراً من شهوتهما للسلطة والمال والنفوذ. وتنتهي المسرحية بقصيدة «إذا الشعب يوماً أراد الحياة» للشاعر أبو القاسم الشابي، وهي القصيدة التي تغنّى بها التونسيون أيام الثورة، ولكن مما قد يؤخذ على المسرحية استخدامها للمفردات المحلية واللهجة العامية الدارجة، والتي لا يمكن فك رموزها بسهولة، خاصة بالنسبة للجمهور العربي، مما أفقد الحوار كثيراً من حرارته وحيويته وعمقه، وكان يمكن الاستعاضة عنها باللغة العربية الفصحى أو اللهجة البيضاء التي يفهمها كل العرب، ولكن هذا لا يقلل من ديناميكية النص والأداء، ومن الاستخدام الذكي للديكور والإضاءة ولأدوات المسرح الحديثة.

66 دقيقة في سوريا
المسرحية الأخيرة هي «66 دقيقة في دمشق»؛ من تأليف الكاتب والمخرج المسرحي اللبناني لوسيان بورجيلي، الذي جلب المسرح الارتجالي إلى شوارع بيروت في عام 2008، ويجلب للجمهور اللندني في هذه المسرحية التي تستغرق مدة 66 دقيقة جزءاً من تصوره عما يدور في معتقل سوري تديره مخابرات النظام، حيث نتابع عبر مشاهد متلاحقة مجموعة تتكون من ثمانية من الصحافيين والناشطين الأجانب، يضعهم حظهم العاثر في أيدي رجال الأمن أثناء زيارة يقومون بها إلى دمشق، ويجدون أنفسهم فجأة في مصيدة الخوف، الذي يصل أحياناً إلى حد الرعب، وهم داخل سيارة تأخذهم إلى المعتقل، بعد أن ظهر أن واحداً من المجموعة قد أرسل عبر الإيميل تقريراً غير مقبول عن الوضع في سوريا، وكان لابد أن يخضع الجميع للتحقيق لمعرفة الفاعل، وإكمالاً لمسرحه الارتجالي يختار المخرج ثمانية من المتفرجين؛ كي يقوموا بأداء الأدوار؛ بعد أن يلبسوا أحذية خفيفة واطئة الكعب؛ كي يستطيعوا تحمّل صعوبة هذه التجربة الجسدية والنفسية القاسية؛ التي تضطرهم إلى الوقوف طويلاً أثناء التحقيق، وقد حوّل المخرج السرداب الذي يقع أسفل المسرح إلى مركز احتجاز، فيما يظهر على حين غِرّة رجال يحملون الأسلحة ويضعون على رؤوسهم قلنسوات تذكّرنا بسجن أبو غريب في العراق، ويعيش الجمهور مع المعتقلين تجربة قاسية ومربكة، فيها ضرب ورفس وصراخ ودماء وأدوات تعذيب في كل مكان، وأنين ممزوج بالشتم والإهانات، تفنن المخرج في تصويرها إلى الحد الذي اضطره إلى وضع ملاحظة تقول إن هذا العرض غير مناسب لمن يعانون من رهاب الاحتجاز (claustrophobia). وقد نجح المخرج في إدخال جمهوره إلى قلب الأحداث، معتمداً على تجاربه السابقة في مثل هذا النوع من المسرح، حيث يلهث الجمهور وهم يدخلون معه الممرات الضيقة والغرف الرطبة؛ كي يتعرفوا على وجهة نظر المخرج عما يمكن أن يحدث لأي شخص يتم اعتقاله في سوريا، في ظل نظام أوتوقراطي، وتنتهي المسرحية من دون أن نعرف من هو الذي أرسل التقرير غير المقبول، وربما يكون الثمانية قد شاركوا معاً في هذا الأمر، وربما لا أحد منهم قد ارتكب هذا الفعل، ويبدو أن المسرحية قد أخفقت في إسماعنا الرأي الآخر، وكنا بحاجة إلى أن نسمع قليلاً مما يمكن أن يقوله المعتقلون، وأن نسمع كثيراً مما يقوله المحققون. كما أن المخرج قد جعلنا نتعرف في هذا السرداب إلى رجل سوري معتقل منذ عشرين عاماً؛ نسمعه يقول للثمانية الذين يخضعون للتحقيق: «هل أنتم إنكليز؟»، وعندما يحركون رأسهم بالإيجاب، يقول لهم بأسى: «لقد جئتم متأخرين جداً»... ولا ندري ما الذي يريد أن يقوله المخرج من خلال هذا الحوار القصير؟!