كثيرٌ من الأسر تَعتبر الطفل الهادئ نعمة؛ فهو لا يصيح، لا يطلب كثيراً، لا يُسبب صداعاً، يجلس طويلاً وحده، يلعب بهدوء، أو يراقب في صمت. لكن خلف هذا الهدوء يختبئ سؤال مُقلق يتردد في أذهان بعض الآباء والأمهات: هل هدوء وصمت الطفل من7-9 سنوات علامةُ ذكاء، أم إنذارٌ باكتئاب؟ وهل يرجع لطفرات النموّ المفاجئة، أو الجلوس الطويل أمام الشاشات؟
للإجابة، ومعرفة تفاصيل هذا الهدوء والصمت الطويل، التقينا والدكتور منصور المحمدي، أستاذ طب نفس الطفل، الذي يُعرّفنا المعنى الحقيقي للصمت الطويل الهادئ، وهل نطمئن له، أم نقلق منه؟
البدايةهي وعي الأم
بدايةً تؤكّد النظريات النفسية، أن الصمت عند الأطفال ليس دائماً أمراً بريئاً، وليس دائماً مقلقاً كذلك. والفارق بين الحالتين دقيق، ويحتاج وعياً وفهماً عميقاً من جانب الأم- تحديداً- لطبيعة نفسية الطفل، ونمط سلوكه اليومي، وتاريخه العاطفي داخل الأسرة؛ لاكتشاف ما يختبئ وراء صمت طفلك وهدوئه الزائد.
ملامح الشخصية الانطوائية الصحية
قبل أن يجتاحكِ القلق أو الرغبة في الاطمئنان على طبيعة شخصية طفلكِ، يجب أن تميّزي بين أمرين مهمين: الطبع الشخصي، والسلوك الذي يعَد رد فعل للبيئة التي يعيش وسْطها، أو نتيجةً لتجرِبة ما مرّ بها الطفل من قبلُ.
بعض الأطفال يولدون بطبع هادئ، يميلون للتأمل، يفضلون اللعب الفردي، لا يحبون الضوضاء، ويحتاجون وقتاً أطول للتفاعل. سمات هؤلاء الأطفال غالباً أنهم:
ما هي نظرية التسعة المرتبطة بتشكيل شخصية الطفل؟ هل تودين معرفتها؟
- يراقبون أكثر عما يتكلمون.
- يفكرون قبل الرد.
- يمتلكون خيالاً واسعاً.
- يفضلون العلاقات القليلة العميقة.
وهذا النوع من الهدوء طبيعي وصحي، ولكن تبدأ المشكلة عندما: يكون الصمت مفاجئاً أو مبالَغاً فيه.
أو مصاحباً لتغيّرات سلوكية أخرى.
هل يتميز الطفل الهادئ بالذكاء؟

في كثير من الحالات، يكون الهدوء علامةً على ذكاء داخلي وتفكير عميق؛ إذ ليس كلُّ طفل صامت يعاني مشكلة.
سمات الطفل الهادئ السليم نفسياً:
- يتحدث عندما يُسأل.
- يعبّر عن احتياجاته الأساسية بوضوح.
- لديه تفاعُل بصري جيد، ويملك القدرة على التعبير عن مشاعره- فرَحاً أو حزناً، بوضوح.
- يلعب، يضحك، يغضب، ثم يهدأ، هذا الطفل لا يخاف من الكلام ولا ينسحب من العالم، فقط يختار الصمت كمساحة أمان أو تفكير.
- علم النفس يُطلق على هذا النمط: الشخصية الانطوائية الصحية، وهي ليست مرضاً ولا ضعفاً؛ بل هي نمط تفكير مختلف عن الطفل الاجتماعي الصاخب.
متى تَحذر الأم من صمت طفلها:
عندما يكون الصمت في المنطقة الرمادية؛ فهو يستحق القلق، لهذا انتبهي إذا لاحظتِ:
- الطفل لا يتحدث حتى عند الحاجة.
- لا يشتكي من الألم أو الجوع.
- ينسحب من اللعب الجماعي تماماً.
- يفضل العزلة بشكل دائم.
- لا يُظهر مشاعر واضحة.
- يتجنب النظر في العين.
- صمته مصحوب بحزن أو شرود.
- هذا النوع من الصمت ليس اختياراً؛ بل وسيلة دفاع نفسية.
أسباب الصمت الطويل للطفل:

الصمت وسيلة ليحمي نفسه
- الطفل هنا لا يملك لغة معقدة ليشرح ما بداخله؛ فهو يتعرض لضغط أو خوف أو إهمال، وقد اختار الصمت.
- لا يشعر بالأمان، يخشى العقاب أو السخرية؛ خاصة بعد أن تعوّد أن صوته غير مسموع.
- وجد أن الكلام لا يغيّر شيئاً، وهنا يتحول الصمت إلى درع نفسي.
الصمت بسبب القسوة والنقد الزائد
الطفل الذي يتعرض للتوبيخ المستمر: "اسكت، كلامك غلط، أنت بتغلط دايماً"، نجده يتعلم تدريجياً أن الصمت = أمان.
المقارنة المستمرة
عندما يُقارَن الطفل دائماً بغيره: "شوف ابن خالتك"، "أخوك أشطر منك"، يفقد ثقته في صوته، ويختار الانسحاب.
الخلافات الأسرية
البيئة المشحونة صراخاً وتوتراً، عنفاً لفظياً؛ مما تجعل الطفل يراقب بصمت، يخزّن المشاعر، يخاف من التعبير.
التنمُّر
الطفل المتنمَّر عليه، غالباً يقل كلامه، يفقد رغبته في الحكي، يعود من المدرسة صامتاً، والأخطر: قد لا يشكو أبداً.
صدمات نفسية
مثل فقد شخص قريب، طلاق الوالدين، انتقال مفاجئ، حادث مخيف، وهنا يكون الصمت رد فعل طبيعياً، لكنه يحتاج متابعة.
الفرق بين الطفل الهادئ والطفل المكتئب

الطفل الهادئ: يضحك أحياناً، يتفاعل عند الأمان، لديه اهتمامات، نومه طبيعي.
الطفل المكتئب: نادر الابتسام، ينسحب دائماً، فاقد الشغف، يعاني اضطراب النوم، فاقدُ الرغبة في اللعب.
الاكتئاب عند الأطفال حقيقي، لكنه يظهر بشكل مختلف عن الكبار.
متى تقلق الأم طبياً؟
في بعض الحالات، قد يكون الصمت مرتبطاً باضطرابات نمائية، مثل:
- تأخُّر الكلام.
- اضطراب طيف التوحد.
- اضطرابات التواصل.
علامات تستدعي استشارة مختص:
الطفل لا يتكلم حسب سنه.
لا يستخدم الإشارات أو الإيماءات.
لا يستجيب لاسمه.
لا يقلد الأصوات أو الكلمات.
التدخل المبكر هنا يصنع فرقاً كبيراً.
هل الشاشات مسؤولة عن صمت الأطفال؟

نعم وبقوة: الاستخدام المفرِط للشاشات، يقلل التفاعل اللفظي، ويُضعف مهارات التعبير، ويجعل الطفل مستهلكاً لا متفاعلاً. الطفل الذي يقضي ساعات أمام الهاتف، لا يتدرب على الحوار، لا يتعلم التعبير عن مشاعره. الصمت هنا ليس نفسياً فقط؛ بل سلوكي مكتسَب.
دَور الأم مع الطفل الصامت
- لا تجبريه على الكلام.
- لا تسخري من هدوئه.
- لا تقارنيه بغيره.
- ولا تصفيه بالضعف أو الغرابة.
- وفّري له بيئة آمنة.
- أصغي إليه من دون مقاطعة.
- شجعيه من دون إلحاح.
- اطرحي عليه أسئلة مفتوحة.
- احترمي مساحته الشخصية.
- أحياناً، الطفل يحتاج مَن يسمعه، لا مَن يحقق معه.
متى نلجأ لمختص نفسي؟
إذا استمر الصمت أكثر من 6 أشهر، وصاحَبه تدهورٌ دراسي، وظهرت نوبات بكاء أو غضب، الطفل يؤذي نفسه أو ينسحب تماماً. هنا يكون الحل: العلاج النفسي للوقاية.
* ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليكِ استشارة طبيب متخصص.






