الأحساء، ليست مدينةً تُختصَرُ في مَعْلَمٍ معيَّنٍ، ولا تُعرَّف بموقعٍ واحدٍ، إنها تجربةٌ شاملةٌ، تتكوَّنُ من تفاصيلَ صغيرةٍ، تتجمَّعُ لتصنعَ هويَّةً كبيرةً، من واحةِ النخيلِ الممتدَّة إلى الفنونِ الشعبية، فالحِرفِ اليدويَّة، والبيوتِ القديمةِ التي لا تزالُ تحفظُ شكلَ الحياةِ كما كانت. تقعُ محافظةُ الأحساءِ شرقَ المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة، وتُعدُّ أكبر واحاتِ النخيلِ الطبيعيَّة في العالم، كما تُمثِّل مشهداً ثقافياً حياً، فهي مُسجَّلةٌ ضمن قائمةِ التراثِ العالمي لـ «يونسكو» بوصفها نموذجاً استثنائياً لتفاعلِ الإنسانِ مع البيئةِ عبر آلافِ السنين.
إعداد :لامنال الغلث
ذاكرة خضراء لا تشيخ

تُشكِّل واحةُ الأحساءِ القلبَ النابضَ للمحافظة بما تضمُّه من ملايين أشجارِ النخيل، وعيونِ المياه، وقنواتِ الري، والنسيجِ الزراعي الذي منح المكانَ شخصيَّته الخاصَّة. والواحةُ، ليست منظراً طبيعياً فحسب، إنها أيضاً منظومةُ حياةٍ متكاملةٌ، شكَّلت عبر التاريخِ مصدراً للاستقرارِ، والغذاءِ، والثقافةِ، والذاكرة. فهنا، لا تُزرَعُ النخلةُ فقط.. بل وتُزرَعُ معها الحكايةُ أيضاً.
الفنون الشعبية.. حين يغنّي التاريخ

من بيئةِ الأحساءِ الزراعيَّةِ والساحليَّة، وُلِدَت فنونٌ شعبيَّةٌ متوارثةٌ، تُعبِّر عن روحِ المكانِ وأهله. هي إيقاعاتٌ تُؤدَّى بالطبولِ، والطاراتِ، والكفوف، وتحملُ في داخلها قصصَ العملِ، والفرحِ، والاحتفالِ، والانتظار. والفنونُ الشعبيَّةُ في الأحساء، ليست عروضاً فنيَّةً فقط، إنها أيضاً ذاكرةٌ اجتماعيَّةٌ حيَّةٌ، تُروى بالحركةِ والصوت، وتُحفَظ من جيلٍ إلى جيلٍ بوصفها جزءاً من الهويَّةِ لا من الترفيه.
ما رأيك بالاطلاع على المجسمات الجمالية بنجران.. حكاية إبداع بصري لهوية ثقافية وتاريخ عريق

الحرف اليدوية.. هوية تصاغ باليد

تعكسُ الحِرفُ اليدويَّةُ في الأحساء مزيجاً من الإبداعِ، والتكيُّفِ، والتجديد حيث تتحوَّلُ الموادُّ البسيطةُ إلى منتجاتٍ، تحملُ توقيعَ المكانِ والإنسان. في كلِّ قطعةٍ حِرفيَّةٍ هناك حضورٌ للذاكرة، وامتدادٌ للحكاية، واحترامٌ لجذورٍ لم تنقطع. والحِرف هنا، ليست ماضياً محفوظاً، وإنما حاضرٌ يتجدَّد بلغةِ الأصالة.
البيوت التراثية.. العمارة التي تحكي

تحملُ البيوتُ القديمة في الأحساءِ طرازاً معمارياً، يعكسُ علاقةَ الإنسانِ بالبيئة، إذ يتجاورُ الطينُ والحجر، والظلُّ والهواء في تصميمٍ ذكي، يحترمُ المناخ، ويحتضنُ الحياة. ولا تكتفي هذه البيوتُ بأن تكون جدراناً، فهي تُمثِّل أسلوبَ عيشٍ، وذاكرةَ أسرٍ، وتاريخاً مكتوباً بلغةِ المكان.
يمكنك أيضًا الاطلاع على هيرو إكسبيرينسز.. تجربة سياحية استثنائية ترسم رحلة حسّية في قلب العُلا

الأحساء تتجاوز الصورة

على الرغمِ مما تزخرُ به من معالمَ تاريخيَّةٍ بارزةٍ، منها مسجدُ جواثا، وجبلُ القارة، وسوقُ القيصريَّة، وميناءُ العقير إلا أن روحَ الأحساءِ الحقيقيَّة لا يمكن اختصارها في مَعْلَمٍ واحدٍ، إذ تتوزَّعُ بين الواحةِ، والناسِ، والفنِّ، والحِرفةِ، والبيت. إنها مدينةٌ، تعرفُ كيف تحفظُ ذاكرتها دون أن تعيشَ فيها فقط.
تجربة لا تُرى فقط

زيارةُ الأحساء، ليست مروراً سياحياً عابراً، وإنما رحلةٌ في معنى المكان.
هنا، الطبيعةُ لا تُعرَض، بل تُعاش. والتراثُ لا يُشاهَد، بل يُلمَس.
والهويَّةُ لا تُشرَح، بل تُحس. الأحساءُ واحةٌ، تعلَّمت كيف تكون وفيَّةً لماضيها، ومنفتحةً على حاضرها، وواثقةً بمستقبلها.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط







