mena-gmtdmp

الصّمت في ظلّ الأحداث

د. سعاد الشامسي 
د. سعاد الشامسي
د. سعاد الشامسي

في أزمنةٍ تضجُّ بالكلامِ، ويعلو فيها صخبُ الآراءِ والتفسيراتِ، يُصبح الصمتُ أحياناً موقفاً أعمقَ من أي خطابٍ.

وليس كلّ صمتٍ ضعفاً، وليس كلّ كلامٍ حكمةً، فبعضُ الصمتِ يُولَدُ من فهمٍ عميقٍ لما يجري، ومن إدراكٍ بأن الحقيقةَ لا تحتاجُ دائماً إلى ضجيجٍ لتُقال.

الصمتُ في ظلِّ الأحداثِ يُشبه وقفةَ الحكيمِ عند مفترقِ الطرقِ؛ ينظرُ، يتأمَّلُ، ويزنُ الأمورَ بميزانِ العقلِ لا باندفاعِ اللحظة، إذ في خضمِّ الأحداثِ المتسارعةِ قد تتكاثرُ الكلماتُ حتى تفقدَ معناها، بينما يبقى الصمتُ مساحةً للتفكيرِ، ومجالاً لتهذيبِ المواقفِ قبل إطلاقها.

ليس الصمتُ انسحاباً من الواقعِ، بل قد يكون أرقى أشكالِ الحضور، فهناك مَن يتكلَّمُ ليُثبِت وجوده، وهناك مَن يصمتُ لأنه يُدرك أن الزمنَ نفسه سيتكلَّم. وفي كثيرٍ من الأحيان، يكشفُ الصمتُ ما تعجزُ الكلماتُ عن قوله؛ إذ يفضحُ التسرُّعَ، ويُعرِّي الضجيجَ، ويترك الحقيقةَ تظهرُ بهدوءٍ.

لكنْ، الصمتُ الحكيمُ ليس صمتَ اللامبالاةِ، ولا صمتَ الخوفِ. إنه صمتُ الوعي، حين يعرفُ الإنسانُ متى يتكلَّم، ومتى يترك للأحداثِ أن تكشفَ نفسها، فالكلمةُ حين تُقال في وقتها الصحيحِ، تُصبح أثراً، أمَّا حين تُقال في غير وقتها فقد تتحوَّلُ إلى عبءٍ.

لذا، لا تكمنُ الحكمةُ في كثرةِ الكلام، بل في معرفةِ اللحظةِ التي يستحقُّ فيها الكلامُ أن يُولَد.

وبين الكلامِ والصمتِ، يقفُ الإنسانُ العاقلُ حارساً لمعناه، فلا يتكلَّم إلا إذا أضاءت كلماتُه الطريق، ولا يصمتُ إلا إذا كان في صمتِه بصيرةً.

ففي النهايةِ، ليست الأحداثُ وحدها ما يصنعُ التاريخ، فهناك أيضاً المواقفُ التي نتَّخذها تُجاهها… أحياناً بالكلمةِ، وأحياناً بالصمت.