رمضان.. ليس شهراً يمرُّ في التقويمِ فحسب. إنه حالةٌ روحيَّةٌ كاملةٌ، تُعيد ترتيبَ الإنسانِ من الداخل، وكأنَّ الزمنَ يمنحه فرصةً جديدةً ليهدأ، ليغفر، وليعودَ إلى ذاته الأولى.
في لياليه الهادئة، يُصبح الصمتُ أعمقَ، والدعاءُ أقربَ، وتكتسبُ التفاصيلُ الصغيرةُ معنى مختلفاً؛ فصوتُ الأذانِ عند الغروبِ، لا يُعلِنُ الإفطارَ فقط، بل ويُعلِنُ أيضاً لحظةَ امتنانٍ جماعيَّةً، يعيشها الجميعُ في آنٍ واحدٍ.
في رمضان، تتغيَّرُ العلاقةُ مع الوقت. الساعاتُ التي كانت تمرُّ سريعاً، تُصبح مملوءةً بالمعنى، والإنسانُ يتعلَّمُ أن البطءَ أحياناً، هو الطريقُ نحو السلامِ الداخلي.
والصيامُ، ليس امتناعاً عن الطعامِ بقدرِ ما هو تمرينٌ على ضبطِ النفسِ، وعلى الإصغاءِ لصوتِ الروحِ وسطَ ضجيجِ الحياةِ اليوميَّة. ومع كلِّ يومٍ يمرُّ، يشعرُ المرءُ وكأنَّه يُزيل طبقةً من التعبِ، أو القلقِ، ليقتربَ أكثر من صفاءِ القلب.
أمَّا ليالي رمضان، فهي حكايةٌ مختلفةٌ؛ ضوءُ المساجدِ، رائحةُ العطورِ الشرقيَّةِ، ودفءُ المجالسِ العائليَّةِ التي تُعيد للأيَّامِ بساطتها الجميلة. تتلاقى الأيدي حول مائدةٍ واحدةٍ، وتختفي المسافاتُ بين الناسِ، لأن هذا الشهرَ يحملُ رسالةً خفيَّةً: بأن الرحمةَ، ليست فكرةً، بل هي أسلوبُ حياةٍ.
وربما أجملُ ما في رمضان، أنه يُذكِّرنا بأن القوَّةَ الحقيقيَّةَ، ليست في الإنجازِ السريعِ، أو الضجيجِ المستمرِّ، بل في القدرةِ على التوازنِ.. بين الجسدِ والروحِ، بين العملِ والتأمُّلِ، وبين ما نملكه وما نشعرُ به. هو شهرٌ، يهمسُ لنا بأن الإنسانَ يستطيعُ دائماً أن يبدأ من جديدٍ، وأن النورَ لا يحتاجُ سوى إلى لحظةِ صدقٍ، ليُولَدَ في الداخل.
رمضان، ليس مجرَّد أيَّامٍ تُعدُّ. إنه رحلةٌ هادئةٌ نحو نسخةٍ أكثر صفاءً من أنفسنا؛ رحلةٌ نخرجُ منها أخفَّ قلباً، وأعمقَ إيماناً، وأكثر قرباً من كلِّ ما يجعلُ للحياةِ معنى.





