في كلِّ صيفٍ نحزمُ حقائبنا ظناً منا أننا نسافرُ إلى مكانٍ جديدٍ، بينما الحقيقةُ أننا نسافرُ إلى نسخةٍ جديدةٍ من أنفسنا.
السفرُ ليس عددَ الدولِ التي زرناها، ولا الصورَ التي التقطناها، ولا الأختامَ التي وُضِعَت على جوازاتِ سفرنا، السفرُ هو تلك اللحظاتُ الصغيرةُ التي تُعيد ترتيبَ أرواحنا بهدوءٍ.
هو طريقٌ طويلٌ، تتحوَّلُ فيه الأحاديثُ العابرةُ إلى ذكرياتٍ لا تُنسى، وتُصبح الضحكاتُ البسيطةُ أثمن من أي تذكارٍ نشتريه من الأسواق.
في السفرِ نكتشفُ أن العالمَ أكبر مما اعتدنا على أن نراه من نوافذنا اليوميَّةِ، وأن لكلِّ مكانٍ حكايةً، ولكلِّ إنسانٍ قِصَّةً، ولكلِّ طريقٍ درساً لا يُعلَّم في الكتب.
ومع العائلةِ يُصبح السفرُ شيئاً مختلفاً تماماً، فالأماكنُ قد تتشابه، لكنْ الأشخاصُ الذين نُشاركهم الرحلة، هم الذين يصنعون المعنى الحقيقي لها، فبعد سنواتٍ قد ننسى اسمَ الفندقِ، أو تفاصيلَ الرحلةِ، لكنَّنا لن ننسى ضحكةَ طفلٍ، أو حديثاً دارَ في السيارةِ، أو لحظةَ غروبٍ وقفنا نتأمَّلها معاً.
السفرُ يُعلِّمنا أن العمرَ ليس بعددِ السنواتِ التي نعيشها، بل بعددِ اللحظاتِ التي تُلامس قلوبنا، وتترك فيها أثراً.
فسافروا ما استطعتم..
ليس هرباً من الحياةِ، بل لأن الحياةَ الحقيقيَّةَ أحياناً تنتظرنا في طريقٍ لم نسلكه بعد، أو في مدينةٍ لم نزُرها من قبل، أو في ذكرى لم تُكتَب لنا إلا عندما سافرنا.
ففي نهايةِ العمر، لن نتذكَّر كم ساعةً عملنا، ولا كم اجتماعاً حضرنا.. سنتذكَّرُ الأشخاصَ الذين سافروا معنا، والطرقاتِ التي سرنا فيها، والذكرياتِ التي جعلتنا نشعرُ بأننا عشنا الحياة حقاً.
