من منا لا يقر بأن مايكل جاكسون كان ظاهرة موسيقية عبرت تاريخ الثقافة الشعبية، بل وكان أيضاً حالة بصرية وسينمائية متكاملة أدركت مبكراً أن الموسيقى لا تُسمع فقط بالآذان، بل تُرى وتُعاش بالعيون. في تاريخ الفن العالمي، قلّما نجد فناناً استطاع أن يمحو الخطوط الفاصلة بين الحفلة الموسيقية، والفيديو كليب، والفيلم السينمائي، كما فعل "ملك البوب". لقد أعاد جاكسون تعريف مفهوم "الصورة" في عالم الترفيه، محولاً الأغنية المصورة من مجرد أداة ترويجية إلى ما أسماه "الأفلام القصيرة"، والتي حملت ميزانيات سينمائية ضخمة، وحبكات درامية معقدة، ومؤثرات بصرية سابقة لعصرها.
في هذا التقرير الخاص، نأخذكم في رحلة مشوقة نكشف فيها كواليس أبرز أفلامه، وأسرار تعاونه مع عمالقة الإخراج في هوليوود، ونتوقف عند شغفه الذي لم يكتمل بعالم الأبطال الخارقين، وصولاً إلى الإرث الذي تركه ليتوّج بفيلم السيرة الذاتية "Michael" الذي يعرض حالياً في دور العرض العالمية.
استلهام سحر هوليوود الكلاسيكي
لفهم العبقرية السينمائية لمايكل جاكسون، يجب أن نعود لجذوره. رؤية جاكسون لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج دراسة متأنية لعمالقة السينما الاستعراضية في العصر الذهبي لهوليوود. لقد كان طالباً نجيباً في مدرسة شارلي شابلن، وفريد أستير، وجين كيلي.
هذا ما يتجسد في رقصة "المشية القمرية" (Moonwalk) الشهيرة التي تحمل في أساسها التوليفة الساحرة التي ابتكرها فريد أستير. وقد وصلت هذه العلاقة الروحية بين النجمين إلى حدّ أن أستير اتصل بجاكسون صبيحة أدائه الأسطوري لأغنية "Billie Jean" عام 1983 ليهنئه بحرارة، بل ودعاه لمنزله ليتعلم منه خطوات هذه الرقصة الساحرة.
أما شارلي شابلن، فقد كان الانعكاس النفسي الأعمق لشخصية جاكسون. لقد رأى مايكل نفسه في شخصية "المتشرد الصغير"، حيث المزج العبقري بين المأساة والكوميديا. تجلّى هذا التأثر بقوة عندما أعاد جاكسون غناء رائعة شابلن "Smile" كرسالة حب لمعلمه السينمائي، بل وقام بالتقاط صور تذكارية بملابس شخصية "المتشرد" في الأحياء القديمة كتحية هادئة وصادقة لروح شابلن.
فيلم The Wiz: الولادة الحقيقية لنجم الشاشة
كانت أولى خطوات جاكسون الحقيقية في السينما الروائية الطويلة من خلال الفيلم الموسيقي "The Wiz" عام 1978. الفيلم كان بمثابة إعادة تصور لقصة الأطفال "ساحر أوز العجيب" ولكن بلمسة معاصرة تعكس ثقافة الشارع الأمريكي وطاقم تمثيل من أصول أفريقية، حيث لعب مايكل دور "الفزاعة".
كانت كواليس هذا الفيلم مسرحاً لتحولات مفصلية. لم يكن طريق مايكل مفروشاً بالورود؛ فقد واجه معارضة من والده جو جاكسون الذي لم يحبذ استقلاله المهني عن إخوته. كما واجه المخرج سيدني لوميت شكوكاً حول قدرات الشاب البالغ من العمر 19 عاماً والذي لم يمتلك خبرة تمثيلية. لكن مايكل أبهر الجميع بتفانيه الاستثنائي. والأهم من ذلك، كان هذا الفيلم نقطة الالتقاء المصيرية بين جاكسون والأسطورة كوينسي جونز، لينتجا لاحقاً أعظم ألبوماته: "Off the Wall" و"Thriller" و"Bad".
ثورة الأفلام القصيرة
مع انطلاق شبكة "MTV" في الثمانينيات، قرر جاكسون اقتحام هذا المجال بتحويل الأغاني المصورة إلى "أفلام قصيرة". استطاع كسر الحواجز العرقية ليصبح أول فنان من أصل أفريقي يحظى بقاعدة جماهيرية كاسحة على القناة.
Bad بقيادة مارتن سكورسيزي
في عام 1987، استعان جاكسون بالمخرج الكبير مارتن سكورسيزي لإخراج فيلم "Bad" القصير ذي الـ 18 دقيقة. الفيلم الذي شارك في بطولته الشاب ويسلي سنايبس، تناول قضية التفاوت الاجتماعي في الأحياء الأمريكية، وأثبت أن جاكسون يمتلك قدرات درامية تضاهي كبار الممثلين.
Smooth Criminal وتحدّي الجاذبية
استمر جاكسون في استكشاف شغفه بسينما النوار والجريمة، مبتكراً خدعة "الميل المضاد للجاذبية" التي أضافت بعداً سحرياً لهذا العمل وجعلته أيقونة خالدة.
Captain EO: الدقيقة السينمائية الأغلى في تاريخ هوليوود
في منتصف الثمانينيات، بحث جاكسون عن مشروع يجمع بين عشقه للسينما وعالم الفضاء وسحر ديزني. أسفر ذلك عن فيلم "Captain EO" (1986)، وهو مغامرة خيال علمي موسيقية بتقنية ثلاثية الأبعاد (3D) مدتها 17 دقيقة، من إنتاج جورج لوكاس وإخراج فرانسيس فورد كوبولا. وكان هو محور الفيلم الروائي الطويل Moonwalker.
تضخمت ميزانية الفيلم بشكل جنوني لتصل إلى 23.7 مليون دولار، مما جعله الفيلم الأغلى في تاريخ السينما على الإطلاق مقارنة بمدة عرضه (أكثر من مليون دولار للدقيقة الواحدة). تضمن الفيلم 150 مؤثراً بصرياً، ورغم التخبط الإبداعي والميزانية الفلكية، أصبح الفيلم علامة فارقة في تاريخ ديزني.
الهروب من الشهرة: "Moonwalker" و "Ghosts"
مع تصاعد نجوميته وشراسة الصحافة، قرر جاكسون الرد سينمائياً.
فيلم Moonwalker 1988
بعد تجربته الضخمة والمكلفة في "Captain EO"، استخدم جاكسون هذه الثقة والخبرة لتمويل وإنتاج فيلمه الطويل "Moonwalker" الذي امتد لـ 92 دقيقة، ليكون بمثابة استعراض بصري أضخم يجمع بين الخيال العلمي، والأكشن، والموسيقى.
فيلم Ghosts 1997
كانت هذه التجربة هي المواجهة أكثر قسوة وعبقرية. اشترك جاكسون مع الكاتب الشهير ستيفن كينغ والمخرج وخبير المؤثرات ستان وينستون في صنع هذا الفيلم. لعب جاكسون فيه خمس شخصيات مختلفة تحت طبقات كثيفة من المكياج، موجهاً رسالة مدوية: "من هو الوحش الحقيقي؟ الفنان، أم المجتمع الذي يطارد المختلفين؟".

لماذا لم يصبح مايكل نجماً سينمائياً؟ مشاريع مايكل التي لم تكتمل
رغم هذا الشغف، يتساءل الكثيرون: لماذا لم نرَ مايكل بطلاً لأفلام هوليوودية ضخمة؟ الإجابة تكمن في مستوى شهرته الخرافي الذي جعله "محصوراً" في صورته كملك للبوب، مما صعّب إقناع الجمهور برؤيته في شخصية أخرى، بالإضافة إلى الأزمات القانونية التي طاردته لاحقاً.
ومع ذلك، كانت أحلامه لا تتوقف. كان جاكسون مهووساً بلعب دور "الرجل العنكبوت" Spider-Man، لدرجة أنه حاول شراء حقوق شخصيات شركة "مارفل" بأكملها في التسعينيات حين كانت تعاني من الإفلاس ليتمكن من أداء الدور. كما كان هناك مشروع لفيلم بعنوان "The Nightmare of Edgar Allan Poe"، حيث كان يحلم بتجسيد شخصية كاتب الرعب الشهير إدغار آلان بو، إلا أن المشروع لم يرَ النور.
أما حلمه الأكبر فكان تجسيد شخصية "بيتر بان"، وقد جرت نقاشات جادة مع المخرج ستيفن سبيلبرغ لإنتاج فيلم سينمائي، لكن سبيلبرغ كان يرى القصة من منظور "بيتر بان البالغ" (والذي أصبح لاحقاً فيلم Hook)، وهو ما تعارض تماماً مع رؤية مايكل وعمره في ذلك الوقت، لينسحب من المشروع.
العودة المنتظرة: فيلم "Michael" يغزو صالات السينما في 2026
اليوم، هوليوود لم تكتفِ من إرث مايكل جاكسون. فكان إطلاق فيلم سيرة ذاتية درامي ضخم يحمل عنوان "Michael" في أبريل 2026 الذي أخرجه أنطوان فوكوا، ويشهد تحدياً كبيراً بتجسيد الشاب جعفر جاكسون (ابن شقيق مايكل) لدور عمه، ومشاركة النجمة كات غراهام في دور الفنانة ديانا روس.
الفيلم الذي يعرض حالياً بدور العرض، حطّم إعلانه الترويجي الأرقام القياسية متجاوزاً أفلام تايلور سويفت وفرقة كوين، صُنع بعناية فائقة وتدخلات من عائلته لتقديم صورة مبهرة تعيد إحياء استعراضاته، ورغم ترقب النقاد لمدى جرأة الفيلم في تناول تفاصيل حياته الشائكة، إلا أنه من المؤكد أنه سيحقق إيرادات فلكية.
تابعوا مراجعة فيلم "Michael": مراجعة فيلم Michael عن مايكل جاكسون .. علبة حلوى فاخرة تتركك جائعاً!
ختاماً: السينما مرآة عاكسة
لم تكن الكاميرا بالنسبة لمايكل جاكسون مجرد أداة لتصوير الأغاني، بل كانت مرآة عاكسة لعبقريته تارة، ومخاوفه تارة أخرى. لقد أثبت أن الفنان الشامل يمكن أن يكون هو السينما ذاتها، ليظل اسمه محفوراً كأعظم أيقونة في تاريخ الثقافة الشعبية العالمية.
تابعوا المزيد: لن تصدقوا الشبه المذهل بين أبطال فيلم "Michael" والشخصيات الحقيقية!
مشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».

Google News