لم يكن عرضُ فيلمِ السيرةِ الذاتيَّة Michael مجرَّد طرحِ عملٍ سينمائي جديدٍ في دورِ العرض، بل تحوَّلَ إلى ما يُشبه آلةَ زمنٍ، أعادت حمى «ملك البوب» مايكل جاكسون إلى الواجهة، وكأنَّ الجمهورَ عادَ فجأةً إلى ذروةِ الثمانينيَّات حين كان جاكسون لا يُنافِس إلا نفسه. وفي عددٍ من العروضِ حول العالم، لم تكن قاعاتُ السينما مجرَّد أماكنَ، يجلسُ فيها الجمهورُ بصمتٍ للمشاهدة، بل تبدَّلت، كما أظهرته مقاطعُ وردودُ أفعالٍ متداولةٌ، إلى مساحاتٍ من التصفيقِ والتفاعلِ مع الاستعراضاتِ الغنائيَّة. وليس هذا فحسب، إذ عادَ القفَّازُ الأبيضُ اللامع للظهورِ في أيدي بعض المراهقين والشباب، واستعادت أزياءُ مايكل جاكسون الأيقونيَّةُ حضورها في المتاجر، وعلى منصَّاتِ التواصلِ الاجتماعي في مشهدٍ يُؤكِّد أن الأسطورةَ لم تُغادر الذاكرةَ الشعبيَّةَ أبداً. ولم يقتصر الأثرُ على الموضةِ وقاعاتِ العرض فقط، بل وامتدَّ أيضاً بقوَّةٍ إلى المنصَّاتِ الرقميَّة، فمع طرحِ الفيلمِ، نهايةَ إبريل 2026، شهدت أعمالُ مايكل قفزةً لافتةً في الاستماعِ والمشاهدة، وتصدَّر جاكسون قوائمَ المطربين الأكثر رواجاً مدفوعاً بارتفاعِ الاستماعِ عبر سبوتيفاي، وآبل ميوزيك، ويوتيوب، ومنصَّاتٍ أخرى! وهي ظاهرةٌ تدلُّ على أن إرثه الموسيقي لا يزالُ حياً، وقادراً على منافسةِ نجومِ هذا العصر حتى بعد كلِّ هذه الأعوام. لكنْ خلفَ هذا الإبهارِ الجماهيري والموسيقي تقبعُ كواليسُ إنتاجيَّةٌ معقَّدةٌ، ورؤيةٌ نقديَّةٌ تضعُ الفيلمَ تحت المجهر: كيف خرج هذا العملُ الضخمُ إلى النور، ولماذا بدت القِصَّةُ في نهايتها وكأنَّها توقَّفت قبل أن تقولَ كلَّ شيءٍ؟
كواليس الإنتاج: ميزانية ضخمة وتحديات البداية

لم يكن إنتاجُ فيلمٍ بحجم Michael مهمَّةً سهلةً، فالمشروعُ الذي تولَّى إنتاجه جراهام كينج، المُنتِجُ الذي وقفَ خلفَ نجاحِ فيلم Bohemian Rhapsody، استغرقَ أعواماً من التحضير، خاصَّةً أن تقديمَ سيرةِ مايكل جاكسون على الشاشةِ ليست فقط استعادةً لمسيرةٍ فنيَّةٍ، بل هي في الدرجةِ الأولى اقترابٌ من شخصيَّةٍ استثنائيَّةٍ، وشديدةِ التعقيد، ومحاطةٍ بقدرٍ هائلٍ من الحبِّ والجدلِ في آنٍ واحدٍ.
وقد تجاوزت تكلفةُ إنتاجِ الفيلمِ حاجزَ 155 مليون دولارٍ، فيما رفعت تقاريرُ لاحقةٌ التقديراتِ إلى ما بين 165 مليوناً و200 مليونٍ، خاصَّةً بعد إعادةِ التصوير، والتعديلاتِ التي طالت الفصلَ الأخيرَ من العمل. في المقابل، استفادَ المشروعُ من تسهيلاتٍ وائتماناتٍ ضريبيَّةٍ كبرى للتصويرِ في ولايةِ كاليفورنيا، ما يعكسُ حجمَ الرهانِ الإنتاجي على الفيلم.
أمَّا التحدِّي الأكبر فكان في اختيارِ الممثِّلِ القادرِ على حملِ شخصيَّةِ مايكل جاكسون: مَن يملك الجرأةَ لتقمُّصِ روحِ «ملك البوب»، واستحضارِ حضوره الطاغي، والكاريزما الاستثنائيَّةِ التي عُرِفَ بها، وحركاته التي تحوَّلت إلى جزءٍ من الذاكرةِ البصريَّةِ العالميَّة؟
وهنا جاء الاختيارُ الجريء: جعفر جاكسون، ابن شقيقِ مايكل، في أوَّلِ بطولةٍ كبرى له. وعلى الرغمِ من أن الرهانَ بدا محفوفاً بالمخاطر إلا أن المخرج أنطوان فوكوا خرجَ منه رابحاً إلى حدٍّ بعيدٍ، إذ منح جعفر الفيلمَ أهمَّ عناصرِ قوَّته.
قد يعجبك.. فيلم Michael عن حياة مايكل جاكسون.. القصة الكاملة
سيرة منقّحة تحت رقابة الورثة

بدا الفيلمُ، على الرغمِ من الميزانيَّةِ الضخمة، ووجودِ اسمٍ كبيرٍ مثل الكاتبِ جون لوجان، خاضعاً بدرجةٍ واضحةٍ لرؤيةِ ورثةِ مايكل جاكسون، على رأسهم المحامي جون برانكا، مديرُ الأعمال، الذي جسَّد شخصيَّته في العملِ النجمُ مايلز تيلر.
وتُفسِّر هذه السيطرةُ الإنتاجيَّةُ جانباً كبيراً من الإشكاليَّةِ الأبرزِ في البناءِ الدرامي، إذ مالَ الفيلمُ إلى تقديمِ نسخةٍ آمنةٍ ومنقَّحةٍ من السيرة، تتجنَّبُ الخوضَ العميقَ في أكثر الجوانبِ تعقيداً وإثارةً للجدلِ في حياةِ النجم الراحل.
كذلك، تمَّ تهميشُ كثيرٍ من علاقاتِ مايكل الإنسانيَّة، واختزالُ بعض تناقضاته النفسيَّةِ والشخصيَّة، ليظهرَ غالباً بوصفه فنَّاناً بالغَ الحساسيَّة، وعاشقاً للحيوانات، ومفتوناً بعالمِ «بيتر بان» دون الغوصِ بما يكفي في المناطقِ الأكثر قتامةً وتعقيداً في داخله.
وقد أفقدَ هذا الاختيارُ الفيلمَ فرصةَ تقديمِ قراءةٍ إنسانيَّةٍ أكثر عمقاً لشخصيَّةِ مايكل، وقرَّبه أحياناً من صورةٍ مثاليَّةٍ شديدةِ التلميع بدلاً من أن يُواجه أسئلةَ السيرةِ الصعبة بشجاعةٍ دراميَّةٍ أكبر.
طفولة قاسية في مواجهة وحش العائلة
الصراعُ الدرامي الحقيقي الوحيدُ الذي منحه السيناريو مساحةً واضحةً كان علاقةَ مايكل بوالده جو جاكسون. الفيلمُ يأخذنا في رحلةِ صعودِ مايكل مع فرقةِ Jackson 5 مُسلِّطاً الضوءَ على طفولته القاسيةِ تحت سلطةِ أبٍ صارمٍ، دفع أبناءَه إلى التدريبِ والعملِ مبكراً هرباً من الفقر، لكنَّه في المقابلِ ترك فيهم ندوباً نفسيَّةً لا تمحى.
ويُقدِّم العملُ السينمائي جو جاكسون بوصفه أباً قاسياً، وعنيفاً، ومتسلِّطاً، يضربُ أبناءَه، ويدفعهم إلى التمرين بلا رحمةٍ. وقد أبدعَ النجمُ كولمان دومينجو في تجسيدِ هذا الدور مانحاً الشخصيَّةَ حضوراً طاغياً ومخيفاً، خاصَّةً في المَشاهِد التي تكشفُ كيف تحوَّلت العائلةُ بالنسبةِ إلى مايكل الطفل من مصدرِ حمايةٍ إلى مساحةِ ضغطٍ ورعبٍ.
ومن أكثر التفاصيلِ التي يتوقَّفُ عندها الفيلمُ تنمُّرُ الأبِ على شكلِ أنفِ مايكل في صغره، وهو ما يطرحه العملُ بوصفه أحدَ العواملِ النفسيَّةِ التي أسهمت لاحقاً في هوسِ النجمِ بعمليَّاتِ التجميل وتغييرِ ملامحه.
وتُقدِّم هذه الطفولةُ المسلوبةُ مفتاحاً مهماً لفهمِ الجانبِ الطفولي الذي ظلَّ ملازماً لمايكل حتى أعوامه الأخيرة، وشغفه ببناءِ عالمه الخاصِّ في مزرعةِ «نيفرلاند»، وكأنَّه يحاولُ أن يستعيدَ طفولةً لم يعشها أبداً.
إليك مايكل جاكسون.. حلم تحول إلى أسطورة فنية
الإبهار البصري وأداء ينقذ التجربة

على الرغمِ من هشاشةِ بعض جوانبِ السيناريو، خاصَّةً في اختزالِ عبقريَّةِ مايكل في لحظاتِ إلهامٍ بسيطةٍ إلا أن الفيلمَ يُنقِذ نفسه عبر الفرجةِ، والإبهارِ البصري.
لقد نجح أنطوان فوكوا في تصويرِ مَشاهِد الحفلاتِ بطاقةٍ عاليةٍ، وجعل الاستعراضاتِ الموسيقيَّةَ تبدو وكأنَّها قلبُ الفيلمِ الحقيقي، لكنَّ البطلَ الأبرزَ هنا، هو جعفر جاكسون الذي لم يعتمد فقط على الشبه الشكلي بعمِّه، بل بذلَ جهداً واضحاً في استعادةِ صوته، وحضوره، وقاموسه الحركي الشهير.
ويتجلَّى ذلك بوضوحٍ في مَشاهِد إعادةِ تقديم Billie Jean عامَ 1983، وفي لحظاتِ استحضارِ الطاقةِ البصريَّة لكليب Beat It حيث يقتربُ جعفر في بعض اللقطاتِ من الإيهامِ بأننا أمامَ تسجيلاتٍ وثائقيَّةٍ حقيقيَّةٍ لمايكل نفسه!
ولا يمكن إغفالُ دورِ الصورةِ، والإضاءةِ، وزوايا التصويرِ في تعزيزِ هذا الإحساس، إذ عمل مديرُ التصويرِ على اقتناصِ تفاصيلِ الجسدِ، والحركةِ، والظل، وهو ما جعل جعفر يبدو أحياناً نسخةً قريبةً للغاية من «ملك البوب» في ذروةِ حضوره.
نهاية مبتورة.. أم تمهيد لجزء ثانٍ؟
الاستياءُ النقدي الأكبر جاء مع النهاية، فبعد رحلةٍ طويلةٍ في صعودِ مايكل، تعودُ الأحداثُ لتُغلق الدائرةَ عند المشهدِ الافتتاحي في حفلِ ويمبلي عامَ 1988، ثم تتوقَّفُ الرحلةُ فجأةً، وكأنَّ الفيلمَ يُقرِّر الانسحابَ قبل دخول أكثر الفصولِ حساسيَّةً في حياةِ جاكسون!
ويترك هذا التوقُّفُ عند نهايةِ الثمانينيَّاتِ إحساساً واضحاً بعدمِ الاكتمال، خاصَّةً مع العبارةِ التي تُوحي بأن «القِصَّةَ مستمرِّةٌ». هنا تبدو النهايةُ أقربَ إلى بابٍ مفتوحٍ لجزءٍ ثانٍ، لكنَّها في الوقتِ نفسه تكشفُ عن مأزقٍ درامي وإنتاجي: كيف يمكن تقديمُ سيرةِ مايكل جاكسون دون مواجهةِ حقبةِ التسعينيَّاتِ وما حملته من اتِّهاماتٍ، ومحاكمَ، وجدالاتٍ لا تزالُ تُلاحق صورته حتى اليوم؟
وتُشير تقاريرُ عدة إلى أن حذفَ، أو تعديلَ أجزاءٍ من المرحلةِ اللاحقة لم يكن قراراً فنياً فقط، بل وارتبط أيضاً باعتباراتٍ قانونيَّةٍ وإنتاجيَّةٍ، دفعت صُنَّاع العملِ إلى إعادةِ صياغةِ النهاية، وإعادةِ تصويرِ بعض المَشاهِد، لذا تبدو «القِصَّةُ المبتورة» نتيجةً مباشرةً لصراعٍ بين الرغبةِ في تقديمِ فيلمٍ جماهيري يحتفي بالأسطورة، والخوفِ من الاقترابِ من المناطقِ التي قد تفتحُ أبواباً شائكةً.
تابعي أيضًا جعفر جاكسون يخطف الأنظار بالرقص في فيلم السيرة الذاتية لمايكل جاكسون
علبة حلوى فاخرة تتركك جائعاً
في النهايةِ، استطاعَ فيلمُ Michael أن يخلقَ حالةً سينمائيَّةً وموسيقيَّةً عالميَّةً، أعادت إحياءَ أسطورةٍ لا تزالُ قادرةً على إشعالِ الحنين والدهشة. لقد قدَّم الفيلمُ متعةً بصريَّةً واستعراضيَّةً يصعبُ إنكارها، ومنحَ الجمهورَ فرصةً للعودةِ إلى زمنٍ كان فيه مايكل جاكسون حدثاً فنياً لا يتكرَّر.
لكنْ، ومع أنه عملُ سيرةٍ درامي، ظلَّ الفيلمُ متردِّداً في الاقترابِ من الجوانبِ الأكثر تعقيداً في حياةِ بطله! هو احتفى بالأسطورةِ أكثر مما حاولَ فهم الإنسان، ولم يمنحنا ما يكفي من التناقضاتِ والكسورِ التي تصنعُ الشخصيَّةَ الدراميَّةَ العميقة.
يمكن القولُ، أخيراً، إن Michael أشبه بعلبةِ حلوى فاخرةٍ: هي برَّاقةٌ، وشهيَّةٌ، وممتعةٌ في لحظتها، لكنَّها تتركك في النهايةِ جائعاً إلى المزيد، المزيد من الحقيقة، والمزيد من الجرأة، والمزيد من مايكل الإنسان لا مايكل الأيقونة فقط.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News