mena-gmtdmp

نجمات بلا أقنعة.. اخترن الجمال الحقيقي بلا خوف من الزمن

سوسن بدر («سيدتي»، تصوير: شربل بومنصور Sharbel Bou Mansour، العدد | 2177، السنة | 2022)
سوسن بدر («سيدتي»، تصوير: شربل بومنصور Sharbel Bou Mansour، العدد | 2177، السنة | 2022)

في عصرٍ تُسيطر فيه الفلاترُ، وتطبيقاتُ الذكاءِ الاصطناعي على معاييرِ الجمال، وتتسابقُ الوجوه نحو نقطةِ تشابهٍ واحدةٍ، يُصبح الظهورُ بـ «الوجه الحقيقي» واحداً من أكثر أشكالِ التمرُّدِ رهافةً وصدقاً. لم يعد الجمالُ جيناتٍ، أو مجرَّد مقاييسَ شكليَّةٍ صارمةٍ، بل تحوَّلَ إلى موقفٍ شخصي، وقرارٍ شجاعٍ، يعكسُ روحاً متصالحةً مع ذاتها، وقادرةً على أن ترى في ملامحها تاريخاً لا عيباً، وفي تغيُّراتها دليلاً على الحياةِ لا سبباً للاختباء. وفي ملفِّ «وجوه بلا قناعٍ»، نُسلِّط الضوءَ على نجماتٍ، قرَّرن السباحةَ عكسَ التيار، وخلعن أقنعةَ الكمالِ المصطنع، ليُثبتن أن الجاذبيَّةَ الحقيقيَّةَ لا تُولد دائماً من الإتقانِ الكامل، بل وتأتي من الصدقِ، والخصوصيَّةِ، والشجاعةِ في الظهورِ كما هن: بلا مبالغةٍ، بلا فلاترَ، وبلا خوفٍ من الزمن.


البعد النفسي.. ثقل المثاليّة وحرية التقبّل

التمرُّدُ على قوالبِ الجمالِ ليس مجرَّد قرارٍ جمالي عابرٍ، فهو في جوهره قد يكون رحلةً عميقةً نحو التصالحِ مع الذات، فالمرأةُ، خاصَّةً حين تكون تحت الأضواء، لا تُواجه المرآةَ وحدها، بل وتُواجه معها أيضاً توقُّعاتِ الجمهور، وعدساتِ الكاميرا، والتعليقاتِ السلبيَّة، وضغطَ المقارنةِ المستمرَّة، وهاجسَ البقاءِ في صورةٍ مثاليَّةٍ لا تتغيَّر!

وفي كتاباتها عن علاقةِ النساءِ بمظهرهن مع التقدُّمِ في العمر، تتناولُ عالمةُ النفسِ الأمريكيَّة الدكتورة فيفيان ديلر، مؤلِّفةُ كتاب Face It، هذا الصراعَ بين الصورةِ الخارجيَّة، والإحساسِ الداخلي بالذات، إذ إن التغيُّراتِ التي تظهرُ على الوجه، أو الشعر لا تمسُّ الشكلَ وحده، بل وتفتحُ أيضاً أسئلةً أكثر عمقاً: هل ما زلتُ جميلةً؟ هل ما زلتُ مرئيَّةً؟ وهل عليَّ أن أقاومَ الزمنَ لأحافظَ على مكانتي في عيونِ الآخرين؟

من هذا المنظورُ، يُصبح الظهورُ بملامحَ طبيعيَّةٍ، أو بشعرٍ أبيضَ، أو بوجهٍ غير مثقلٍ بالمكياجِ مساحةً نفسيَّةً للتحرُّر. إنه ليس رفضاً للزينة، ولا حكماً على مَن تختارها، بل هو رفضٌ لفكرةِ أن تكون الزينةُ شرطاً للقبول، أو ستاراً دائماً لإخفاءِ الذات. هنا يقتربُ الأمرُ مما يُعرَفُ في علمِ النفس بمفهومِ «التقبُّل الجذري» بأن تتوقَّف المرأةُ عن محاربةِ صورتها، وأن تبدأ في احتضانِ ملامحها بوصفها جزءاً من هويَّتها لا خصماً لها.

أمَّا الضغطُ المستمرُّ للحفاظِ على صورةٍ مثاليَّةٍ، فيُشبه ما يُعرَفُ مجازاً بـ «متلازمة البطة»: هدوءٌ ظاهرٌ فوق السطح، وجهدٌ مضنٍ ومخفي تحته. حين تختارُ النجمةُ أن تظهرَ طبيعيَّةً، هي لا تخلعُ المكياجَ فقط، بل وتخلعُ أيضاً جزءاً من العبء النفسي المرتبطِ بإرضاءِ عين الجمهورِ طوال الوقت.

تابعي أيضًا تشارليز ثيرون.. رحلة نجمة هوليوود من جنوب أفريقيا إلى الأوسكار وأبرز أعمالها

 


السيدة هيلين ميرين.. الشيخوخة امتياز يستوجب الاحتفال

Helen Mirren
هيلين ميرين Dame Helen Mirren، نيويورك 2025،(مصدر الصورة: Jason Howard/Bauer-Griffin/GC Images)


تمتدُّ مسيرةُ السيِّدة هيلين ميرين Dame Helen Mirren المهنيَّةُ اللامعةُ خمسةَ عقودٍ عبر المسرحِ، والتلفزيون، والسينما، وقد حقَّقت خلالها ما يُسمَّى بـ «التاج الثلاثي للتمثيل» عبر فوزها بجائزةِ أوسكار، وأربعِ جوائزَ إيمي، وجائزةِ توني.

وما يُميِّز السيِّدة هيلين، بعد كلِّ هذه المسيرة، أنها ترفضُ اعتمادَ المفهومِ المهذِّب المتمثِّلِ في «الشيخوخة برشاقةٍ»، بل تختارُ النظرَ إلى التقدُّمِ في السنِّ بوصفه شكلاً قوياً من أشكالِ المشاركةِ النشطة في الحياة، إذ تتعاملُ «دايم هيلين»، وهي في الـ 80 من عمرها، مع الشيخوخةِ كامتيازٍ، يجبُ الاحتفالُ به، حتى إنها اشتُهِرَت بمحاربتها علناً سوقَ «مكافحةِ الشيخوخة».

وإضافةً إلى ما سبق، تقومُ السيِّدة هيلين بتصحيحِ محاوريها حين يستخدمون عبارةَ «روحٍ شابَّةٍ» في وصفها، مشيرةً إلى أن «روحها» تدلُّ على عمرها الفعلي، لكنَّها مفعمةٌ بالحياةِ التي عاشتها. كذلك، تحتضنُ علناً تجاعيدها الطبيعيَّة، وشعرها الفضِّي، وتعدُّها سماتٍ بشريَّةً طبيعيَّةً بدلاً من عيوبٍ تجميليَّةٍ يجبُ محاربتها، وهي تُدافع، أيضاً، عن مبدأ عيشِ الشيخوخة بشكلٍ طبيعي من خلال عملها، ونشاطاتها، ووضعها المكياج.


السيدة جودي دينش.. الاستمرار في الحياة والحفاظ على نشاط العقل

 


للممثِّلةِ البريطانيَّة السيِّدة جودي دينش Dame Judy Dench الحاصلةِ على جائزةِ أوسكار، وتوني، وأوليفييه، حضورٌ قيادي لافتٌ على المسرحِ كما على الشاشتَين الفضيَّةِ والكبيرة.

ولطالما تحدَّثت السيِّدة جودي عن فلسفتها حول الشيخوخةِ عبر رفضها إبطاءَ وتيرةِ عملها ونشاطها، خاصَّةً أنها تبدي ازدراءً لعبارةِ «التقاعد»، فهي، مع أنها بلغت الـ 91، تتعاملُ مع العمرُ بوصفه مجرَّد رقمٍ، وتُفضِّل التركيز كلياً على ما يمكنها فعله في الخطوةِ التالية.

وعلى الرغمِ من معاناتها من الضمورِ البقعي المتقدِّم، الذي جعلها في الغالبِ غير قادرةٍ على قراءةِ النصوص مع صعوبةٍ في رؤيةِ ما يجري حولها إلا أنها ترفضُ الإقلاعَ عن عادةِ التدخين!

وتتكيَّفُ السيِّدة جودي مع هذه الصعوباتِ من خلال الطلبِ من الأصدقاء المقرَّبين قراءةَ النصوصِ لها بصوتٍ عالٍ حتى تتمكَّن من حفظِ أدوارها، بل إنها صنعت التاريخَ عام 2020 عبر الظهورِ على غلافِ «فوغ» بوصفها الأكبر سناً على الإطلاقِ من بين نجماتِ غلافِ المجلَّةِ البريطانيَّة، وكانت تبلغُ حينها 85 عاماً، ما يُثبت أن الأسلوبَ، والقوَّةَ، والأهميَّة ليس لها تاريخُ انتهاءِ صلاحيَّةٍ.

وتكره السيِّدة جودي معاملتها بوصفها «هشَّةً»، أو مسنَّةً، فقد اشتُهرت بالإشارةِ إلى أنه «لا يوجدُ شيءٌ جيِّدٌ في التقدُّمِ في السن، لكنْ عليك ببساطةٍ الاستمرارُ في الحياةِ، والحفاظُ على نشاط عقلك».


آندي ماكدويل.. ثورة الفضة على السجادة الحمراء

 

في هوليوود حيث ما زالت صناعةُ الترفيه تُكافئ الشباب، وتضغطُ على النساءِ لإخفاءِ آثار العمر، اختارت آندي ماكدويل Andie MacDowell أن تضعَ قواعدها الخاصَّة. هي بدلاً من مطاردةِ لونِ شعرٍ قديمٍ، أو إخفاءِ خصلاتٍ رماديَّةٍ، قرَّرت أن تمنحَ شعرها الفضي مساحةً كاملةً، ليكون جزءاً من صورتها الجديدة. وعلى السجَّادةِ الحمراء، لم تظهر آندي كمَن تتحدَّى العمرَ بصخبٍ، بل كمَن تتصالحُ معه بهدوءٍ، فشعرها الرمادي لم يكن تفصيلاً جمالياً فقط، بل وبدا أيضاً وكأنَّه تاجٌ من الخبرة، يُضيف إلى ملامحها قوَّةً ووقاراً. لقد أكَّدت ماكدويل من خلال حضورها أن الجمالَ لا ينتهي عند مرحلةٍ عمريَّةٍ معيَّنةٍ، وأن الروحَ الشابَّةَ لا تُقاس بلونِ الشعر، بل بالقدرةِ على احتضانِ كلِّ فصلٍ من فصولِ الحياة. وما يُميِّز آندي أنها لم تُقدِّم الشعرَ الأبيضَ بوصفه موضةً عابرةً، بل بوصفه خياراً متَّصلاً بالهويَّة. لقد جعلت من خصلاتها الطبيعيَّةِ رسالةً ضد فكرةِ الاختفاءِ كلَّما تقدَّمت المرأةُ في العمر، وضد القناعةِ القديمةِ بأن النضجَ يجبُ أن يبقى مخفياً خلفَ الصبغاتِ والإجراءاتِ التجميليَّة.

إليك إلين بورستين.. ستة عقود من السحر السينمائي تتوج بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا 2026


ميريل ستريب.. أسمح لوجهي بعكس حياتي الحقيقية

 


تُعدُّ ميريل ستريب Meryl Streep، على نطاقٍ واسعٍ، واحدةً من أعظمِ الممثِّلاتِ الأمريكيَّاتِ في كلِّ العصور، فهي تشتهرُ بتنوُّعِ أدوارها، وتقمُّصها شخصيَّاتٍ معقَّدةً ببراعةٍ، وقد حصلت خلال مسيرتها المهنيَّةِ الغزيرة على 21 ترشيحاً لجوائزِ الأوسكار، وفازت بثلاثٍ منها عن أدوارٍ لا تُنسى.

وفي عمرِ الـ 77، تنظرُ ميريل إلى الشيخوخةِ بوصفها نوعاً من «المقايضةِ التجاريَّة» حيث يتمُّ استبدالُ شبابِ الجسدِ بإحساسٍ أكثر قيمةً، وهو الشعورُ بـ «الحريَّةِ العاطفيَّة»، وقد تحدَّثت بصراحةٍ عن تجاوزها «معاييرَ الجمالِ السامَّة» في هوليوود، وإيجادها القوَّةَ في الأعوامِ الأخيرة.

وتنظرُ ستريب إلى كلِّ يومٍ بوصفه هديةً مُطلَقةً، وهي تعتقدُ، بعد أن فقدت عديداً من الأصدقاءِ المقرَّبين خلال حياتها، أن رفضَ احتضانِ التقدُّمِ في السن، هو عدمُ احترامٍ مباشرٍ لـ «غلاوة الحياة» نفسها لدى الشخص.

كذلك، تُلاحظ الفنَّانةُ أن الشبابَ، وهو يتلاشى مع العمر، يأخذُ في طريقه أسوأ الأشياء، خاصَّةً المخاوفَ الداخليَّة، والتسرُّعَ المحموم، والحاجةَ المرهقة لإرضاءِ الآخرين باستمرارٍ.

وتعتقدُ ميريل، أن الجمالَ الحقيقي لم يكن في البشرة أساساً، فالجمالُ الأصيل موجودٌ بالكاملِ في قِصَّتها الفريدة، وعمقها، وتجاربها التي تحملها داخل نفسها.

وتنصحُ النجمةُ النساءَ الأصغر سناً بالتوقُّفِ عن الهوسِ بما يظهرن عليه، واصفةً هذا الهوسَ بأنه مضيعةٌ للوقتِ والطاقةِ العقليَّة! فبدلاً من المكافحةِ للحصولِ على وجهٍ لا تشوبه شائبةٌ عبر تعديلاتٍ تجميليَّةٍ مكثَّفةٍ، تختارُ ميريل صيانةَ البشرةِ الدقيقة، والسماحَ لوجهها بأن يعكسَ حياةً حقيقيَّةً تعيشها بالكامل.


سوسن بدر.. «نفرتيتي» الشاشة وجمال الحكمة

سوسن بدر («سيدتي»، تصوير: شربل بومنصور Sharbel Bou Mansour، العدد | 2177، السنة | 2022)

 

على المستوى العربي، تقفُ النجمةُ القديرة سوسن بدر نموذجاً استثنائياً للرقي والتصالحِ مع الذات. ملامحُها المصريَّةُ الأصيلة: عظامُ وجهها المنحوتة، وشعرُها الأبيضُ القصير، صنعت جميعها صورةً خاصَّةً لا تُشبه أحداً حتى استحقَّت لقبَ «نفرتيتي» الشاشةَ المصريَّة.

لم تُحاول سوسن أن تطاردَ نسخةً أصغرَ من نفسها، أو أن تمحو آثارَ الزمنِ عن ملامحها، بل على العكس، جعلت من حضورها الحالي امتداداً طبيعياً لمسيرةٍ فنيَّةٍ وإنسانيَّةٍ طويلةٍ. تجاعيدُ الوجه، بالنسبةِ لها، لا تبدو علاماتِ تراجعٍ، وإنما خطوطٌ، كتبتها التجاربُ، والضحك، والخيباتُ، والانتصاراتُ الصغيرة التي تصنعُ الإنسان.

وفي جلساتِ تصويرها الحديثة، تظهرُ سوسن كما لو أنها تقولُ للمرأةِ العربيَّة: إن النضجَ ليس مرادفاً للاختفاء، وأن الشعرَ الأبيضَ لا يسلبُ المرأةَ أنوثتها، بل قد يمنحها هالةً إضافيَّةً من الوقارِ والجاذبيَّة. جمالها لا يقومُ على مقاومةِ العمر، بل على تحويله إلى جزءٍ من الحضورِ، والهويَّةِ، والخصوصيَّة.

الجمال الحقيقي يبدأ من المصالحة

ما يجمعُ هؤلاء النجماتِ ليس الشهرةَ وحدها، ولا الموهبةَ وحدها، بل تلك الروحُ الفريدةُ التي رفضت الخضوع للقولبة. كلُّ واحدةٍ منهن، بطريقتها، أعادت طرحَ السؤالِ نفسه: هل نُريد أن نبدو كاملاتٍ، أم حقيقيَّاتٍ؟

لقد أثبتن أن التميُّزَ لا يعني البحثَ المهووسَ عن الكمال، وأن الجاذبيَّةَ لا ترتبطُ دائماً بالمثاليَّةِ المصقولة، بل بالصدقِ الداخلي، والراحةِ النفسيَّة، والشجاعةِ في احتضانِ الذات، فحين تتوقَّفُ المرأةُ عن الاعتذارِ عن ملامحها، وعمرها، وتغيُّراتها، تبدأ في امتلاك جمالٍ من نوعٍ آخرَ: إنه جمالٌ لا تصنعه الفلاترُ، ولا يخضعُ للترندات، ولا ينتهي بانطفاءِ الأضواء.

إنه جمالُ الروحِ حين تتصالحُ مع صورتها. جمالُ امرأةٍ تقولُ للعالمِ بهدوءٍ: هذه أنا، بلا قناعٍ.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

 

سيدتي - معتز الشافعي

محرر أول

صحفي متخصص في مجال المشاهير والترفيه، ومحرر أول بقسم سينما وتلفزيون في سيدتي، حيث يعمل منذ عام 2018. يمتلك خبرة مهنية تمتد لأكثر من 12 عامًا منذ عام 2013 في الصحافة الفنية والسينمائية، شملت تغطية كبرى المهرجانات الدولية مثل كان والبندقية والبحر الأحمر، وإجراء حوارات مع نخبة من نجوم السينما العالميين. تركز خبرته على تغطيات السجادة الحمراء، الحوارات الحصرية، وكتابة المراجعات السينمائية والتحقيقات المتعمقة.

صحفي متخصص في مجال المشاهير والترفيه، ومحرر أول بقسم سينما وتلفزيون في سيدتي، حيث يعمل منذ عام 2018. يمتلك خبرة مهنية تمتد لأكثر من 12 عامًا منذ عام 2013 في الصحافة الفنية والسينمائية، شملت تغطية كبرى المهرجانات الدولية مثل كان والبندقية والبحر الأحمر، وإجراء حوارات مع نخبة من نجوم السينما العالميين. تركز خبرته على تغطيات السجادة الحمراء، الحوارات الحصرية، وكتابة المراجعات السينمائية والتحقيقات المتعمقة.