قرأت لإحدى الروائيات الأميركيات العبارة التالية: كنا نحن البنات، نجلس في زوايا الصالون الاجتماعي ونُصغي إلى ما يدور من حديث أو كلام. وهكذا حوّلنا ذلك، فيما بعد إلى روايات.
>>>
ووجدتني في تلك الجلسة أتذكّر قولَ الروائية، فأجلس وأُصغي لما يدور حولي من حديث. إنما لم يكن هناك صوتٌ واحد بل أصوات، وهذا ما جعل الإصغاء عقيماً.
>>>
لم يكن الحضور كبيراً؛ ففي الصالون الضيّق التقى عشرة أشخاص، لم يلبثوا أن أخذوا أدوارهم في حوار ثنائي. وكنت من فئة المستمعين.
ولأن الصالون لم يكن واسعاً، كما أن عددَ الحضور محدود، فقد وجدتُني أجلس بصمت وأُصغي.
وكان كل فرد من الجماعة يسعى لأن يبلِّغ آراءه للشخص المقابل.
وهكذا انفتحَ الحوارُ على ثلاثة خطوط، وكل منهم منفصل عن الخَطّ المجاور، ويتناول موضوعاً مختلفاً عن الآخرين. أما أنا فقد اخترت خطَّ الصمت والإصغاء في محاولة لفهم ما يدور حولي... ولم أفهم.
>>>
وهي ليست حالةً فريدة في مجتمعنا، بل تكادُ أن تكون سلوكاً شائعاً، طالما لفتني كلما التقى الناس، ويغرقُ كل واحد في حوار مع الشخص المقابل، وترتفع حرارة النقاش وتشتدّ الحماسة فلا يعود الواحد منهم يلاحظ ما يدورُ حوله.
>>>
لستُ أدري إذا كان هذا ما يجري في مجتمعات أخرى، وتختلف عنّا في الحضارة والسلوك الاجتماعي. لكن هذا بعض من واقعنا. وألاحظه كلما وجدتُ نفسي في مكان عام.
>>>
وقد خطرَ لي أن أختصرَ زيارتي، وأعود إلى البيت، إنّما فُضُول الكاتبة والروائية جعلني أتسمّر في مقعدي، وأتابع تعابير الوجوه لعدم إمكانية فهم الكلام. وتمنّيتُ لو كان في حوزتي آلة تصوير تلتقط التعابير فوق وجوه المتحاورين.
>>>
وفي عودة إلى الذات والحوار الداخلي وجدتُني أتساءل: هل أن من يصغي إلى الحديث يمكنه فهم ما يُقال؟
وهل ان ما كتبتْه الروائية الأميركية يُعبِّر فعلاً عن الحقيقة؟ وهل يكفي الإنصاتُ إلى الأصوات وأصدائها لفهم الواقع؟
أم ان الكتابة تحتاج إلى ولوج أعمق في الذات والكيان، ولا تكتفي بالصوت وصداه!...

Google News