mena-gmtdmp

البيانو

متقلب المزاج، أحيانا يشقشق كالصبح المبكر، وفي أحيان أخرى يغلظ صوته، وبين هذا وذاك تراه كالبحر عريضا حافلا بكل أنواع النغم.

يقول:

أنا شاعر يحب التنويع والتجريب.. القماشة التي أفصل منها عريضة، وصوتي أوبرالي، بكل درجات أصوات المغنين في الأوبرا، على امتداد لوحة أنغامي يبدأ السوبرانو من أوتار اليمين، ومع الاقتراب من منتصفي يصبح السوبرانو ميتسوسوبرانو، لكني نسيت أن أشرح لكم معنى تلك المصطلحات.

السوبرانو هو الصوت النسائي الرفيع الحاد، والميتسوسوبرانو أقل حدة، وحين تقترب الأصابع أكثر من المنتصف نسمع صوت الألتو، أي الصوت النسائي الغليظ.

وفي نصفي الأيسر الأصوات الرجالية، وهي أيضا تزداد غلظتها كلما ابتعدنا عن المنتصف متجهين نحو آخر أوتاري في أقصى يساري، فقبل المنتصف قليلا يغني التينور، وهو الصوت الرجالي الأكثر حدة وأقل غلظة مما سواه.

ونواصل الرحلة يسارا، وقبل أن نقترب من المياه العميقة شديدة العمق، نبحر في خليج الباريتون، والباريتون هو الصوت الرجالي العميق، أغلظ من التينور، وأقل عمقا من «الباص» الأجش الذي هو نغم الأصابع الأخيرة من لوحي الممتد.

 أردت فقط أن أريكم كم أنا «جدع» كما يقول المصريون.. أقصد كم أنا بحر واسع وعميق، مياهه قرب الشاطئ ضحلة، لكنها تزداد عمقا كلما توغلنا فيه حتى نجد تحتنا بلادا أخرى، قارة البحر الغارقة، العامرة بما لا يخطر على عقل بشر، والحافلة بكائنات ليس لها عدّ أو حدّ.

«أنا البحر في أحشائه الدر كامن» قالها أحد شعرائكم.. لا أتذكر من هو؛ لأنني بيانو بالطبع، كائن من خشب وأوتار، ولا أعرف من أشعاركم إلا هذا البيت، قاله عازفي وهو جالس على الكرسي في حضرتي.

وهو لا يناديني إلا بـ«حضرتك» فقد كنت بيانو جده، ومقامي من مقامه، ومن مقام «بي مول» بالطبع، بما أنني كائن ينتمي للميوزيك الغربي.

سأحكي لكم حكاية:

يحكى أن أحد أفراد العائلة أراد أبوه أن يعلمه عزف البيانو، فوضعوه على الكرسي العالي (بالنسبة لطوله وقت ذاك)، وقد جلست بجواره معلمة (خواجاية) أي أجنبية، وكانت إيطالية.

صارت تكلمه بعربية مكسرة وهو لا يفهم. تريده أن يضع إصبعه على وتر البيانو فلا يفهم، فتمسك بإصبعه وتضغط بها وتر البيانو، وهو في ملكوت الله، وفجأة وقع به الكرسي على الأرض، وأعلنت المعلمة نهاية الحصة،

وحين سألتها أمه عن موعد الحصة التالية قالت:

ده آخر.. وأول.. «خصة».

وأعلن الولد هو الآخر اعتزاله عزف البيانو قائلا: إنه «سيتجه للتلحين»،

كل هذا حدث أمامي أنا.. على كرسيَّ العريق وأوتاري، وكنت أول المرتاحين حين أعلن الولد اعتزاله العزف.. وحين حاول الاتجاه للتلحين على أوتاري، سقط بالكرسي لحسن الحظ مرة ثانية.. وأخيرة.

إني أحكي هذه القصة لأسليكم فقط، فلست أحمل ضغينة لبطلها، الذي كان صغيرا جدا، ولا يجيد الإيطالية، ولو كان علمه فنان عربي، ربما كان الآن من أساطين الطرب وأساطير العرب.

سأكلمكم الآن عن جدي أنا..

اعلموا أيها السادة أن جدي كان من رجال الدين، فأرغن الكنيسة هو جدي، بل بالأصح والدي، والموسيقى الكلاسيكية بدأت في الكنيسة، لهذا تجدون الأرغن يلعب دورا كبيرا في موسيقى «باخ» الأب الشرعي للموسيقى الكلاسيكية.

وأول معجزة ولدت على يدي كانت موزار، الذي جاء بعد باخ بزمن ليس بعيدا بحساب التاريخ، فبهر العقول والقلوب والآذان بعزفه على البيانو وهو في الثالثة، وألف أولى مقطوعاته في السادسة، وظل يصنع الأعاجيب حتى مات في شبابه.

أما بيتهوفن فكان أفرس من اعتلاني وأبلغ من استنطقني، وأنا ألعب دور البطولة في معظم أعماله.

وأمهر من عزفني «ليست» حتى انتزع عرشه «شوبان»، والآن رمزي يسَّا،

تطول القائمة ويتعاظم مجدي ووجودي العريض العريق.

أنا البيانو.. في أحشائي الدر كامن ولا يخرجه إلا عازف غواص قدير،

وأستودعكم الله في مقطوعة «For Elize» لبيتهوفن، التي أهداها لمحبوبته إليز فجاءت قمة في العذوبة، وهاأنا أهديها لكم.

أراكم على خير، وقبل أن أمضي سأقول«طاطاطا...»

كما قلت في مطلع السيمفونية الخامسة، سيمفونية القدر، وبالمناسبة هذه الـ«طاطاطا..» هي أشهر نغمة في الموسيقى كلها؛ لأنها الصوت الشخصي الخصوصي، الذي هو بكل تواضع صوتي أنا.