mena-gmtdmp

بغتات الصدر ـ1ـ

عدت مساء الثلاثاء من باريس ليلا، وكعادتنا بعد أوبتي من أسفاري تجلس ماجدة لتحكي أخبارها، ما جرى، ما فاتها أن تخبرني به عبر الهاتف الذي تتكثف عبره الحوارات والمشاعر، ويصير إيقاع الصوت ولونه مصدرا للأحوال، وما لم يتم الإفصاح عنه، الصوت ملخص وكاشف للوجود الإنساني، ألا يطلب الطبيب من مريضه أن يقول: «آه»، وخلال صدور الموجات من الحلق توجد مكامن الخلل؟ كان صوت ماجدة عاديا جدا، طبيعيا جدا، لا ينبئ بأي شيء مخيف أو غير عادي، غير أنها منذ أن بدأت النطق أدركت أن هذه المرة غير أي مرة، ثمة شيء. استنفرت سائر حواسي، ثمة شيء في عينيها الجميلتين، وهما مركز في وجهها الذي أحببت، توقعت شيئا غير عادي، رغم أنني أقصيت كل تعبير عن وجهي.

قالت: إنها اعتادت أن تحس جسدها خشية ظهور أورام أو ما يشبهها، منذ أيام شعرت بتغير شكل الثدي. ليس مثل الإنسان عارفا بجسده، وعاء روحه في هذه الحياة الدنيا ومستقره إلى أن يفارق ويتفرق في الكون الذي نعرفه والذي لا نعرفه، أدركت أن ثمة شيئا غير عادي، سارعت إلى الإنترنت الذي تجيد التعامل معه، وجدت تشابها في الأعراض، في اليوم التالي مضت إلى طبيبة الأشعة التي طلبت منها أن تتجه على الفور إلى طبيب متخصص في الأورام.

كان الأمر يحتاج إلى سرعة، في مثل هذه الحالات نلجأ إلى من هو نعم الصاحب والصديق، إلى الدكتور محمد أبو الغار الذي عاش آلامنا كلها، سواء ما يدخل في تخصصه أو ما يتعلق بأحوال أخرى، كان الرجل في مهمة علمية خارج مصر، أصغى بصبر، حدد لها اسمين: الأول طبيب أصغيت إلى اسمه مرارا فيما تلا ذلك مقترنا بالثناء والإشادة على عمله وشخصه، هو الدكتور حمدي عبد العظيم، الثاني جراح شاب درس العلم الحديث في معهد جوستاف روسيه في فرنسا، وفي أحد أهم مراكز علاج الأورام في العالم، في ميلانو، الدكتور عمر زكريا، هو أيضا زوج ابنة الدكتور محمد أبو الغار، لابد أن ماجدة قد لحقها هدوء ما بعد حديثها إلى أبو الغار، إنه رجل هادئ السريرة، نافذ البصيرة، رقيق، تفيض سكينته على محدثه، ولي تجربة معه أثناء رقادي في مستشفى السلام، قسم المسالك البولية، كان إذ يدخل الحجرة يغمرني أمن وسلام وكنت أحدثه عن أدق أموري، هو الذي رشح الطبيبين المتخصصين في الأورام...

أورام.. سرطان

المرض «الوحشي» (يتجنب المصريون ذكره صراحة إيمانا منهم بقوة الاسم، وهذا معتقد مصري قديم ما زال ساريا).

يسمع الإنسان بإصابة هذا أو ذاك فيظن أن الأمر لن يطاله مع أن كل آت قريب، لا أدري مصدر يقيني بأن هذا المرض لن يلحق بنا، ربما لتاريخ أسرتينا، لم يحدث أن أصيب أحد أقاربي حتى الدرجة الثالثة به، كذلك ماجدة، لكن مثلي مثل البشر ننسى أن الإنسان مفرد، وما قد يمر به هذا قد يحدث به ما لم يلحق بشخص آخر عرف نفس الظروف.

الليل جاثٍ، حارٌ رغم أننا نقترب من نوفمبر، وثمة حال بدأ أن ينشأ عندي، كأنني أصبحت شخصا مختلفا، أسمع أخطر ما يهدد حياتنا، وكأنني أصغي إلى أخبار تخص شخصا غيري، حتى هذه اللحظة لا أصدق أن ذلك لحق بماجدة، لم تكن النتيجة النهائية قد ظهرت بعد، ولكن الخطر ماثل، وكل ما أعيشه الآن قد يصبح حلما في غير المتناول، غدا سيأخذ الدكتور عينة من الصدر، طلبت مني أن أبقي الأمر سرا بالنسبة لمحمد وماجدة، كلاهما بعيد، في غربة، صحيح أنهما خبرا الحياة وعرفا صعابها، لكنها تريد أن تنبئهما تدريجيا، لها طريقتها، بالطبع كنت أوافقها، وهذا الشعور بالتبلد ما زال ماثلا وكأنني رأيت، لمحت الخطر فرفعت يدي لعلي أتقي ما يهوي تجاهي..