حكاية صفعة

 

قرّبت العجوز باقة الورد من وجهها. وتنهدت.

تابعت عملي. الممرضة الشابة الواقفة قربي لم تكن راضية. قالت وهي تحاول سحب الباقة من العجوز : «هيا، مادموزيل، الدكتورة مستعجلة، لديها مرضى آخرون، سأعيد لك الباقة لاحقًا...».

تشبثت مادموزيل أوديت بورودها، ولكن الممرضة انتزعتها منها بخشونة.

لم يعجبني ما قامت به الفتاة. لم أطلب منها أن تتدخل. عنّفتها.

مسحت العجوز عينيها الذابلتين بطرف أصبعها. لم تعد ترى شيئًا. أمرت الممرضة بأن تأتي لها بعلبة مناديل ورقية، وأبعدت السماعة، وجلست على طرف السرير.«أنت لطيفة. شكرًا على الزهور»، همست مادموزيل أوديت. ربتت على ظهر يدها الناشفة، وتمسكت بي.

«لماذا تعتنين بي؟» سألت. ولم أرد. مدت يدها الأخرى نحوي، وتحسست وجهي، ولمست خدي بحنان.

«ليباركك الله».

لو تعلم ! قلبي يخفق وأنا أحس بالأصابع النحيلة تروح وتجيء بلطف بالغ على خدي.

 لو تعلم !

عاد بي الزمن عقودًا إلى الوراء.

مدرسة نوتردام دي كارم. شارع لينواز. أواخر السبعينيات.

أقطع كل يوم مسافة خيالية في عمري الصغير ذاك؛ لأصل إلى المدرسة. خمس وعشرون دقيقة مشيًا. لا مال لدينا لتوفير وسيلة نقل لي.

صباح يوم بارد من أيام خريف بريست القاسي. المدينة الواقعة شمال غرب فرنسا في أوج ازدهارها. والدي الذي كان يعمل في شحن السفن فقد عمله. هكذا دون إنذار. الجو في البيت لا يحتمل. أمي تبكي وأبي يتسكع طيلة النهار، ويعود إلينا في حالة رهيبة.

فتحت عينيَّ وأنا أرتجف في فرشتي الباردة. حرارتي مرتفعة، وحلقي مسدود، لم أقل شيئًا.

شربت كالعادة كأس الشاي الذي أعدته أمي، ووضعت طرف خبز في محفظتي، وحثثت الخطى لأصل في الوقت، قبل أن يغلق الحارس باب المدرسة.

رجلاي تؤلمانني، وحلقي تورم.

مرت بي إحدى زميلاتي، على دراجتها الهوائية. فتاة شقراء فارعة الطول، وضاحكة، توقفت، ودعتني لأركب خلفها، وفعلت بامتنان.

تحركنا، وفي خضم استعجالها فقدت السيطرة على دراجتها، ووقعنا أرضًا.

لم نصب بأذى، لكنني فقدت نظارتي. أخذنا نبحث عنها بين الحشائش، وحين عثرنا عليها أخيرًا، كان الوقت قد تأخر.

ركبنا الدراجة، وتحدثت زميلتي مع الحارس، وأقنعته بأن يفتح لنا البوابة. لم أندهش لذلك. اكتشفت أول ما وصلنا إلى بريست أن ذوي البشرة البيضاء والعيون الملونة يملكون عصيًا سحرية لا سبيل لبقية الخلق إليها.

تسللنا إلى الدور الأول حيث فصل مادموزيل أوديت.

مادموزيل أوديت! معلمتنا النحيلة المخيفة التي يرتعب لمرآها كل تلاميذ مدرسة نوتردام دي كارم، وجه شاحب. عينان نافذتان لا تفوتهما حركة. شفتان مطليتان بلون قرمزي غريب. شعر أشقر مشدود بصرامة للوراء. وطقم رسمي مكوي بعناية.

طرقنا الباب، وفتحت المعلمة. نظرت إلينا، وتقدمت دون تردد نحوي، وصفعتني بقوة كادت ترديني أرضًا، لولا ذراع زميلتي الواقفة قربي.

انفجر الفصل بالضحك. وصرخت مادموزيل أوديت : «هذا سيعلمك كيف تتأخرين على الدرس!»، صاحت بحنق، وأدارت ظهرها لنا، وجاء أحد مسؤولي الإدارة يجري نحونا.

تحدث مع المعلمة. وشرحت زميلتي تفاصيل ما حدث لنا. ودخلنا إلى الفصل. وتطلعت كل الوجوه إلى خدي الموشوم بآثار أصابع مادموزيل أوديت.

لم توبخ المعلمة زميلتي. تجاهلتها، وصبت حنقها عليَّ. عنفتني عدة مرات خلال الحصة. ولم أجرؤ حتى على البكاء.

أخفيت الأمر على أمي. لم يكن ذلك صعبًا. ارتفعت حرارتي، واحمر وجهي كله. أخذتني إلى فرشتي، وأتت لي بشاي ساخن، وسمعتها تكلم والدي حين عاد.

«ومن أين آتي بالمال؟». أخذ يصرخ «هل أبيع روحي؟ حتى هذه لن يشتريها مني أحد. نحن نموت من الجوع يا مدام، نموت من الجوع، ولا نملك ترف أن نمرض. هل تسمعين؟ لقني ذلك لابنتك... ».

خرج، وجاءت أمي تكفكف دموعها وتأخذني في حضنها.

يومها قررت أن أصير دكتورة. لن تبكي أمي بعد ذلك. سأداويها وأداوي كل العائلة...بنفسي.

مرّ الزمن. وصرت طبيبة.

توفي والدي. وخدمت أمي في البيوت. وعانت الأمرين لتصرف عليَّ وعلى دراستي. ورفضت أن تترك بريست.

«سأموت حيث مات والدك، وأدفن قربه. لا تهتمي لي. عيشي حياتك».

لم أتركها طبعًا. نعيش حياتنا معًا الآن، في بيت جميل، به خدم، وفيه حديقة.

طبيعة عملي قادتني إلى دار عجزة قريبة من الميناء. وكم كانت دهشتي عظيمة عندما قابلت فيها مادموزيل أوديت.

لم تتزوج. ولم يكترث أحد لما آلت إليه.

يدها مازالت تربت بامتنان على الخد الذي صفعته ذات يوم.

لن أقول لها شيئًا. تتعذب بما يكفي...