كنت دائماً أتلمس في ذاكرتي
زوايا، وخفايا، وأسراراً، اختزنتها في مخيلتي عن ذلك الزقاق الضيق الطويل نوعاً
ما، والذي يقع في «جزيرة فرسان» مسقط رأسي، وأستعيد الأطياف المسكونة منذ الطفولة
في عقلي، عن أسطورة هذا الزقاق الذي كان يثير الرعب في قلوبنا نحن الصغار، عندما
كنا نلعب وتسول لنا أنفسنا الدخول فيه أو المرور منه، ولكننا لم نكن نجرؤ على ذلك،
نظراً لأن هذا الزقاق يرتديه السكون ويطبق عليه الظلام مساء، وتوجد قبالته بئر من
الماء يستقي منها أهل الحي والرعاة وأصحاب الزرع وغيرهم، ومياه هذه البئر مالحة لا
تصلح للشرب الآدمي، ويقع هذا الزقاق على اليسار من الحي الذي كنا نقطنه، وعلى
يمينه بوابة أثرية على شكل مئذنة نصف دائرية، تعتبر مدخلاً إلى دور بعض الأسر
الكبيرة التي كانت ومازالت تقطن ذالك الحي، حتى غلب عليه اسمهم.
>>>
خلف تلك البوابة منازل، وبقعة كبيرة، كان يطيب لنا نحن الصغار اللعب فيها، وكانت تلك البقعة من الأرض تزخر بالأساطير التي يرويها الكبار، وما أن ينادى لصلاة المغرب إلا وترانا قد ركضنا إلى منازلنا، حتى لا نرى ما سمعناه عنها، منها أن تلك البقعة التي يوجد فيها البئر، والزقاق، كانت مسرحاً لأحد المشعوذين، الذي كان يتعاطى تحضير الجن ـ والعياذ بالله ـ وأنه تمكن من تحضيرهم ولم يتمكن من تفريقهم، لأجل ذلك فهم يخرجون ليلاً ليرعبوا الناس ويضروهم، وتسمع أصواتهم وضجيجهم، وكذلك انتشرت أسطورة تقول: إن أحد السكان القاطنين بجوار الزقاق سمع بالليل أصواتاً لأنواع مختلفة من الماشية، كالأبقار والأغنام وغيرها، وسمع خلفها أصوات رجال يجمعونها حول البئر لكي تستقي منها، وأن الرجل أطل برأسه من ثقب فناء منزله، فرأى الماشية التي بعضها بلا أرجل وبلا أذناب، وأن الرجال الذين يسقونها من ذوي البشرة السوداء، ومرقمون بألوان حمراء وبيضاء، وأشداقهم مدلاة على رقابهم، ويقال إن هذا الرجل الذي شاهدهم، سقط مغشياً عليه، ولم يفق من غيبوبته إلا بعد أيام، والرجل بالطبع أصبح ضمن الأموات ـ رحمهم الله ـ ظل هذا الزقاق يشكل بالنسبة لي مثلثاً من الرعب والكوابيس، التي تجثم عليّ مع بداية كل ظلام، كما يفعل الآن مثلث «برمودا» مع الطائرات ويقال إنه يسقطها. وتلبستني حالة نفسية تخيفني من الأماكن الضيقة، «وفوبيا من الظلام» لم تفارقني، حتى عندما انتقلنا إلى مدينة «جدة» وأنا بالصف الثالث الابتدائي، ورغم أضواء المدينة وضجيجها وزحامها، إلا أنها لم تنتشلني من حالة الخوف تلك، التي لازمتني، حتى وأنا أدرس في الجامعة. لكن مع مرور الزمن وتغير الحياة، في مملكتنا الجميلة، وامتداد يد التطوير إلى جزيرة «فرسان» ودخول الكهرباء إلى بيوتها وشوارعها، أصبح ذالك الزقاق يموج بالأطفال الذين يلعبون فيه ليل نهار، خاصة بعد أن طمرت تلك البئر، التي تدور حولها الأساطير، لا لأنها مخيفة، ومرعبة، بل لأن المياه أصبحت تصل إلى منازل الجزيرة عبر الأنابيب الحديثة، ولكن كيف لي أنا أن أحطم أسطورة ذالك الزقاق من رأسي، وكيف أتمكن من فك غلالة الخوف التي سكنتني بفعل هذا الزقاق؟ هذا ما حاولت فعله، وذلك بتعمدي المرور فيه كلما زرت الجزيرة. مرة كنت أمرّ منه مع إحدى صديقاتي، وضحكاتنا تعلو أصواتنا، وفجأة تسمرت أقدامنا، وصكتنا رعدة من الرعشة، لسماعنا أصواتاً من خلفنا تشبه طنين الذباب، ورأينا ألواناً تضيء أمامنا، بزرقتها، وخضرتها، وحمرتها، فاصطكت فرائصي، وارتعدت أوصالي. لكن سرعان ما سمعت ضحكات صديقتي وهي تشدني لألتفت خلفي، لأرى أحد الأطفال الذي راح يشعل مجموعة من الألعاب النارية.
[email protected] للتواصل مع الكاتبة زينب غاصب

Google News