أستعيرُ عنوان روايتي الأولى التي نُشرتْ مطلعَ الستينات
من القرن المنصرم، لأكتبَ عن موضوع من الواقع وليس رواية.
***
وقد أثارته قبل أيام جماعةُ الحفاظ على الحياة البرّية، عندما أطلقتْ صرخةَ احتجاج، منتقدة الصيدَ الكثيف للطيور المهاجرة، والعابرة فوق سماء «قبرص».
وذكرتِ التقارير ان أكثر من مليون طائر جرى اصطيادها، في «قبرص» وبطريقة صيد غير مشروعة، وعلى مدى الإثني عشر شهراً الماضية.
***
و«قبرص» مثل «لبنان» و«سوريا»، تقع في مسار رئيسي للطيور المهاجرة، والتي جعلتُها رمزاً لهجرة الشباب من أريافنا، في رواية «طيور أيلول». والعنوان مُستعار من الإسم الشائع الذي يُطلق على الطيور المهاجرة، والتي يصادف عبورُها في سمائنا بعد منتصف شهر أيلول من كل عام.
***
إنّما «الطيور» التي عنيتُها في حينه، فهي شبابُ الأرياف في بلادنا؛ والذين، مثل تلك الطيور، ما يكاد يقسو جناحُهم، حتى يهاجروا هرباً من شحِّ موارد الرزق؛ خصوصاً حين لم تعد الأرض تكفي عَوَزَهم أو تُرضي طموحَهم.
وفي حين فكرتُ أن الهجرة تقتصرُ على زمنٍ معيّن، فقد برهنتِ الأيامُ التالية، والأحداث، أنها من صميمِ مشاكلنا الإجتماعية.
***
وأعود الى تقارير جماعة الحفاظ على الحياة البرّية، والتي انتقدتْ ما يجري في «قبرص» من عملياتِ صيدٍ غير مشروعة، على مدى الإثني عشر شهراً الماضية.
وتقع «قبرص» على خطّ رئيسي لمسار طيور الهجرة. كما أصبحت مكاناً يرتادُه ناصبو الشِراك؛ وهم يستخدمون الشباك الرقيقة، أو القضبان المطليّة بمادة دَبقة، ما ان يحطّ فوقها الطائر حتى تتشبّث به، فيعلق ويصبح عاجزاً عن الطيران.
وأذكر ان هذه الوسيلة كانت من بعض سلوى الشباب في قرانا الريفية، ومن دون أي رادع، أو شعور بتأنيب الضمير؛ وذلك قبل أن تحدث اليقظة، ويتفتّح الوعي على مدى الأذى الذي يُلحقه الصيادون بالطيور وبالطبيعة عموماً.
***
وقد جاء في تقرير رفعه مارتن هيليكار، وهو «المدير التنفيذي لجماعة حياة الطيور القبرصية، «ان الرقم المذكور في الإحصاء للطيور يشير الى خسائر لا يمكن قبولها بأيّ منطق».
***
وقبل بضع سنوات، ذكرت تقارير إحصاء الطيور المهاجرة ان أعداداً منها لا يُحصيها عدّ، نفقت وهي تتابع خطَّ هجرتها فوق بعض المناطق التركية، حيث قام المزارعون برشّ الأشجار بالمبيدات الكيماوية.
***
وخطر إبادة الطيور لا يهدّد أسرابها وجنسها فقط، بل يُشكّل تهديداً للبيئة عموماً. وقد أخبرتني صديقة اختصاصُها علوم البيئة، ان بعض أصحاب الأملاك في البقاع، حاولوا تجفيف مستنقعات في منطقة «عمّيق» في لبنان، فتدخّلت المنظّمات التي تُعنى بشؤون البيئة ومنعتهم، لأن المكان يقع على خطّ العبور لطيور الهجرة، حيث تهبط لترتاح أو تبيت بقرب المياه، وإن إحداث أي تغيير على الأرض، سيؤثّر عليها، كما على أحوال البيئة عامّة.
***
أما الجماعة التي تهتمُّ بخطّ الهجرة فوق «قبرص»، فقد أكدت، في ما نشرته من تقارير، «ان الطيور تقدَّم وجباتٍ غالية الثمن في المطاعم المحليّة، على رغم حظر اصطيادها». وهي ما كانت لتطلق التحذير لو لم تلحظ ان نسبة الصيد ارتفعت، في السنة الماضية، خمسين بالمائة، مقارنةً بالسنوات السابقة.
***
وقد تولّتْ إعدادَ تلك التقارير جماعةُ حياةِ الطيور القبرصية، والجمعية الملكية لحماية الطيور، وقدّمتها الى الحكومة القبرصية والى المفوّضية الأوروبية، تحذيراً للمستقبل، وحرصاً على حماية وسلامة تسعين بالمائة من طيورٍ تهاجرُ من أوروبا، عبْرَ «قبرص» وبلدان الشرق الأوسط، باتجاه مناطق أكثر دفئاً. وتضمّ سلالات من طيور مهدّدة بالإنقراض التام. وهذا ما دفع تلك المؤسّسات، الى دقّ ناقوس الخطر، والتوصية بالحرص على مخلوقات لا حولَ لها؛ ومهما قويتْ أجنحتُها، فهي تظلُّ عاجزة عن حفظِ حياتها أو تأمين سلامتها؛ خصوصاً وان وسائل القتل تتنوّع، وتتقدّم، مع ابتكار طرق الاحتيال؛ ومنها ان بعض القنّاصين يُحضرون طيوراً مغرِّدة، ويحبسونها في أقفاص، كي تجذب الى محيطها أسرابَ الطيور المهاجرة.
***
إنه موضوع آخر، يُضاف الى لائحة العدوان على البيئة؛ وإمعان الإنسان في تخريبِ الطبيعة، بالعنف والحروب، حيناً، وباللعب في كثير من الأحيان، متجاهلاً انها حاضنة الوجود البشري والحيواني والنباتي، وستبقى، وحتى أجل غير محدود، مقرَّه وموطنَ سكنه.
للتفاعل مع الكاتبة [email protected]

Google News