mena-gmtdmp

لن أعود إليه!


إنهم فعلاً أحباب الله، فلديهم من البراءة التي تكفي أن تجعل العالم يعيش سلماً وأمناً مدى الدهر، ولديهم من المشاعر الجميلة والحب البريء، الذي يجعلنا نحن الكبار نتعلم منهم، كنت في زيارة لصديقي، وهي أول مرة أزوره في بيته، فقد كنا نتقابل في الأماكن العامة للعب الشطرنج، ولما غاب الرجل عني فترة طويلة اتصلت به، وعرفت أنه يعيش أزمة نفسية بسبب عمله، وقمت بزيارته، وبعد أن صعدت لشقته بعد معاناة طويلة في الدرج، الذي كلت لمن هندسه كماً من المسبات والشتائم، لأنني شعرت وكأنني أتسلق قمة إفرست، مع أن الارتفاع ثلاثة طوابق فقط، فتح لي الباب طفل بعمر أربع سنوات تقريباً، سألته عن والده، فلاحقني بالأسئلة، أنت مين.. وأنا أجيبه، ويسألني أنت صديق بابا ولا زميله، وأنا أجيبه، أنت طويل ليه، وأنا لا أجيبه، وقلت له نادي على بابا حبيبي، وابتسم لي وهو يؤرجح رجله ويضربها بالباب، وقال لا.. وظللت أرجوه.. إلى أن سمعني أبوه ورآني وهلل ورحب بي، وأجلسني بالصالون، وقال لولده: روح قول لماما تعمل عصير. وسألني: ولا تشرب قهوة، فقلت له: أي شيء، المهم أنت أخبارك إيه. كل هذا وابنه واقف بجانبي يجذبني من ملابسي. سألته عن أخباره وعن مشاكله مع عمله، وطلبت منه أن يحكي لي لعلنا نجد حلاً، وأخذ يسترسل، وولده يلعب في أذني بقلم رصاص، يرميني بحجر بطارية، وأنا أبتسم للولد وأستمع للأب، وعندما زاد الأمر، وكاد الولد يخرق عيني بالقلم، قلت له بابتسامة خفيفة، وأنا أعض على أسناني: «إلعب بعيد يا بابا» الأمور اسمه إيه؟ ولم يجبني الأب، وواصل حكايته بعصبية، وهو يسب في المدير والمقصرين في حقه، ويستمر في السرد، ويواصل ولده جذبه لي من قميصي حتى أخرجه من البنطلون، ولما ضاق بي الحال، وبغفلة من أبيه رميت الولد بكوعي على الكنبة بجواري، وإذا به يزداد شراسة، وظلت المعركة دائرة بيني وبين الولد، بينما والده يستمر بالسرد، فنهضت غاضباً وقلت له: عالعموم أشوفك اليوم بالمساء على المقهى لنكمل الموضوع، فحلف علي أيماناً مغلظة ألا أخرج بدون أن يكمل. وأنا أحلف عليه لابد أن أخرج، والولد يجذبني من بنطالي ويقول: عمو إجلس لم ننته من اللعب. ويضحك والده ويقول: حتى الولد اتعلق بيك، وأنا أقول له: وأنا «اتعلقت به»! لكن أرجوك دعنا نتقابل بالمساء ثانية.. فقال صديقي: خلينا نتقابل بالبيت أحسن، قلت له: بيت مين. هنا، ثانية، ولم أدر إلا وأنا بكل قوتي أفتح الباب وأنطلق مسرعاً، وظل ينادي علي: اليوم بالمساء اتفقنا خلاص خلاص. وأنا أردد خلاص، خلاص خرجت، الحمد لله.

للتواصل مع الكاتب محسن محمد مهدي دومة [email protected]