mena-gmtdmp

هودج ـ7ـ


ليس لها أن تبدي عذرًا

تعرف الأخبار الأولى والوقائع المتينة وغرائب ما جرى في الأزمنة القديمة، ما شيده الآمر من أجلها مؤثر، جليل وعجيب، من أجلها هذا الهودج، ليس من قماش وإن كان يبدو من بعيد كذلك، معلق في الفراغ، هكذا يراه القاصي والداني، ما يستند إليه خفي، أساسه بعيد، حساباته لم تطرق من قبل، كل ما فيه متعلق بها، فإذا رغبت في خلاء امتد أمامها فسيحًا، طليقًا، لا يحده حتى أفق، وإذا اشتد الحر أو البرد تتبع الحرارة ما يريحها ويهدئ أحوالها، كذلك درجة الضوء، إن شاءت توهج حتى ليلغي الظلال، وإن ضاقت خفت وبهت، وإن أرادت أعتم في ذروة النهار، تتعاقب الروائح طبقًا للأوقات التي عهدت والمصادر التي اعتادت، بدءًا من خواص الرمال في الأحوال المتعاقبة، راكدة أو سافية، إلى رائحة الخبيز من دقيق مخلوط بماء، وخميرة وما قبل دخول الفرن، مراحل الإيقاد وخروج الأرغفة زاهية، متفجرة بالمذاق الشهي، هبوب النسمات قبل الغروب وسرحات الرياح بين المضارب، وعبق المياه في قاع البئر، أو الأريج المصاحب لتدفقها في العيون الباردة أو الساخنة، يسري هذا على الأصوات، كافة ما عرفته من هديل حمام أو ثغاء شاة أو رغاء نوق أو عواء ذئب في الليالي، أو هسيس جراد عابر.

يهتز الهودج إذا شاءت، ويثبت عندما تريد، يستقيم إذا وجدت راحتها في ذلك، ويميل لحظة حنينها إلى الانتقال القديم، فكأنه واقع الآن.

كيف تم تدبير الأمر؟

كيف جرى هذا كله؟ من أين أمكنهم توفير اللبن والعسل وماء الورد للخلط بمواد البناء بدلاً من المياه؟! كيف جهزوا تلك الأسقف التي يمكنها أن تتراجع بمجرد ورود الخاطرة، بحيث ينفذ بصرها إلى السماء مباشرة؟!

الألوان طوعها، كافة درجات الرمال الصفراوية في لحظات النهار المختلفة، صيفية خلو من الغمام أو شتوية رمادية أو ربيعية جاثية تحت الخماسين، في لحظة تختفي ألوان الأشجار والأطيار وأمواج النيل والضفاف وأطياف السعف في الأعالي، تبدو الكثبان والتلال والأمواج المتوالية من الذَّرات المتجاورة، تحتوي الصحراء، تطاوعها اللانهاية التي يصارعها قومها منذ حقب لا نقدر على تحديدها، هذا ما لم يجل ربما في خاطر المصمم المبهر لهذا البنيان الأعجوبة، لم ترغب إلا في خلاء ممتد بدلاً من جدران القصور الشاهقة، ونوافذ الغرف التي تحدد وتقيد أكثر مما تكشف وترشد، لم تتصور قط أنها ستحتوي الفراغ عينه، لكن...

يستعد الآمر لمغادرة القصر الشرقي، ميممًا صوب الهودج، يفضي إلى مدبر القصور بأمره، عند وصوله يغادر جميع من له صلة حتى الحرس الخاص الذي يلازم غرفة نومه، لا يريد وجود أي إنسان له صلة في جزيرة الروضة كافة.

يخرج عصرًا، بمجرد عبوره الخليج ينبسط الخلاء منطلقًا فسيحًا، يلوح الهودج للمحدق المدقق عبر تلك المسافة معلقًا، غير مستند إلى شيء، منبت الصلة بما فوقه وما تحته، متكوكبا في ضوء الأصيل الساري.