مدونات سيدتي /مقالات

شكراً

هل شعرتَ يوماً بأن هناك أرواحاً كانت تستحق منك الشكر لوجودها المُتميِّز في حياتك، وتمنّيت لو عاد بك الزمن إليهم كي تقول لهم: شكراً؟

الكثير منا يحتفظ في داخلهِ بمجموعةٍ من بطاقاتِ الشكر وتمنى لو أنه أرْفقها بباقاتٍ من الورودِ لأشْخاصٍ مضى بهم الوقت ولم يمْهلنا حتى نضعها على أبوابهم.
فشكراً لكلِّ الذين قدموا لنا الحياة على هَيْئةِ حكايات دافئة، ومروا بحياتنا دون أن يزرعوا الحزن في قلوبنا، وعلَّقوا مصابيح الفرح على أبوابنا قبل أن يمضوا بسلامٍ.
شكراً لكلِّ الذين تعاملوا معنا بعواطفهم الحقيقيّة، وبوجوههم الحقيقيّة، وترفعوا عن خديعة الوجوه وزيْف الأقْنِعة.

شكراً لكلِّ الذين مارسوا أدوار الخير على مسارحِ حياتنا، ومنحونا البُطولة المُطْلقة في حكاياتِ قلوبهم، ورتَّبونا في الصفوف الأولى من حياتهم والصفوف الأولى من أُمنيّاتهم، والصفوف الأولى من أولويّاتهم.

شكراً للذين ختموا حكاياتهم معنا بالاحترامِ، ومسحوا على قلوبنا باهْتِمامٍ، وحافظوا على بياضِ المساحات حولنا وطهارة الَبقايا خلفهم، وترفَّعوا عن السقوطِ في وحْلِ النِهاياتِ.

شكراً للذين اصْطحبوا رُقيّ البدايات إلى المحطاتِ الأخيرة، وتدثَّروا بنُبْلِ الصمت ولم يَسْتسْلموا لثرثرةِ ما بعد الفراقِ. ولم يتنازلوا عن ابْتِساماتهم في وجوهنا حين نالَ الحزن منهم.

شكراً للذين لم يشوهوا صورهم في قلوبنا، ولم يتسلَّلوا من حياتنا على غفلةٍ من قلوبنا كاللصوصِ وقُطّاع الطُرُق. الذين حافظوا على ثباتهم ولم يتساقطوا في المواقف الصعبة وترفّعوا عن الصغائِرِ، وثَبتوا على العهدِ، وأبْحروا بنا على الرغْمِ من قسوةِ الأمواج حَوْلهم، ولم يهتزوا أمام رياح الفراق العاتِية.

شكراً للذين ترجَّلوا عند الرحيلِ بشُموخٍ، وقالوا وداعاً بصوت الحزن ودفئه، وستَروا التفاصيل الخاصة كأنها أعراضهم، وبكوا بصدقٍ فوق مَقاصِلِ الوداع، ولم يفقدوا شخصياتهم القديمة ولا أخلاقهم الحقيقيّة ولا مبادئهم الأولى.

شكراً للذين ساعدونا على الوقوفِ، وعلى معاودةِ الطيران، وعلى التأقْلُمِ مع أوجاع الفَقْد، وعلى انْتِظارِ شروق شمس جديدة.

شكراً للذين مارسوا الغياب بأرْقى صنوفه، وانْتَقوا نِهاية العُظماء، ورحيل النُبلاء، ولم يتلوَّثوا بصدمةِ الأحزان، وحافظوا على الوفاءِ رغم بُعد المسافات، ولقّنوا الغدْر درساً لن ينساه.

قَبْلَ النهايةِ بقليلٍ:
شكراً لكلِّ الذين حرصوا على احْتِرامِ النهايات، كي تبقى المساحات خلفهم مُضاءة.

مقالات اخرى للكاتب

X