مدونات سيدتي /مقالات

لو كان بإمْكاننا


لو أننا ننجح بنفضِ رؤوسنا في بِرْكةِ ماء مُتَحرِّك، وإسْقاط كل الأفكار المزعجة منها، وسكب كل ذلك الضجيج والتوتر، وكل تلك الأصوات التي تدفعنا نحو القلق بقوةٍ، لأصبحنا أكثر أريحيّة في البوحِ، ولحدثنا الآخرين عن كلِّ تلك الأشياء التي نحرص على إخْفائها كأنها حُزْمة من الأسرارِ الخاصة، بينما هي ليست سوى سلوكيّات عفويّة، الْتَصَقتْ بنا ذاتَ عُمْرٍ ورافقتنا سنوات طويلة..
لو كان بإمْكاننا فقط كسر صناديقنا السوداء بسهولةٍ، لأخبرتك عني أشياء قد تبدو في ظاهرها مُضْحِكة، بينما هي موجِعة كأنها مجموعة من الجروح المتلاصِقة..


فمازلت أنا تلك النُسْخة القديمة التي تحفظها عن ظَهْرِ قلب، لم أتغيّر، وفشلتُ بعددِ المرات التي اسْتسلمت فيها لعمليّةِ تحديثٍ وحاولت جاهدة أن أتغيّر، لكني كنتُ نُسْخة غير قابِلةٍ للتحديثٍ، وكأن الزمن حوَّلني إلى مُجَرَّدِ نُسْخة صالحة للقراءةِ فقط!


ومازلت أكتب في الشتاءِ كثيراً، وأخْفي الكتابات كزادٍ لأشهرِ السنة التي تَلي الشتاء، وكأنني كائن شِتائيّ يسترجع في الشتاء كُلّ صحته ونشاطه وحياته..
ومازلت أحب التكْرار، فأكرِّر المدن، وأكرر الأماكن، وأكرر المطاعم، وأكرر المقاهي، وأكرر الجلوس على المقعدِ ذاته ِ، وأمام الطاولة ذاتها..
ومازلت تلك الأنثى المُفعمة بالهدوءِ، التي تحب الاسْتماع إلى الموسيقى الهادئة في زمن الصخبِ والضجيج، وتملأ حقيبة سفرها بكتبها الورقيّة وكأنها مُتَّجِهة إلى مدينةٍ لم تكْتشف القراءة ولم تخترع الكتب بعد..
ومازلت تلك الغجريّة الممتلئة بالأساطيرِ وبالخرافاتِ، التي تتجوَّل في طرقاتِ الحكايات المستحيلة، وتبيع أطواق الوهم للعشاقِ..
مازلت ياسيدي تلك الواهمة التي تصدق أن الخُطوط في فناجين القهوة علامات سفر طويل، وأن الدوائر التي تخلفها بقايا القهوة في قاعِ الفناجين تعني أن متاهاتنا بِلا انتهاءٍ..
ومازلت تلك النهمة لقوالِبِ الشوكولاتة، فأتناول عند الغضبِ كميات مُذْهِلة منها، وأشعر أنها الصديقة الأقْرب لي عند الحزن..
ومازلت تلك العاشقة لأفلامِ الأبيض والأسود، أفرح للنهاياتِ السعيدة، وتبكيني الأحداث التي تختم بالفراقِ، وأؤمن بأن الألوان أحياناً قد تشوه في حياتنا الكثير..
ومازلت أشوّه الكتب بتلوّينِ تلك الفِقْرات التي تثير دهْشتي، وأود تسْريبها إليك كرسالةٍ خاصة، على الرَغْمِ من يقيني أنك لن تسْتعير مني الكتاب كي تقرأه..
ومازلت أتألم في مواقف الوداع، وأهتزُّ أمام الأنباء الحزينة، على الرغمِ من كلِّ تلك التَدْريبات التي درَّبت روحي عليها كي تبْقى صامِدة أمام تَقَلُّبات الأيّام..


قبل النهايةِ بقليلٍ:
كل تلك العَفويّة التي كانت معك، تحوَّلت مع مرورِ الوقت إلى مجموعةٍ من الأسرارِ الخاصة..

مقالات اخرى للكاتب

X