مدونات سيدتي /مقالات

طفولة داخليّة

على الرَغْمِ من كلِّ زخارفنا الخارجيّة والمساحات المُلَوَّنة التي قد تلْتصق بنا وتلوننا ظاهريّاً، إلاّ أن أغْلَبنا لازال يحتفظ في داخلهِ بمساحةٍ بيضاء يُقيم فيها طفلاً صغيراً، أو رُبَّما مَجْموعة من الأطفالِ الأنقياء..

فبينما نحن نكْبر وتتغيّر ملامح وجوهنا وأجسادنا، حرصنا على عدم التخلي عن الطفولةِ في دواخِلنا، على الَرغْمِ من كل ما مر بنا من سنواتٍ بكلِّ تياراتها ورياحها وتقلُّباتها، وعلى الرَغْمِ من كلِّ الأرقامِ التي تتغيّر كُلّ عامٍ في أوراقنا الرسميّة، وعلى الرَغْمِ من كلِّ النضجِ الذي نبدو عليه أمام الآخرين، وعلى الرَغْمِ من قاماتنا التي أصبحت أكثر طولاً، وعلى الرَغْمِ من حواراتنا التي نضجت كثيراً، وعلى الرَغْمِ من أحلامنا التي اضْطُرِرْنا للتخلي عنها، وعلى الرَغْمِ من أمانينا التي أطلقنا سراحها من قلوبنا، وعلى الرَغْمِ من تلك المبادئ التي أخْفيناها خوفاً عليها، وعلى الرَغْمِ من الشرِ الذي اعْتَرَضَ طريق أرواحنا، وعلى الرَغْمِ من السيِّئين الذين اضطُرِرْنا للتعاملِ معهم، وعلى الرَغْمِ من غَدْرِ الذين وثقنا بهم، وعلى الرَغْمِ من تكرارِ السقوط وتكرار الخذلان وتكرار الخيْبات التي أهداها إلينا الآخرون..

نعم.. نحن تمسَّكنا بطفولتنا الداخليّة على الرَغْمِ من أشياء كثيرة، فالكثير من الطُقوسِ التي نمارسها بين فترةٍ وأخرى هي عبارة عن تصرفاتٍ طفوليّة، فوقوفنا أمام رَفٍّ للعبِ الأطفالِ طفولة، وابْتِساماتنا لذكرى عابرة طفولة، وانْجِذابنا للألوانِ ولكراسةِ الرسم طفولة، وفرحتنا عند مشاهدةِ أفلام الكرتون طفولة، وضحكنا عند رؤيةِ صورنا القديمة طفولة، واستعمالنا للمُلْصَقاتِ في محادثاتنا الإلكترونيّةِ طفولة، وغضبنا لأتفه الأسباب طفولة، وعنادنا في مواقف لاتستحق الوقوف طفولة، وفرحتنا عند رُؤْيةِ المراجيح طفولة، وحنيننا للقواربِ وللطائراتِ الورقيّةِ طفولة، وبناء منازل الرمال على الشواطِئِ طفولة، والبكاء عند الاخْتِناقِ طفولة، واحتفاظنا بدفاتر ورقيّةٍ طفولة، وغُرفنا المُبَعْثرة طفولة، وألعابنا التي لم نتخلَّص منها طفولة، وسرعة نسياننا للإساءةِ طفولة، والقراءة تحت أغْطِيةِ الأَسِرّةِ طفولة، وتفاصيلنا النقيّة التي تثير دَهْشة الآخرين طفولة، وعفويّتنا التي عجزنا عن التخلي عنها برغْمِ كلِّ الدروسِ القاسيّة التي لقنتنا إياها الحياة.. طفولة.

قَبْلَ النهايةِ بقليلٍ:

لاتسمح لذلك الطفل المقيم في داخلك أن يكْبر.. كي لا تشعر بوهْنِ العمرِ سريعاً.

أضف تعليقا

مقالات اخرى للكاتب

X