هنا، في قريةِ جيفرني Giverny بمنطقةِ النورماندي في الريفِ الفرنسي الجميل، وُلِدَ الجزءُ الأكبر من إرثِ الرسَّامِ كلود مونيه Claude Monet البصري. فبين زنابقِ الماء، والجسرِ الياباني، والممرَّاتِ الغارقةِ بالأزهار، رسمَ الفنَّانُ لوحاتٍ، أصبحت مرادفةً للانطباعيَّةِ، ولشعريَّةِ الضوء. وفي قلبِ القريةِ حيث يبدو الضوءُ أكثر نعومةً، والطبيعةُ أكثر قرباً من الحلم، زارت «سيدتي» المنزلَ الذي عاشَ فيه مونيه، والحديقةَ التي لم تكن مجرَّد مساحةٍ خضراء، بل كانت عالماً صنعه الرسَّامُ بيديه قبل أن يُحوِّله إلى لوحاتٍ خالدةٍ، تُعدُّ اليوم من أهمِّ وأجملِ أعماله الفنيَّة.

كلود مونيه غيَّر شكل الفنّ الحديث

وُلِدَ الرسَّامُ الفرنسي Claude Monet في باريس عامَ 1840، وكبر بين البحرِ والضوءِ في مدينةِ لوهافر Le Havre حيث بدأت عيناه تُلاحقان تبدُّلاتِ الطبيعة، وانعكاساتِ السماءِ على الماء، ثم تالياً، قاده الرسَّامُ Eugène Boudin إلى الرسمِ في الهواءِ الطلق، فصار الضوءُ ملهمَه الأوَّل. وفي 1872 رسمَ مونيه لوحتَه الشهيرة “Impression, Soleil Levant التي منحت الحركةَ الانطباعيَّةَ اسمها، وبعد انتقاله إلى جيفرني عامَ 1883، صنع حديقتَه الخاصَّةَ التي تحوَّلت إلى عالمٍ يفيضُ بالزنابقِ، والجسورِ، والألوانِ الحالمة.
وعلى الرغمِ من معاناته من ضعفِ النظر في أعوامه الأخيرة إلا أن كلود واصلَ الرسمَ حتى رحيله عامَ 1926 تاركاً إرثاً غيَّر شكلَ الفنِّ الحديث.
إليك كيف يمكنك فهم الرموز المخفية في اللوحات الفنية؟

«حديقة مونيه الشهيرة في جيفرني لم تكن موجودة قبل أن يحلم بها»

متحف حي

في 1883 كان مونيه قد بلغ عامَه الـ 42. كان متعباً من صخبِ باريس، ويبحثُ عن مكانٍ هادئ، تغمره الشمسُ والسكينة، ووجدَ ما يُريد بقريةِ جيفرني في النورماندي، إذ اهتدى إلى منزلٍ تُحيط به بساتينُ تفاحٍ عاديَّةٌ، ودون ملامحَ استثنائيَّةٍ، لكنَّ الفنَّان كان يرى ما لا يراه الآخرون. كان يحلمُ بحديقةٍ تُشبه لوحةً حيَّةً، تتبدَّلُ ألوانها مع تبدُّلِ الضوءِ والفصول، ولأجلِ ذلك، أمضى أعواماً يزرعُ السوسنَ، وأشجارَ الصفصاف حتى إنه غيَّر مجرى نهرٍ صغيرٍ، ليصنعَ بركةً مائيَّةً تعكسُ السماء. هناك زرعَ زنابقَ الماءِ الشهيرة الـ Nénuphars التي ستُصبح لاحقاً إحدى أعظمِ أيقوناتِ الفن. ومنذ عامِ 1899 توقَّف مونيه تقريباً عن السفرِ بحثاً عن موضوعاتٍ جديدةٍ للرسم. لقد أصبحت حديقتُه عالمَه الكامل. كان يرسمها مراراً وتكراراً، كان يرسمها عند الفجرِ، وفي الظهيرةِ، ولدى انطفاءِ الضوء، وكأنَّ الزمنَ نفسه يتحوَّلُ فوق سطحِ الماءِ إلى لونٍ بحدِّ ذاته! وفي أعوامه الأخيرة، ومع أن العتمةَ بدأت تزحفُ إلى عينَيه، وكاد يفقدُ بصره، لكنَّ مونيه لم يتوقَّف عن الرسم. كان يرسمُ حديقتَه من الذاكرة، ومن إحساسه العميقِ بها، وكأنَّ الألوانَ أصبحت تسكنُ داخله لا أمامه.
مونيه ومايو.. علاقة مميزة
ترتبطُ علاقةُ Claude Monet بشهرِ مايو بخيوطٍ عميقةٍ من الضوءِ، والطبيعةِ، والبداياتِ الجديدة، بل إن هذا الشهرَ يبدو وكأنَّه الفصلُ الأقرب إلى روحه الفنيَّة، فالربيعُ فيه لم يكن مجرَّد موسمٍ عابرٍ بالنسبةِ إليه، بل كان لحظةَ اكتمالٍ بصري، تتفتَّحُ فيها الألوان، وتتنفَّسُ اللوحات.
لقد كان مايو الشهرَ الذي تتعانقُ فيه الشمسُ مع الحقول، وتُصبح الطبيعةُ مرآةً لحساسيَّته المرهفةِ بوصفه رسَّاماً يبحثُ عن التقاطِ ما لا يُرى من ارتجافةِ الضوء، وتحوُّلاتِ الهواء، وهمساتِ الزهور.
ووسطَ هذا المشهدِ الساحر تتكشَّفُ العلاقةُ العميقةُ التي جمعت مونيه بمايو تحديداً حيث تبلغُ الطبيعةُ ذروةَ جمالها، ويُصبح الضوءُ أكثر حياةً وشفافيَّةً. في هذا الشهرِ كانت حديقةُ مونيه تبدو كما لو أنها لوحةٌ تتحرَّك ببطءٍ أمام عينَيه بألوانٍ أكثر دفئاً، وسماءٍ أكثر شاعريَّةً، وكأنَّ الطبيعةَ نفسها كانت تمنحه لحظاته الفنيَّةَ الأكثر صفاءً. حكايةٌ جميلةٌ بين الرسَّامِ والربيع، بين العين التي ترى، والطبيعةِ التي لا تتوقَّفُ عن الإلهام، بدأت فصولها في 3 مايو 1883 حين وقَّع Monet عقدَ استئجارِ منزله وحديقته في Giverny، المكان الذي لم يتحوَّل فقط إلى مسكنه، بل إلى عالمه الكامل: إلى مرسمه المفتوحِ، وحديقته الحيَّة، وملهمته الكبرى طوالَ 40 عاماً. هناك، بين الممرَّاتِ المزروعة، والبركِ المائيَّة، والزهورِ المتفتِّحة، بدأت أكثر فصوله الفنيَّةِ خلوداً. كان مايو في Giverny ذروةَ الازدهارِ البصري: بساتينُ تتفتَّحُ مثل قصائدَ بيضاءَ وورديَّةٍ، وحقولٌ تتلألأ بأزهارِ السوسن تحت سماءِ النورماندي الرطبة. هذه المَشاهِدُ لم تكن بالنسبةِ إلى مونيه مجرَّد مناظرَ طبيعيَّةٍ، لقد كانت لحظاتٍ عابرةً، يُسابق الزمنَ لاحتجازها فوق قماشٍ بروحِ المدرسةِ الانطباعيَّةِ التي جعلت الضوءَ بطلاً أساسياً في أعماله. وفي مايو من عامِ 1888، عاد مونيه من رحلته إلى أنتيب Antibes بعد أربعةِ أشهرٍ أمضاها أمامَ ضوءِ البحرِ الأبيض المتوسط محمَّلاً بعشراتِ اللوحاتِ التي التقطَ فيها انعكاساتِ الساحل، ودفء الجنوبِ الفرنسي، وكأنَّ هذا الشهرَ كان دائماً موعدَ عودته إلى ذروةِ الإلهام. وحتى في الزمنِ المعاصر، ظلَّ اسمُ مونيه مرتبطاً بمايو، ففي منتصفه من عامِ 2019 حقَّقت لوحتُه الشهيرة Meules رقماً قياسياً في مزادٍ بوصولها إلى 85 مليونَ جنيهٍ إسترليني، وهذا تأكيدٌ جديدٌ على أن الضوءَ الذي رسمَه كلود قبل أكثر من قرنٍ، ما زالَ يُدهِش العالم. لقد آمن مونيه بأن الطبيعةَ كائنٌ حي يتغيَّرُ كلَّ ثانيةٍ، وأن مهمَّةَ الفنَّانِ ليست رسمَ الأشياء، بل رسم أثرِ الضوءِ عليها، لذا كرَّس حياته لمراقبةِ تبدُّلاتِ الفصول، وكان الربيعُ، خاصَّةً في مايو، ذروةَ هذا السحرِ البصري. وقد ذكر كلود مونيه يوماً، أن الزهورَ كانت من أهمِّ أسبابِ شغفه بالرسم، لذا صمَّم حديقتَه في جيفرني كما لو أنها لوحةٌ حيَّةٌ، ومساحةٌ يمكن أن تُرسَم إلى ما لا نهاية، وتظلَّ، مع ذلك، متجدِّدةً كالفجرِ الأوَّل.
تابعي أيضًا الانطباعية ... الرغبة في التقاط العالم من حولك!



«لم يكتفِ مونيه برسم حديقته، بل زرعها أولاً، ثم جعلها لوحةً مفتوحةً على الفصول»

كلود مونيه مصدر إلهام في عالمَي الموضة والمجوهرات
لطالما شكَّلَ الرسَّامُ الفرنسي كلود مونيه Claude Monet مصدرَ إلهامٍ في عالمَي الموضةِ والمجوهرات، إذ انسابت بصمته بهدوءٍ داخلَ الأقمشةِ والمجوهرات، وكأنَّ لوحاته خرجت من إطارها، لتسيرَ على السجَّادةِ الحمراء تحت أضواءِ الكاميرات. وفي أمسيةِ Met Gala العامَ الجاري، التي احتفلت بثيمةِ Fashion is Art، تحوَّلت سلسلةُ أعمالِ مونيه «زنابقُ الماءWater Lilies» إلى مصدرِ إلهامٍ بصري، طغى على عددٍ من الإطلالاتِ الحالمة حيث ظهرت كلٌّ من النجماتِ جيسو Jisoo، وأليكسا تشونج Alexa Chung، وسانداي روز Sunday Rose بإبداعاتٍ، استحضرت زنابقَ مونيه المائيَّة مصوَّرةً في التطريزاتِ، والخرزِ، والطبقاتِ الشفَّافة التي بدت وكأنَّها انعكاسُ ضوءٍ فوقَ بركةٍ ساكنةٍ. ولم يتوقَّف تأثيرُ مونيه عند الأزياءِ فقط، بل وامتدَّ أيضاً إلى عالمِ المجوهرات، إذ تحوَّلت لوحاته إلى قطعٍ فنيَّةٍ، زيَّنت الإطلالات، فالمصمِّمةُ آنا هو Anna Hu استلهمت إحدى قلاداتها من لوحاتِ Water Lilies مستعيدةً الحديقةَ التي ابتكرها الفنَّانُ بنفسه في جيفرني Giverny، ليزرعَ فيها زنابقه قبل أن يُخلِّدها على القماش. أمَّا دار بوتشيلاتي Buccellati، فترجمت أمواجَ لوحة Storm off the Belle-Ile Coastإلى أقراطٍ تنبضُ بحركةِ البحر وقوَّةِ الريح. وفي روسيا، قدَّم الفنَّانُ إلجيز فازولزيانوف Ilgiz Fazulzyanov خواتمَ مطليَّةً بمينا ساخنةٍ، تُحاكي انعكاساتِ الماءِ والزهورِ في أعمالِ مونيه، بينما أعادت ساعةُ Reverso Tribute Enamel Monet The Doge’s Palace من جيجر-لوكولتر Jaeger-LeCoultre إحياءَ سحرِ مدينةِ البندقيَّةِ الإيطاليَّة التي أسرته أواخرَ حياته. هناك، بين الضوءِ، والماءِ، والهندسةِ الحالمة، رسمَ مونيه أكثر من 37 لوحةً خلال عشرةِ أسابيعَ فقط، ليترك أثراً لا يزالُ حتى اليوم ينعكسُ على الموضةِ والمجوهراتِ مثل قصيدةٍ بصريَّةٍ لا تنتهي.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط







Google News