لم تكن السينما عند ستيفن سبيلبرغ يوماً مجرد وسيلة للهروب من الواقع، بل كانت دائماً أداة لتفكيكه وإعادة قراءته بعين الطفل الذي لم يفقد دهشته، وبوعي الفنان الذي يعرف أن الخيال لا يبتعد عن الإنسان بقدر ما يعيده إلى جوهره.
في فيلمه الجديد Disclosure Day (يوم الإفصاح)، أول أعماله منذ فيلمه الذاتي الحميمي The Fabelmans عام 2022، يثبت سبيلبرغ أن الشغف السينمائي والحيوية الإبداعية لا يرتبطان بالعمر، بل قد يزدادان نضجاً وعمقاً مع الزمن. نحن أمام عمل دسم ومحكم، يأتي في لحظة نميل فيها جميعاً إلى العزلة والانغلاق داخل همومنا الخاصة، ليستخدم المخرج كل سطوته البصرية والعاطفية في دفعنا إلى رفع رؤوسنا؛ لا لمراقبة السماء وحدها، بل للنظر في عيون بعضنا البعض، والاستماع حقاً إلى ما يقوله الآخرون.
ومن هنا تأتي الكلمة الأخيرة التي يختتم بها الفيلم، كلمة واحدة تختصر كل شيء: “اسمعوا”.
الكاميرا ترصد البشر أولاً
يغوص الفيلم في أسئلة أخلاقية وإنسانية كبرى: ماذا لو انشقت السماء غداً وتجلت الحقيقة المطلقة؟ ماذا لو اختفى الغموض الكوني فجأة، ووجد الإنسان نفسه أمام إجابة نهائية لما ظل يخشاه ويتخيله وينكره لعقود؟ والأهم: كيف سينعكس هذا الانكشاف على علاقتنا ببعضنا البعض؟
تنطلق الفكرة من هوس قديم ومتجدد لدى سبيلبرغ بعلاقة الإنسان بالمجهول، مستلهمة هذه المرة من التقارير الرسمية الحديثة حول الظواهر الجوية والطائرة غير المفسرة، وإن ظل المخرج منحازاً وجدانياً للمصطلح الكلاسيكي الذي شكّل خياله السينمائي منذ عقود: الأطباق الطائرة.
ضمن إطار زمني مكثف وحبكة مشدودة، يتتبع الفيلم رحلة خبيرة أحوال جوية تُدعى مارغريت، ومختص في نظريات المؤامرة يُدعى دانيال كيلنر، ينطلقان معاً في سباق محموم لكشف الحقيقة قبل أن تتحول المعرفة نفسها إلى سلاح.

هذا النطاق المكثف لا يخنق الفيلم، بل يمنحه تركيزاً يسمح له باستكشاف أفكاره الوجودية. فالنظر إلى الخارج، نحو السماء والفضاء والمجهول، يتحول عند سبيلبرغ إلى انعكاس عميق للنظر إلى الداخل: إلى خوفنا، هشاشتنا، غرورنا، وحاجتنا الدائمة إلى التواصل.
ورغم المؤثرات الخاصة المتقنة والتصوير السينمائي الرفيع ليانوش كامينسكي، لا تنسى عدسة سبيلبرغ جوهرها الإنساني. الكاميرا هنا لا تنبهر بالحدث وحده، بل تفتش أولاً عن أثره على الوجوه. ما يهم سبيلبرغ ليس فقط ما يظهر في السماء، بل ما يحدث داخل الإنسان لحظة رؤيته لما لا يستطيع تفسيره.
قد يهمك قراءة.. «Disclosure Day».. عودة ستيفن سبيلبرج المدوية إلى الخيال العلمي تشعل هوليود
عبقرية التفاصيل ولحظات تحبس الأنفاس
إخراجياً، يقدم سبيلبرغ درساً في بناء التوتر النفسي دون افتعال، مستعيداً شيئاً من حيوية مغامراته الكبرى، لكن بنبرة أكثر نضجاً وتأملاً. مشاهد الحركة هنا تكاد تنطق إبداعاً، خصوصاً مطاردة القطار المذهلة، ومشهد اختراق السيارة للمنزل، وهما من اللحظات التي تؤكد أن سبيلبرغ لا يزال يمتلك قدرة نادرة على تحويل الحركة إلى لغة سينمائية صافية، لا مجرد استعراض تقني.
لكن المفارقة أن الذروة الحقيقية للإخراج لا تأتي فقط من المشاهد الصاخبة، بل من اللحظات الهادئة.
اللقاء المشحون بين كولين فيرث وإيف هيوسون في المنزل الريفي يمثل إحدى أكثر لحظات الفيلم توتراً وتأثيراً. قوته لا تنبع من الحوار، بل من تفصيلة بصرية صغيرة وشديدة الدقة، تجعل المشاهد يدرك في جزء من الثانية ما إذا كانت الشخصية تتصرف بإرادتها الحرة أم أنها واقعة تحت سيطرة مطلقة.
هنا تظهر عبقرية سبيلبرغ في أن الرعب الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى انفجار أو صراخ. أحياناً يكفي أن تتغير نظرة، أو تتأخر حركة، أو تنحرف ابتسامة عن معناها الطبيعي، حتى ينقلب المشهد كله إلى كابوس صامت.
هذا المشهد، إلى جانب مشهد التكشف المهيب قرب النهاية، يجعلان الفيلم تجربة بصرية شديدة الثراء، لكنها لا تفقد أبداً بوصلتها العاطفية.

تضحيات منطقية من أجل الإيقاع
يمتد الفيلم لساعتين ونصف تقريباً، لكنه يتحرك بإيقاع منضبط ومشدود، فلا يترك مساحة حقيقية للملل. ومع ذلك، ومن باب الإنصاف النقدي، لا يمكن تجاهل أن هذا الإيقاع اللاهث يخنق أحياناً بعض الشخصيات، خصوصاً في النصف الثاني، حيث تصبح الحاجة إلى دفع الأحداث للأمام أقوى من منح بعض العلاقات حقها الكامل من التطور النفسي.
كذلك يلجأ السيناريو في مواضع محدودة إلى حلول درامية مريحة نسبياً، تتجاوز المنطق الصارم من أجل الحفاظ على سرعة السرد وتصعيد التوتر. هناك لحظات تشعر فيها أن الفيلم يطلب من المشاهد أن ينساق مع الحالة الشعورية أكثر مما يطالبه بتفكيك كل خطوة منطقياً.
لكن هل يفسد ذلك التجربة؟ إطلاقاً.
هذه الهنات تظل محدودة أمام قوة العالم الذي يبنيه سبيلبرغ، وصدق العاطفة التي تحركه. فالفيلم لا ينتصر لأنه محكم على مستوى الحبكة فقط، بل لأنه يعرف بالضبط ما يريد أن يتركه داخل المشاهد: رغبة في كسر الحواجز، ومواجهة الخوف، والاعتراف بأن المجهول لا يصبح أقل رعباً إلا حين نتوقف عن مواجهته فرادى.

أداءات تمثيلية لافتة
تمثيلياً، تقدم إيميلي بلانت واحداً من أكثر أدوارها نضجاً واتزاناً. أداؤها في شخصية مارغريت يتحرك على خيط رفيع بين الارتباك والبهجة والذعر والكوميديا السوداء، دون أن تفقد الشخصية إنسانيتها أو تتحول إلى مجرد أداة داخل حبكة خيال علمي.
بلانت تفهم جيداً أن الشخصية لا تواجه ظاهرة كونية فحسب، بل تواجه نفسها أيضاً: ما تعرفه، ما تنكره، وما تخاف أن تصدقه.
جوش أوكونور وإيف هيوسون يقدمان أداءين نابضين بالصدق، ويساعدان في دفع الحبكة إلى الأمام بطاقة إنسانية واضحة. أما كولين فيرث، فرغم أن حضوره لا يعتمد على المساحة بقدر ما يعتمد على الثقل، فإنه يمنح الفيلم وزناً درامياً خاصاً، ويجسد شخصية الخصم برزانة مهيبة تجعل الخطر أكثر برودة وقلقاً.
ورغم أن بعض الشخصيات الثانوية لم تحصل على المساحة السردية الكافية، فإن الأداء الجماعي يظل أحد مصادر قوة الفيلم، لأنه يمنح لحظاته الكبرى جذوراً إنسانية لا تسمح لها بالتحول إلى مجرد استعراض بصري.

حضور مبكر في موسم الجوائز
من المبكر بالطبع حسم موقع الفيلم في موسم الجوائز المقبل، خصوصاً مع انتظار أعمال كبرى أخرى خلال العام، لكن من الصعب تخيل أن يمر Disclosure Day دون حضور واضح في النقاشات النقدية والسينمائية.
الفيلم يملك كل ما يجعله رقماً صعباً: إخراج كبير، بناء بصري شديد الإحكام، أداء مركزي قوي من إيميلي بلانت، موسيقى وصورة ومؤثرات تعمل كلها في خدمة التجربة لا على حسابها.
لن يكون مفاجئاً أن نراه منافساً في فئات مثل الإخراج، التمثيل، التصوير، الموسيقى، المؤثرات البصرية، وربما أفضل فيلم، إذا حافظ على زخمه النقدي والجماهيري حتى موسم الجوائز.
التقييم النهائي لفيلم Disclosure Day: (4 من 5)
Disclosure Day ليس مجرد فيلم خيال علمي عن الأطباق الطائرة أو انكشاف حقيقة كونية مؤجلة. إنه عودة حميمية إلى طفولة مخرج لا يزال ينظر إلى النجوم بعين الدهشة، لكنه هذه المرة لا يطلب منا أن نكتفي بالنظر إلى السماء.
بل يطلب منا أن ننظر إلى بعضنا البعض، أن نقترب، أن نكسر عزلتنا، وأن نتعلم، وأن نسمع، وأن نُعيد التفكير طويلاً، بعد الخروج من صالة العرض.
تابعي المزيد.. مراجعة فيلم Sinners .. عمل سينمائي استثنائي أم ظاهرة أوسكارية مبالغ فيها؟
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»

Google News