خطف فيلم الموسيقى والإثارة الأمريكي Sinners الأنظار، بعدما أصبح صاحب أكبر عدد من الترشيحات في تاريخ جوائز الأوسكار، بحصوله على 16 ترشيحًا، محققًا رقمًا قياسيًا صمد لسنوات طويلة، وكانت تتقاسمه أفلام All About Eve وTitanic وLa La Land بـ14 ترشيحًا لكل منها.
ومع هذا الزخم غير المسبوق، يفرض السؤال نفسه: هل نحن أمام فيلم يستحق هذا الاحتفاء العالمي فعلًا، أم أمام ظاهرة أوسكارية بالغت الأكاديمية في تقديرها؟
اكتساح موسم الجوائز
نجح Sinners في فرض حضوره مبكرًا على ساحة المنافسة، رغم طرحه في شهر أبريل، وهو توقيت بعيد نسبيًا عن موسم الجوائز المعتاد. ورغم صدور أفلام قوية لاحقًا راهنت على توقيت الجوائز، ظل الفيلم حاضرًا بقوة في الذاكرة السينمائية، ليس فقط بفضل الضجة الإعلامية، بل بالأرقام أيضًا، إذ حصد حتى الآن 222 جائزة و445 ترشيحًا، خلال أقل من عام على عرضه.
الفيلم هو عمل أصلي بالكامل، بميزانية ضخمة بلغت نحو 90 مليون دولار، من إخراج رايان كوغلر، الذي يخوض هنا واحدة من أكثر مغامراته طموحًا. مغامرة لم تتوقف عند حدود الفكرة، بل امتدت إلى الإنتاج نفسه، بعدما تحمّل كوغلر جزءًا من التكلفة الزائدة، إيمانًا منه بالفيلم. الرهان نجح جماهيريًا، بعدما تجاوزت إيراداته العالمية 360 مليون دولار، ليصبح أحد أنجح الأفلام الأصلية في السنوات الأخيرة، دون الاستناد إلى قصص مصورة أو أجزاء سابقة.
لكن بعيدًا عن الأرقام، يبقى السؤال الأهم: ماذا عن الفيلم نفسه؟
قصة فيلم Sinners
تدور أحداث فيلم Sinners في جنوب الولايات المتحدة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديدًا على مدار يوم واحد فقط. يبدأ الفيلم بمشهد غامض يوحي بأن شيئًا مروّعًا قد وقع، قبل أن يعود بالزمن 24 ساعة إلى الوراء ليروي كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة.
القصة تتبع توأمين يعودان إلى بلدتهما الصغيرة بعد سنوات من الغياب، حاملين معهما حلمًا ببدء حياة جديدة. يقرران افتتاح نادٍ موسيقي بسيط يكون مساحة للغناء والرقص والفرح، ومتنفسًا لأهالي البلدة الذين يعيشون تحت ضغوط قاسية. إلى جانبهما يظهر سامي، الشاب الموسيقي الموهوب، الذي تصبح موسيقاه عنصرًا أساسيًا في نجاح المكان وروحه.
في ساعته الأولى، يبدو الفيلم كدراما اجتماعية موسيقية تهتم ببناء الشخصيات والعلاقات، وتُبرز أهمية الموسيقى كوسيلة للتعبير والهوية. لكن مع تقدم الأحداث، يبدأ الخطر في الاقتراب تدريجيًا، إلى أن يظهر عنصر غير متوقع يغيّر مسار القصة بالكامل: مجموعة من مصاصي الدماء الذين يسعون إلى اقتحام هذا العالم الصغير والسيطرة عليه.
وجود مصاصي الدماء لا يأتي كعنصر رعب تقليدي فقط، بل كتهديد خارجي يكشف هشاشة الحلم الذي بناه الأبطال، ويحوّل ليلة الافتتاح إلى صراع للبقاء. من هنا، ينتقل الفيلم إلى مواجهة دموية تختلط فيها الموسيقى بالعنف، ويتحوّل النضال من أجل النجاح إلى معركة من أجل الحياة.
بين الرعب والموسيقى، وبين الحلم والخطر، يطرح الفيلم أسئلة عن الحرية، والانتماء، وحدود المساحات الآمنة، مستخدمًا مصاصي الدماء كرمز لقوة غريبة تحاول اقتحام عالم لا تنتمي إليه. والنتيجة قصة تبدأ بهدوء، وتتصاعد تدريجيًا، قبل أن تنفجر في نصفها الثاني، تاركة المشاهد بين الإعجاب بالرحلة... والتساؤل حول وجهتها النهائية.
أداء بديع من مايكل بي جوردن
على مستوى التمثيل، يجسّد مايكل بي جوردن دور توأمين يبدوان متشابهين ظاهريًا لكنهما مختلفان جوهريًا: أحدهما عملي وحاد، يرى النادي الموسيقي كوسيلة للهروب وبناء مستقبل آمن، والآخر أكثر اندفاعًا وحلمًا، يتعامل مع الموسيقى كفعل مقاومة وهوية. هذا الانقسام يمنح الصراع بعدًا إنسانيًا أعمق، ويحوّل المواجهة مع الخطر إلى اختبار لاختلاف الرؤى بقدر ما هو صراع من أجل البقاء.
جوردن يقدم أداءً ناضجًا ومركّبًا، يعتمد على التفاصيل الدقيقة أكثر من الاستعراض، ويمنح الشخصية وزنًا إنسانيًا واضحًا وسط الفوضى، ما منحه ترشيحًا ثابتًا لجائزة أفضل ممثل رئيسي ضمن كل منافسات الجوائز السينمائية المرموقة لهذا العام.
إبهار بصري وصوتي... بلا منازع
إذا كان هناك إجماع حول Sinners، فهو أن الفيلم مبهر على مستوى شريط الصوت والصورة بشكل مميز.
الكاميرا، الإضاءة، تصميم الأماكن، والملابس، كلها تعمل معًا لخلق عالم محسوس ودافئ، تشعر فيه بحرارة المكان وتفاصيله.
أما الموسيقى، فهي السلاح الأقوى بلا جدال. ليست مجرد خلفية، بل عنصر أساسي في السرد، محرّك للأحداث، ووسيلة للتعبير عن الصراع الداخلي للشخصيات. تصميم الصوت والمزج يمنحان المشاهد تجربة حسية كثيفة، تجعل بعض المشاهد عالقة في الذاكرة طويلًا، حتى لو نسيت تفاصيل الحوار.
أجمل لحظات الفيلم.. I Lied to You
من أجمل ما يقدمه الفيلم موسيقيًا تلك اللحظة التي تتصدرها أغنية I Lied to You، من تأليف رافاييل سعديق ولودفيغ غورانسون، وهي الأغنية التي دخلت بدورها موسم الجوائز بترشيحات بارزة، من بينها الأوسكار والجولدن جلوب. لكن قيمة الأغنية لا تكمن في أسماء صانعيها أو في ترشيحاتها فقط، بل في كيفية توظيفها داخل الفيلم: مشهدها يأتي كذروة إخراجية على المستوى البصري والصوتي والاستعراضي، وفي الوقت نفسه يحمل شحنة عاطفية صافية، كأنه يلخص روح Sinners في دقائق قليلة. هنا يصبح الغناء جزءًا من الحكاية، وتصبح الموسيقى هي اللغة التي تقول ما تعجز عنه الشخصيات.
في لحظاته الأفضل، يبدو الفيلم وكأنه يعرف تمامًا كيف يصنع مشهدًا سينمائيًا متكاملًا، يُشاهد ويُسمع ويُحسّ في آن واحد.
حبكة فيلم Sinners.. مشكلات واضحة
رغم هذا الإبهار، ظل الجانب السردي نقطة الخلاف الكبرى. الفيلم يحاول الجمع بين أكثر من مسار ونوع، ما يمنحه ثراءً من جهة، لكنه يُربك تماسكه من جهة أخرى. الحبكة تتشعب، والخيوط تتكاثر، ومع الاقتراب من النهاية يصبح الاتجاه أقل وضوحًا.
أفكار الفيلم كثيرة ومتشابكة، وربما أكثر من طاقته السردية. يتقاطع فيه الحديث عن التاريخ، والهوية، والانتماء، والحرية، والعائلة، وقوة الموسيقى كوسيلة للحفاظ على الذاكرة. كل هذه الخيوط تلتقي عند شخصية سامي، الشاب الموسيقي الذي يصبح محورًا غير معلن للأحداث. موسيقاه ليست مجرد موهبة، بل جسر يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الفيلم بعضًا من أكثر لحظاته تأثيرًا.
هل يستحق Sinners ستة عشر ترشحًا للأوسكار؟
Sinners فيلم ممتع، جريء، ومختلف، ينجح في الإبهار ويترك أثرًا واضحًا. قد لا يكون محكمًا على مستوى القصة والكتابة كما يوحي حجمه وضجيجه، لكنه يظل تجربة سينمائية قوية، تستحق المشاهدة والنقاش.
شخصيًا أرى أن الفيلم يستحق الاحتفاء النقدي والجماهيري، لكني في الوقت نفسه أقف أمام السؤال الكبير، هل يستحق Sinners أن ينال 16 ترشيحًا للأوسكار؟ صراحةً، أعتقد أن الأمر مبالغ فيه قليلًا.
التقييم النهائي لفيلم Sinners: (3.5 من 5)
تجربة سمعية وبصرية لافتة، ولحظات سينمائية مدهشة، مقابل قصة أقل إحكامًا ونهاية مترددة. والنتيجة فيلم يستحق المشاهدة، حتى لو لم يُقنعك بالكامل.
تابعي المزيد.. مراجعة فيلم هامنت (Hamnet)
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»





