mena-gmtdmp

مراجعة فيلم هامنت (Hamnet): تجربة شعرية تعيد تشكيل فهمنا للألم… وللفن

لقطة شاشة من فيلم هامنت

هناك أفلام تشاهدها، وأفلام أخرى تدخل معك في حالة، ثم تتركك مختلفًا قليلًا عمّا كنت عليه قبلها.
«Hamnet» من النوع الثاني.

يركّز «Hamnet» على المسافة التي يتركها الفقد، لا على الفقد ذاته. على الفراغ الذي يظهر في البيت، وفي نظرات الأم، وفي حضور الأب الغائب حتى وهو موجود. ومن هنا تأتي فكرته الأهم: أن الغياب ليس لحظة، بل حالة طويلة، تعيد ترتيب كل شيء بعدها.

القصة: موت ابن... وتحوّل أب

يروي الفيلم حكاية هامنت شكسبير، الابن الوحيد للكاتب الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير، الذي توفي وهو في الحادية عشرة من عمره.

حدثٌ مأساوي غيّر حياة شكسبير، وقلب مساره الفني رأسًا على عقب، وأنتج لنا واحدة من أعظم روايات التاريخ المأساوية: «هاملت».

فبعد وفاة الابن، وبحسب كثير من المؤرخين، تحوّل الكاتب الذي اشتهر بالكوميديا الخفيفة إلى سيد التراجيديا: «هاملت»، «ماكبث»، «عطيل»، «الملك لير»...

وكأن الواقع دفعه قسرًا إلى عالم أكثر ظلامًا، حيث لم تعد الضحكات تكفي لترميم ما انكسر داخله.

الأداء التمثيلي: أم تحاول صدّ الموت... وأب يتحوّل إلى شبح

شخصية زوجة شكسبير وأم «هامنت» في الفيلم أدتها الممثلة Jessie Buckley التي قدّمت—برأيي—أفضل أداء تمثيلي هذا العام بين جميع الممثلين الذكور والإناث على حد سواء.

أداءٌ مذهلٌ في قوّته وعمقه... أمّ تحاول صدّ الموت، ثم تنهار حين تدرك أنها لا تملك إنقاذ ابنها. أداء يستحق كل الجوائز الممكنة. فازت بالغولدن غلوب، وبرأيي، سوف تحمل جائزة الأوسكار في منتصف مارس المقبل بلا أدنى شك.

بول ميسكال، في دور ويليام شكسبير، يقدّم شخصية رجل لم يتعلّم بعد كيف يكون حاضرًا. هو موجود جسديًا، لكنه دائمًا في مكان آخر: في المسرح، في الطموح، في الكتابة.

وعندما يموت الابن في غيابه، يتحوّل هذا الغياب إلى عبء لا يمكن تصحيحه. هنا، يصبح الأب نفسه شبحًا—ليس لأن ابنه يطارده، بل لأنه لم يكن هناك حين كان يجب أن يكون.

الابن هو الشبح: قلب علاقة «هاملت»

واحدة من أكثر أفكار الفيلم تأثيرًا هي قلب العلاقة المعروفة في «هاملت».

في المسرحية، يظهر الأب شبحًا لابنه، أما هنا، فالابن هو الشبح الذي لا يفارق الأب. غياب صغير، لكنه ثقيل بما يكفي ليغيّر مسار حياة كاملة، وربما مسار تاريخ أدبي بأكمله.

لذلك، أعظم ما يقدّمه الفيلم برأيي هو الربط العميق بين موت «هامنت» وولادة «هاملت» التي خلدت اسم «هامنت». والفضل يعود للمخرجة المبدعة Chloé Zhao التي شاركت في كتابة السيناريو رفقة Maggie O’Farrell صاحبة رواية «هامنت».

الصورة والموسيقى: جمال يخدم الألم... وأحيانًا يضغط عليه

فنيًا، يتميّز الفيلم بتصوير شاعري وصوتيات غنية، وإن كان استخدام موسيقى ماكس ريختر—وتحديدًا مقطوعة On the Nature of Daylight—قد يبدو مألوفًا أكثر من اللازم، خاصة لمن ارتبطت لديه هذه الموسيقى بأعمال سابقة.

يعتمد الفيلم على إيقاع بطيء وصورة شاعرية للطبيعة، وهو خيار يخدم حالته العامة، لكنه ليس بلا ثمن.

بعض المشاهد تطول أكثر مما تحتمل، وبعض اللحظات العاطفية—خصوصًا مع الموسيقى—تضغط على الإحساس بدل أن تتركه يتشكّل وحده.

هذه المبالغة قد تُخرج بعض المشاهدين من الحالة بدل أن تُغرقهم فيها.

لكن «Hamnet» يستعيد توازنه في فصله الأخير. هنا، تتضح فكرته دون شرح أو خطاب: الفن لا يعيد من فقدناهم، ولا يشفي الألم، لكنه يمنحه شكلًا يمكن النظر إليه دون أن ينكسر المرء تمامًا.

ما كان حزنًا خاصًا، يتحوّل إلى عمل فني قادر على أن يمسّ غرباء بعد قرون.

«أكون أو لا أكون»: حين يصير السؤال شخصيًا

كل لحظة دفعتني للابتسام خلال مشاهدة الفيلم عادت فكسرتني بعد ثوانٍ.

الفيلم مؤلم... لأنه صادق. جميل... لأنه يعترف بضعف الإنسان أمام الفقد.

وبعد مشاهدته، تعود لقراءة «هاملت» بعيون أخرى: مونولوج «أكون أو لا أكون» لم يعد بحثًا فلسفيًا مجردًا، بل صرخة أبٍ ضائع يفتش عن معنى لموت ابنه: "الموت... ذلك العالم المجهول الذي لا يرجع من تخومه أحد."

عندما يلمّح الفيلم إلى مونولوغ «أكون أو لا أكون»، لا يقدّمه كسؤال فلسفي مجرّد، بل كصوت أبٍ يحاول أن يفهم معنى الموت بعد أن صار شخصيًا. فجأة، لم تعد الكلمات عن الوجود والعدم أفكارًا ذهنية، بل محاولة يائسة لإيجاد معنى لعالم فقد توازنه.

التقييم النهائي: (4.5 من 5)

«Hamnet» ليس فيلمًا كاملًا، لكنه صادق في ألمه، وهادئ في قسوته، ويذكّرك بأن بعض الأعمال لا تُقاس بما ترويه، بل بما تتركه فيك بعد الصمت.

ليس فيلمًا عابرًا... بل تجربة تطرق أبواب الروح مباشرة، وتعيد تشكيل فهمنا للألم... وللفن.

فيلم Hamnet لا يكتفي بأن يُروى أمامك، بل يجذبك إلى عالمه، ويوقظ خوفك من الفقد، ويذكّرك بكل من تحبّهم... وأنه بمجرد تخيّل غيابهم، سوف ينكسر شيء بداخلك إلى الأبد.

Hamnet .. تحفة ملحمية شاعريّة... وألمٌ جميل يستحق المشاهدة.

قد يعجبك: مراجعة فيلم المخطط الفينيقي (The Phoenician Scheme): تحفة بصرية من ويس أندرسون تفتقر إلى الروح
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»