تعزفُ ما تشعرُ به قبل أن تعزفَ ما تسمعه، وتُؤمن بأن الفنَّ الحقيقي هو ما يبقى أصيلاً مهما تبدَّلت الأزمنة. بالنسبةِ إلى العازفةِ السعوديَّةِ رويدا رفا لا تُمثِّل الموسيقى مجرَّد شغفٍ، أو مهارةٍ، بل هي لغةٌ شخصيَّةٌ، تكشفُ ما تعجزُ الكلماتُ عن قوله.. في هذا الحوارِ، تتحدَّثُ رويدا لـ «سيدتي» عن علاقتها بالموسيقى الكلاسيكيَّة، والمحطَّاتِ التي صنعت تجربتَها الفنيَّة، وتكشفُ عن رؤيتها لهويَّةِ الفنَّان، ودورِ الموسيقى في تجاوزِ الحدودِ والثقافات.
رويدا رفه

كيف تصفين شخصيَّتكِ بعيداً عن الموسيقى؟
أؤمنُ بالعمقِ في مختلفِ جوانبِ حياتي، وأجدُ نفسي منجذبةً إلى كلِّ أصيلٍ وعريقٍ، خاصَّةً الفنون التي حافظت على قيمتها عبر الأجيال. أميلُ إلى الأدبَ والفنون، كما أمارسُ رياضةَ السيَّارات بجدّيةٍ، وأجدُ فيها ما يلهمُني ويعكسُ حبّي للدقةِ والتركيزِ وروحِ التحدّي. ولكن الموسيقى تبقى عالمي الحقيقي، الذي تتشكّلُ من خلالِه رؤيتي الإنسانيةُ والفنية.
متى أدركتِ أن البيانو سيكون أكثر من مجرَّد هوايةٍ؟
لا أرى أن كلمةَ «هوايةٍ» تصفُ علاقتي بالموسيقى بدقَّةٍ، فالهوايةُ ترتبطُ عادةً بأوقاتِ الفراغ، بينما كانت الموسيقى حاضرةً في حياتي دائماً. هي جزءٌ من تكويني الشخصي، ورسالةٌ أعبِّر بها عن نفسي، وكلَّما تعمَّقتُ في فهمها، ازدادت علاقتي بها ارتباطاً حتى أصبحت جزءاً أساسياً من هويَّتي.
لماذا الموسيقى الكلاسيكيَّة، وما الذي جذبَكِ إليها تحديداً؟
الكلاسيكيةُ ليست مجرّد ذوقٍ فنّي بالنسبةِ لي، فأنا أميلُ إلى كلِّ ما هو كلاسيكي وعريقٌ. أحبُّ الأعمالَ التي صمدت أمامَ الزمن، وحافظت على قيمتها وجمالها. وفي عالمٍ سريعِ التغيُّر، أجدُ نفسي أقربَ إلى الفنون التي تحملُ رسالةً حقيقيَّةً، وجذوراً راسخة، لذا كانت الموسيقى الكلاسيكيَّة انعكاساً حقيقياً لشخصيتي.
كيف تتعاملين مع رهبةِ المسرح؟
رهبةُ المسرحِ لا تختفي تماماً مهما بلغت خبرةُ الفنَّان، لكنْ ما يُساعدني في تجاوزها، هو النظرُ إلى الجمهورِ بوصفه شريكاً في الرحلة. عندها تتلاشى الرهبةُ، ويتحوّلُ العزفُ إلى لغةٍ مشتركةٍ، تتلاشى فيها كلُّ الحواجزُ أمامَ الانسجامِ الذي تصنعُه الموسيقى.
ما أكثرُ لحظةٍ موسيقيَّةٍ لا تزالُ عالقةً في ذاكرتكِ؟
من أكثر اللحظاتِ تأثيراً تلقِّي مكالمةٍ من قائد الأوركسترا والملحِّن العالمي ويليام روس، الحاصلِ على جائزةِ جرامي، لدعوتي إلى المشاركةِ في أوركسترا، قُدِّمت في السعوديَّة خلال مناسبةٍ وطنيَّةٍ مهمَّةٍ، وهي وضعُ حجرِ الأساسِ في القدية.لم تكن التجربةُ مؤثِّرةً فنياً فقط، بل وإنسانياً أيضاً، إذ تعرَّفتُ على شخصيَّةٍ عالميةٍ تجمعُ بين الاحترافِ والتواضع، دعتني لاحقاً لحضورِ تسجيلِ موسيقى أحدِ الأفلامِ العالميَّة في لندن. وهي دعوةٌ أعتزّ بها كثيراً؛ لأنّها ذكرتني بالرحلةِ التي قطعتُها من شغفٍ شخصيّ بسيطٍ بالموسيقى، إلى عوالمَ لم أتوقّعْ أن أصلَ إليها، وأكّدَت لي أنّ الشغفَ قادرٌ على أن يفتحَ أبواباً لم نخطّطْ لها.
كيف تختلفُ تجربةُ العزفِ المنفردِ عن العزفِ مع الأوركسترا؟
في العزفِ المنفردِ يمتلك الفنَّانُ مساحةً أوسعَ للتعبيرِ عن رؤيته ومشاعره الخاصَّة، بينما يكون التركيزُ في الأوركسترا على خدمةِ العملِ الموسيقي ككل. لكلِّ تجربةٍ جمالها، فالأولى تمنحُ مساحةً للتعبيرِ الفردي، بينما تصنعُ الثانيةُ حكايةً موسيقيَّةً جماعيَّةً.
يمكنك أيضًا التعرف على الموسيقار عمر خيرت

كيف تعكسُ الموسيقى هويَّةَ الإنسانِ وثقافتَه؟
أؤمنُ بأن الصدقَ أساسُ أي تجربةٍ فنيَّةٍ. في المشهدِ الفنّي المعاصرِ، يتّجهُ البعضُ إلى تقديمِ ما يريده الجمهورُ فقط، لكنْ الأهمُّ أن يُحافظ الفنَّانُ على هويَّته، والرسالةِ التي يُؤمن بها. عندما يكون صادقاً مع نفسه، تنعكسُ ثقافتَه وهويَّته طبيعياً في فنِّه، وهذا ما يضفي على العملِ تميّزَه وقيمتَه.
هل ترين أن الموسيقى قادرةٌ على جعلِ الشعوبِ تتجاوزُ اختلافاتها؟
بالتأكيد. الموسيقى لغةٌ عالميّةٌ، لكنّها لا تُخاطبُ الآذانَ بقدرِ ما تُخاطبُ المشاعرَ، إذ قد يجتمع أشخاصٌ من ثقافاتٍ عدة حول عملٍ موسيقي واحدٍ، ويشعرون بالمشاعرِ نفسها رغم اختلافِ لغاتِهم وخلفيّاتِهم، وفي هذه اللحظاتِ ندركُ أنّ الموسيقى لغةٌ لا تحتاجُ إلى ترجمةٍ.
مَن المؤلِّفون الموسيقيون الذين تركوا أثراً كبيراً في رحلتكِ الفنيَّة؟
يأتي كلٌّ من يوهان سيباستيان باخ Johann Sebastian Bach، وفريدريك شوبان Frédéric Chopin في مقدِّمةِ الأسماءِ المؤثِّرةِ في مسيرتي. تعلَّمتُ من أعمالِ باخ الكثير عن البناءِ الموسيقي، والتقنيَّاتِ الأدائيَّة، بينما أرى في أعمالِ شوبان قدرةً استثنائيَّةً على منحِ البيانو صوتاً إنسانياً يتحدّثُ بلا كلماتٍ.
ما الموسيقى التي تستمتعين بالاستماعِ إليها بعيداً عن العزف؟
قد تبدو الإجابةُ مفاجئةً، لكنْ إلى جانبِ الموسيقى الكلاسيكية، أستمعُ إلى الراب القديمِ. ورغم الاختلافِ الكبيرِ بينهما، إلا أن ما يجمعهما بالنسبة لي، هو أنّ كليهما ينبعُ من واقعٍ حقيقي؛ فالأولى تعبّر عن المشاعرِ بالموسيقى، بينما يروي الآخرُ التجاربَ بالكلماتِ.
ما النصيحةُ التي تُقدِّمينها للشبابِ الراغبين في دخولِ عالمِ الموسيقى؟
الفنُّ فرصةٌ للتعبيرِ عن الذاتِ واكتشافها. على الرغمِ من أهميَّةِ التعلُّمِ والمثابرة إلا أن فهمَ الإنسانِ لنفسه، والتعبيرَ عنها بصدقٍ، هو ما يصنعُ العلاقةَ الحقيقيَّةَ بين الفنَّانِ وجمهوره.
لو كان في إمكانكِ عزفُ مقطوعةٍ واحدةٍ فقط لبقيَّةِ حياتكِ، ماذا ستكون؟
سأختارُ «كونشيرتو البيانو رقم 1» لفريدريك شوبان.
ماذا تقولُ الموسيقى عن رويدا أكثر مما تستطيعُ الكلماتُ قولَه؟
قد يرى بعض الناسِ في شخصيَّتي الإصرارَ، والالتزامَ، والإنجاز، لكنْ الموسيقى تكشفُ جانباً أكثر هدوءاً وعمقاً. إنها تُعبِّر عن حبِّي للتأمُّل، وإيماني بالفنِّ القادرِ على ملامسةِ الإنسانِ من الداخل، ولهذا أرى أنّها قادرةٌ على قولِ ما تعجزُ الكلماتُ عن قوله.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News