الموسيقى ليست فقط ألحاناً تُسمَع، إنها أيضاً لغةٌ تُعبِّرُ عن الهويَّةِ، وتحكي الحكاياتِ، وتفتحُ آفاقاً جديدةً للإبداع. وفي المشهدِ السعودي المتجدِّد، تبرزُ أصواتٌ نسائيَّةٌ تصنعُ مساراتِها بثقةٍ، وتعيدُ تشكيلَ علاقتِها بالفنِّ من خلال تجاربَ، تجمعُ بين الشغف،ِ والابتكارِ، والخصوصيَّةِ الفنيَّة.. في اليوم العالمي للموسيقى الذي يصادفُ في 21 يونيو، نلتقي الفنَّاناتِ كيان، رويدا رفه، إليانا ياسمين، تام تام، وريماز العقبي لنتعرَّف على رحلاتهن الموسيقيَّةِ، ورؤاهن الإبداعيَّةِ، وكيف ينسجن من النغمِ مساحةً للتعبيرِ عن الذاتِ والوصولِ إلى العالم.
عازفة الكمان السعودية كيان: أبحث عن الصوت الذي يشبه الأرض التي أنتمي إليها

في عالمها لا تُستَخدمُ الموسيقى للتسلية، بل تتحوَّلُ إلى وسيلةٍ لفهمِ الذات، وقراءةِ المكان، واستعادةِ الذاكرة.
وبين صوتِ الكمان، ورحابةِ الصحراء، وبين الإيقاعاتِ السعوديَّةِ العتيقة، والتقنيَّاتِ الإلكترونيَّةِ الحديثة، ترسمُ كيان ملامحَ مشروعٍ فنِّي مختلفٍ، هو مشروعٌ لا يكتفي باستحضارِ التراث، بل ويُعيد أيضاً اكتشافَه، وتقديمَه برؤيةٍ معاصرةٍ، تنفتحُ على العالمِ دون أن تتخلَّى عن جذورها. ومنذ انضمامها بوصفها أوَّلَ عازفةِ كمانٍ سعوديَّة إلى الأوركسترا الوطنيَّةِ السعوديَّة، وحتى تأسيسِ مشروعيها «خبيتي» و«سكالا»، تُواصل كيان رحلتَها في البحثِ عن الجمالِ الكامن في الموسيقى السعوديَّة، وعن القصصِ الإنسانيَّةِ التي يمكن أن تُروى بالنغمِ كما تُروى بالكلمات.
في هذا الحوارِ مع «سيدتي»، تحدَّثنا مع كيان عن البداياتِ، والكمانِ الذي اختارها قبل أن تختاره، وعن مسؤوليَّةِ تمثيلِ السعوديَّة في المسارحِ العالميَّة، إضافةً إلى شغفها بإعادةِ قراءةِ التراثِ الموسيقي السعودي بلغةٍ تنتمي إلى الحاضر، وتتطلَّعُ إلى المستقبل.
مَن كيان بعيداً عن الألقابِ والتعريفاتِ المهنيَّة؟
فنَّانةٌ سعوديَّةٌ، وعازفةُ آلاتٍ متعدِّدةٍ، من بينها الكمان، ومُنتِجةٌ موسيقيَّةٌ. مسيرتي الفنيَّةُ في عالمِ الموسيقى الإلكترونيَّةِ انطلقت من الرياض، وكنتُ أوَّلَ عازفةِ كمانٍ سعوديَّة تنضمُّ إلى الأوركسترا الوطنيَّةِ السعوديَّة حيث قدَّمتُ عروضاً منفردةً، محليَّةً ودوليَّةً، كما شاركتُ في جولاتٍ عالميَّةٍ.
وإلى جانبِ مسيرتي الفنيَّة، أسَّستُ مشروعَ «خبيتي» عامَ 2022، و«سكالا» في 2025، ولدي أيضاً برنامجٌ إذاعي خاصٌّ بعنوان «وادي الصوت»، أقدِّم فيه محتوى مستوحى من تجاربي الموسيقيَّةِ في وديانِ مدينةِ العُلا.
كثيراً ما تقولين إن الكمان الآلةُ التي اختارتكِ، كيف حدثَ ذلك؟
ربما لأن الكمان من أكثر الآلاتِ قرباً للصوتِ البشري، كما أنه يمنحُ العازفَ مساحةً واسعةً من الحريَّةِ، والتعبيرِ الموسيقي، ويُتيح التنقُّلَ بين النوتاتِ سواءً في الموسيقى الشرقيَّةِ، أو العربيَّة. عندما بدأت علاقتي به، لم أشعر بأنني اتَّخذتُ قراراً واعياً بقدرِ ما شعرتُ بأن الأمرَ جاءِ بوصفه إلهاماً طبيعياً، لذا أقولُ دائماً: إن الكمان هو الذي اختارني.
لمتابعة اللقاء مع عازفة الكمان السعودية كيان اضغط هنا
عازفة البيانو السعودية رويدا رفه: الموسيقى جزء من هويتي وليست مجرد هواية

تعزفُ ما تشعرُ به قبل أن تعزفَ ما تسمعه، وتُؤمن بأن الفنَّ الحقيقي هو ما يبقى أصيلاً مهما تبدَّلت الأزمنة. بالنسبةِ إلى العازفةِ السعوديَّةِ رويدا رفا لا تُمثِّل الموسيقى مجرَّد شغفٍ، أو مهارةٍ، بل هي لغةٌ شخصيَّةٌ، تكشفُ ما تعجزُ الكلماتُ عن قوله.. في هذا الحوارِ، تتحدَّثُ رويدا لـ «سيدتي» عن علاقتها بالموسيقى الكلاسيكيَّة، والمحطَّاتِ التي صنعت تجربتَها الفنيَّة، وتكشفُ عن رؤيتها لهويَّةِ الفنَّان، ودورِ الموسيقى في تجاوزِ الحدودِ والثقافات.
كيف تصفين شخصيَّتكِ بعيداً عن الموسيقى؟
أؤمنُ بالعمقِ في مختلفِ جوانبِ حياتي، وأجدُ نفسي منجذبةً إلى كلِّ أصيلٍ وعريقٍ، خاصَّةً الفنون التي حافظت على قيمتها عبر الأجيال. أميلُ إلى الأدبَ والفنون، كما أمارسُ رياضةَ السيَّارات بجدّيةٍ، وأجدُ فيها ما يلهمُني ويعكسُ حبّي للدقةِ والتركيزِ وروحِ التحدّي. ولكن الموسيقى تبقى عالمي الحقيقي، الذي تتشكّلُ من خلالِه رؤيتي الإنسانيةُ والفنية.
متى أدركتِ أن البيانو سيكون أكثر من مجرَّد هوايةٍ؟
لا أرى أن كلمةَ «هوايةٍ» تصفُ علاقتي بالموسيقى بدقَّةٍ، فالهوايةُ ترتبطُ عادةً بأوقاتِ الفراغ، بينما كانت الموسيقى حاضرةً في حياتي دائماً. هي جزءٌ من تكويني الشخصي، ورسالةٌ أعبِّر بها عن نفسي، وكلَّما تعمَّقتُ في فهمها، ازدادت علاقتي بها ارتباطاً حتى أصبحت جزءاً أساسياً من هويَّتي.
لمتابعة اللقاء مع عازفة البيانو السعوديةرويدا رفه اضغط هنا
العازفة والمغنية اللبنانية إليانا ياسمين: صوتي مزيج من الأماكن التي احتضنتني

في صوتها يمتزجُ الشرقُ بالغربِ، وتتلاقى نوستالجيا فيروز Fairuz بوقارِ إيديث بياف Edith Piaf، وبين نغماتِ الموسيقى التي تعشقها يتجسَّدُ التنوُّعُ الثقافي بأجمل صوره، ليروي القصص، ويصوغ الذكرياتِ الجميلة. أمَّا في قلبها، فتحملُ ملامحَ طفولتها في الأرجنتين، ونشأتَها الشغوفةَ بالموسيقى في فرنسا، وتعلُّقها بجذور هويَّتها الأصيلةِ في لبنان، هذا وصولاً إلى محطَّةِ نضجها وتطوُّرها الفنِّي في الرياض، العاصمةِ السعوديَّة، حيث تصدحُ مأخوذةً بالحلمِ: «هذا صوتي.. هذه موسيقاي.. هذا حلمي.. وسأقولُ للعالمِ أجمل ما لدي.. فالموسيقى لغةٌ عالميَّةٌ.. لغتنا جميعاً على الرغمِ من اختلافاتنا الجميلة». المغنيةُ والموسيقيَّةُ ومدرِّبةُ الصوتِ إليانا ياسمين Ileana Yasmin، تحملنا في هذا الحوارِ إلى عالمها الفنِّي الذي يجمعُ بين الأصالةِ، والاندفاعِ الإبداعي، والآفاقِ المتجدِّدة.
وُلِدتِ في الأرجنتين، ونشأتِ في فرنسا، ثم عُدتِ إلى لبنان، وتستقرِّين الآن في الرياض، كيف شكَّلت هذه الرحلةُ هويَّتكِ الإنسانيَّةَ والموسيقيَّة، وأي محطَّةٍ منها تركت الأثرَ الأعمقَ في صوتكِ؟
أشعرُ بأنني محظوظةٌ جداً لأنني عشتُ في أماكنَ مختلفةٍ، فكلُّ مكانٍ منحني شيئاً فريداً. الأرجنتين هي المكانُ الذي بدأت فيه قِصَّتي، بينما منحتني فرنسا التعليمَ الموسيقي، والانضباطَ، وحباً عميقاً للأغنياتِ الفرنسيَّةِ والموسيقى الكلاسيكيَّة، أمَّا لبنان، فساعدني في إعادةِ الاتِّصالِ بجذوري، واكتشافِ جمالِ الموسيقى العربيَّة، والمقاماتِ، والتعبيرِ العاطفي، في حين شكَّلت الرياض فصلاً مهماً من النموِّ لدي حيث التقيتُ فنَّانين من ثقافاتٍ متعدِّدةٍ، وتطوَّرتُ فيها بوصفي مغنيةً ومدرِّبةَ صوتٍ.
على الصعيدِ الإنساني، علَّمتني هذه الرحلةُ أن أكون منفتحةَ الذهن، وقادرةً على التكيُّف، وأظهرت لي أن الموسيقى لغةٌ عالميَّةٌ، يمكنها الجمعُ بين الناسِ بغضِّ النظرِ عن الأصول، وإذا كان عليَّ أن أختارَ المكانَ الذي ترك الأثرَ الأعمقَ في صوتي بينها، فسأقولُ لبنان، فهناك اكتشفتُ حقاً هويَّتي الموسيقيَّة العربيَّة، وتعلَّمتُ كيف أُعبِّر عن المشاعرِ بطريقةٍ مختلفةٍ وأصيلةٍ جداً. لكنْ بصراحةٍ، صوتي اليوم مزيجٌ من كلِّ هذه الأماكنِ والتجاربِ، فجميعها تعيشُ داخل موسيقاي.
العودةُ إلى لبنان كانت محطَّةً لإعادةِ اكتشافِ الجذور، اليوم عندما تُغنين لفيروز في الرياض كيف يستحضرُ صوتُكِ حنينَ تلك الجذور، وما الذي يُمثِّله لبنان في وجدانكِ الفنِّي؟
عندما أغني لفيروز في الرياض، يحملني صوتي فوراً إلى لبنان، فأغنياتها تحملُ كثيراً من ذكرياتِ العائلة، وصباحاتِ الجبال، ومن صوتِ الطبيعة، إلى جانبِ دفءٍ معيَّنٍ يصعبُ وصفه. بالنسبةِ لي، لبنان ليس مجرَّد مكانٍ، إنه شعورٌ، يُمثِّل جذوري، وثقافتي، وجزءاً كبيراً من هويَّتي الموسيقيَّة. الألحانُ، والشعرُ، والمشاعرُ في الموسيقى اللبنانيَّةِ أثَّرت عميقاً في الطريقةِ التي أغني وأُعبِّر بها عن نفسي. في كلِّ مرَّةٍ أؤدي فيها أغنيةً لفيروز، أشعرُ بأنني أتواصلُ مع جزءٍ مني مخفي في داخلي. هذه طريقتي لأحملَ لبنان معي أينما ذهبت، وأشارك جمالَه مع الآخرين. حتى بعد أعوامٍ طويلةٍ في بلادِ الاغتراب، يظلُّ هذا الرابطُ قوياً جداً، ويظهرُ بشكلٍ طبيعي في صوتي.
لمتابعة اللقاء مع العازفة والمغنية اللبنانية إليانا ياسمين اضغط هنا
المؤلفة والمغنية السعودية Tamtam: الموسيقى هي المساحة التي أشعر فيها بالحرية

تسيرُ تام تام Tamtam بخطواتٍ هادئةٍ وواثقةٍ في مشروعها الموسيقي، وهي أبعدُ ما تكون عن القوالبِ الجاهزة، والتصنيفاتِ التقليديَّة. ومن خلال أعمالها، التي تتنقَّلُ بين الثقافاتِ واللغات، تصوغُ الفنَّانةُ السعوديَّةُ تجربةً شخصيَّةً، تحملُ كثيراً من التأمُّلِ والخصوصيَّة، وتبحثُ عن أثرٍ إنساني يتجاوزُ حدودَ الأغنيةِ نفسها. في هذا الحوارِ مع «سيدتي»، تتحدَّثُ تام تام عن محطَّاتِ رحلتها الفنيَّة، وتكشفُ كيف شكَّلت التجاربُ المختلفةُ هويَّتها الإبداعيَّة، ورؤيتَها للمشهدِ الموسيقي السعودي، وإيمانها بأن الفنَّ الحقيقي يبدأ من الصدقِ مع الذات.
لمَن يتعرَّفُ على تام تام للمرَّةِ الأولى، كيف تُقدِّمين نفسكِ، ومسيرتكِ الفنيَّة في كلماتٍ قليلةٍ؟
أقول: إن موسيقاي تنبعُ من الصدقِ، والهشاشةِ الإنسانيَّة، والتواصلِ الحقيقي مع الناس. أنا فنَّانةٌ سعوديَّةٌ، أكتبُ، وأغني بالعربيَّةِ والإنجليزيَّة، ورحلتي الفنيَّةُ، هي رحلةُ تقبُّلٍ لكلِّ جوانبِ نفسي، والتعبيرِ عنها بصدقٍ.
أحدثُ مشروعاتي يحملُ عنوان Ma3assalama، وينقسمُ إلى جزءٍ بالعربيَّة، وآخرَ بالإنجليزيَّة، وهو انعكاسٌ طبيعي لهويَّتي بوصفي امرأةً سعوديَّةً وعربيَّةً، عاشت أعواماً مؤثِّرةً في كاليفورنيا، فاجتمعت في تجربتي التأثيراتُ العربيَّةُ والغربيَّةُ بانسجامٍ.
بدأتِ رحلتكِ مع الموسيقى قبل أعوامٍ، كيف كانت الانطلاقة، وما أبرزُ المحطَّاتِ التي صنعت شخصيَّتكِ الفنيَّة؟
البدايةُ كانت جميلةً وصعبةً في الوقتِ نفسه، إذ انطلقتُ من لوس أنجلوس في فترةٍ لم يكن فيها مجتمعٌ عربي فنِّي كبيرٌ من حولي. اليوم أُدرِك قيمةَ المجتمعِ الإبداعي، والدعمِ المتبادلِ أكثر من أي وقتٍ مضى.
من أبرزِ المحطَّاتِ في بداياتي أغنيةُ Little Girl التي كانت أوَّلَ إصدارٍ لي، ثم جاءت Gender Game لتُؤكِّد لي أن الموسيقى لغةٌ عالميَّةٌ قادرةٌ على جمع الناسِ على الرغمِ من اختلافِ خلفيَّاتهم.
لمتابعة اللقاء مع المؤلفة والمغنية السعودية Tamtam اضغط هنا
مغنية الأوبرا السعودية ريماز العقبي: الفن ليس رفاهية بل جزء من التجربة الإنسانية

بدأت علاقة ريماز العقبي مع الموسيقى منذ سن مبكرة، من خلال مدارس متخصصة بالفنون الأدائية في الولايات المتحدة، ، كانت تستمع إلى عبادي الجوهر ووردة في المنزل ، وفي المدرسة إلى موزارت وبيتهوفن، ومع أصدقائها إلى أنواع موسيقية مختلفة، هذا التنوع جعلها ترى الموسيقى كلغة عالمية، وليس كقالب واحد أو مدرسة واحدة، وبعد انضمامها كعضوة في الأوركسترا والكورال الوطني السعودي تمكنت من لفت أنظار العالم لموهبتها الذي ساهم بكل قوة وشغف في تمثيل الفن السعودي أمام جمهور عالمي واثبات قدرة الفنّ في اختراق الحواجز الثقافيّة .
حدثينا عن بداية رحلتكِ مع الأوبرا رغم أنّ هذا الفنّ لم يكن شائعاً في السعوديّة؟
بعد دراستي الأكاديمية وجدت نفسي أنجذب بشكل طبيعي إلى الموسيقى الكلاسيكية، كما أن الأوبرا تحديدًا أسرتني لأنها تجمع بين الموسيقى والتمثيل واللغة والتعبير الإنساني، ولذلك لم أشعر يومًا أن اختياري لها كان قرارًا غريبًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لشغف رافقني منذ الطفولة.
وما دور أسرتك في دخولك هذا النوع من الفن؟
أنا محظوظة جدًا بعائلتي، والدتي كانت وما زالت أكبر داعم لي. كانت رافقني إلى التدريبات، وتنتظر ساعات طويلة، وتحرص على أن أحصل على أفضل تعليم ممكن، وكانت دائمًا أول من أجده في الصف الأول في حفلاتي. أما والدي، فكان ولا يزال السند الحقيقي لي، يدفعني دائمًا لأكون أفضل نسخة من نفسي، وفي الوقت نفسه يذكرني بمن أنا ومن أين أتيت.وأختي هي أكبر مشجعة لي، تقدم لي كلمات الدعم عندما أحتاجها، ولو لم أحظ بهذا الحب والدعم من عائلتي، لما كنت في المكان الذي أنا فيه اليوم.
لمتابعة اللقاء مع مغنية الأوبرا السعودية ريماز العقبي اضغط هنا
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News