mena-gmtdmp

كأس العالم 2026: القصة المذهلة لطبيبة كوراساو التي غيرت وجه المونديال

الدكتورة سوزان هورمان طبيبة كوراساو التي غيرت وجه المونديال (مصدر الصورة: Photo by Robbie Jay Barratt - AMA/Getty Images)
الدكتورة سوزان هورمان طبيبة كوراساو التي غيرت وجه المونديال (مصدر الصورة: Photo by Robbie Jay Barratt - AMA/Getty Images)

في عالم الساحرة المستديرة، غالباً ما تُسلَط أضواء الكاميرات على أقدام اللاعبين، أو تكتيكات المدربين الصارمين يقفون على خط التماس. لكن في بطولة كأس العالم 2026، التي أقيمت في قارة أمريكا الشمالية، كانت هناك قصة مختلفة تماماً تُكتب بصمت، وبعيداً عن صخب الجماهير، بطلتها ليست لاعبة، ولا مدربة؛ بل طبيبة بملامح هادئة وعقلية فولاذية، قررت أن تخترق واحداً من أكثر الحصون الذكورية انغلاقاً في عالم الرياضة النخبوية.

إنها الدكتورة سوزان هورمان، رئيسة الجهاز الطبي لمنتخب كوراساو. امرأة واحدة فقط، وقفت وحيدة ومرفوعة الرأس، لتقود الطاقم الطبي لمنتخب وطني وسْط 48 منتخباً مشاركاً في المونديال؛ ليكون التوزيع إحصائياً وصادماً: 47 رجلاً يترأسون الأجهزة الطبية، مقابل امرأة واحدة فقط تصنع التاريخ.

كيف تمكنت هذه الطبيبة الشابة من كسر السقف الزجاجي المزدوج؟ وكيف قادت منتخباً يمثل جزيرة صغيرة، لمقارعة كبار العالم طبياً وبدنياً؟ إليكم القصة الكاملة.

الدكتورة سوزان هورمان، رئيسة الجهاز الطبي لمنتخب كوراساو (مصدر الصورة: Photo by JUAN MABROMATA / AFP)

مفارقة المونديال الأضخم: أنثى وحيدة على قمة الهرم

شهد مونديال 2026 توسعاً تاريخياً بزيادة عدد المنتخبات إلى 48 فريقاً، في خطوة تهدف لتعزيز الشمولية الكروية. ولكن، خلف هذا التوسع الجغرافي، اختبأت حقيقة صادمة؛ فعلى مدار تاريخ كأس العالم الممتد لـ96 عاماً، كان مقعد "طبيب المنتخب" حكراً شبه مطلق على الرجال.

لم تكن هورمان تدرك حجم هذا الإنجاز الاستثنائي في البداية. في مقابلة صريحة مع هيئة الإذاعة البريطانية BBC، اعترفت قائلة: "لم أدرك ذلك في البداية؛ لأنني اعتدت دائماً أن أكون المرأة الوحيدة، أو واحدة من قلة نادرة من النساء في الغرفة".

ورغم هذا التواضع؛ فإن السجلات لا تكذب؛ فالدكتورة هورمان، البالغة من العمر 36 عاماً، هي ثالث طبيبة فقط في تاريخ كؤوس العالم للرجال التي تعمل ضمن الطاقم الطبي لمنتخب وطني. سبقتها الدكتورة النيوزيلندية سيليست غيرتسيما في مونديال جنوب أفريقيا 2010، والدكتورة الألمانية سيلجا شفارتز التي ترافق منتخب المانشافت منذ عام 2023. لكن هورمان انفردت بكونها المرأة الوحيدة في هذه النسخة التي تترأس الجهاز الطبي بالكامل.

معجزة الكاريبي: 158 ألف نسمة ووفد من 49 شخصاً. هي أنثاهم الوحيدة!

لم يكن اختيار هورمان لمنتخب كوراساو مجرد صدفة؛ فالقصة الكُروية لهذا المنتخب هي بحد ذاتها ضرب من الخيال. كوراساو، تلك الجزيرة الكاريبية الساحرة التي لا يتجاوز تعداد سكانها 158 ألف نسمة، أصبحت أصغر دولة من حيث التعداد السكاني والمساحة تتأهل لنهائيات كأس العالم على الإطلاق.

سافرت بعثة كوراساو إلى المونديال بوفد يضم 49 فرداً، ما بين لاعبين ومدربين وإداريين وطاقم طبي. تقف هورمان المرأة الوحيدة بينهم.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

من البرازيل إلى النادي الملكي

لفهم كيف وصلت هورمان إلى هذه القمة، يجب أن نعود للوراء قليلاً. وُلدت هورمان في البرازيل، لكنها شقت طريقها الأكاديمي والمهني في هولندا. مسيرتها لم تكن مجرد تدرُّج وظيفي عادي؛ بل كانت أشبه بصعود صاروخي.

تخرجت في كلية الطب البشري في هولندا عام 2008، واتجهت للتخصص الدقيق في الطب الرياضي الذي أنهته بنجاح باهر. لم تكتفِ بالجانب السريري؛ بل عملت كمديرة طبية لنادي غو أهيد إيغلز، وقبل حتى أن تتسلم شهادة تخصصها رسمياً، خطفها نادي "آيندهوفن" (PSV) العريق للعمل ضمن جهازه الطبي. عملت أيضاً كرئيسة طبية لمنتخب هولندا للناشئين (تحت 16 عاماً)، وطبيبة لمنتخب سيدات هولندا لكرة اليد الذي شارك في أولمبياد باريس 2024.

أما النقلة الأهم في مسيرتها فكانت في عام 2019، عندما استعان بها العملاق الأسباني "ريال مدريد". بدأت كمستشارة، ثم انتقلت إلى العاصمة الأسبانية بشكل دائم لتولّي تأسيس وإدارة البنية الطبية للفريق النسائي حديث النشأة للنادي الملكي. أثبتت كفاءة غير عادية؛ مما دفع الإدارة لاحقاً لترقيتها للعمل مع فرق الرجال والأكاديمية، وضمها لبرنامج الابتكار الطبي "ريال مدريد نيكست".

من صدمة الـ"7-1" إلى صمود الـ"0-0"

بعيداً عن الأرقام القياسية الجندرية، كان التحدي الحقيقي لهورمان هو الميدان. تتبنى هورمان فلسفة طبية حديثة تُعرف بـ"الطب الشمولي"، وتؤمن بقوة بأن "التمارين هي دواء"؛ حيث تعتمد على تحليلات فسيولوجية معقدة لقياس الجهد وإدارة تعافي اللاعبين.

وقد وُضعت هذه الفلسفة تحت اختبار قاسٍ جداً. في المباراة الافتتاحية ضد ألمانيا (بطل العالم 4 مرات)، ورغم أن كوراساو سجلت هدفها الأول تاريخياً في المونديال، إلا أنها تلقت هزيمة قاسية بنتيجة 1-7.

في البطولات المجمعة، تتسبب الهزائم الثقيلة بانهيار بدني ونفسي مدمر للفرق الصغيرة. وهنا تجلّى سحر هورمان وطاقم الأداء؛ ففي غضون أيام قليلة، أعادت تهيئة 26 لاعباً ليكونوا جاهزين بدنياً وذهنياً للمباراة المصيرية الثانية أمام الإكوادور؛ حيث نجح منتخب كوراساو الصغير في امتصاص الصدمة والصمود ببراعة ليفرض تعادلاً سلبياً (0-0)؛ منتزعاً أول نقطة له في تاريخ مشاركاته المونديالية.

تعادل تاريخي لمنتخب كوراساو أمام منتخب الإكوادور(مصدر الصورة: Photo by JUAN MABROMATA / AFP)

إرث للمستقبل: ما بعد صافرة النهاية

قد ينتهي مشوار منتخب كوراساو في كأس العالم، وقد تعود الأضواء لتسلط على النجوم الكبار والكؤوس الذهبية. لكن ما فعلته الدكتورة سوزان هورمان يتجاوز حدود النتائج والأهداف، ستبقى صورة هورمان، وحيدة ومبتسمة وسْط 47 رجلاً ومدعومة ببعثة من 49 رجلاً في كوراساو، أيقونة تلهم آلاف الطبيبات الشابات في كليات الطب حول العالم، وتهمس لهن رسالة واضحة: الكفاءة المطلقة هي المطرقة التي تهزم العقبات لا محالة.
تابعوا المزيد من مواد سيدتي الرياضية: كأس العالم 2026 بصيغة المؤنث: نساء يصنعن التاريخ في المونديال