mena-gmtdmp

حين تغني السينما.. أسرار سحر أفلام السيرة الموسيقية

 أوستن باتلر من فيلم Elvis - الصورة من الشركة الموزعة
 أوستن باتلر من فيلم Elvis - الصورة من الشركة الموزعة

لم تعد الموسيقى في السينما مجرَّد خلفيَّةٍ تُرافق المشهد، ولم تعد السيرةُ الذاتيَّةُ حكايةً تقليديَّةً عن موهبةٍ تصعدُ إلى القمَّة، ثم تدفعُ ثمنَ الشهرة. وفي الأعوامِ الأخيرة، التقت الكاميرا النوتةَ الموسيقيَّةَ في موجةٍ لافتةٍ من أفلامِ السيرةِ الموسيقيَّة التي لا تكتفي بسردِ حياةِ الفنَّان، بل وتحاولُ أيضاً أن تُترجِم حضورَه إلى لغةٍ بصريَّةٍ عبر الجسدِ، والضوءِ، والمونتاجِ، والأزياءِ، والحفلاتِ، والذاكرة. وفي هذه الأفلامِ تُصبح الأغنيةُ مشهداً درامياً، والحفلةُ ذروةً إنسانيَّةً، والصوتُ جزءاً من الأداءِ التمثيلي. أمَّا الممثِّلُ، فلا يعودُ مُطالباً بالشبه الخارجي فقط، بل وبأن يحملَ أيضاً روحَ النجم، وطريقةَ وقوفه، ونبرةَ صوته، وارتباكَه، وهالتَه، وثمنَ شهرته. ويكمنُ سرُّ جاذبيَّةِ هذا النوعِ من الأعمالِ في أنه يجمعُ بين ثلاثِ متعٍ في تجربةٍ واحدةٍ: متعةُ الدراما، ومتعةُ الحفلِ الموسيقي، ومتعةُ النوستالجيا. ويدخلُ الجمهورُ القاعة، وهو يعرفُ الأغنياتِ غالباً، لكنَّه ينتظرُ أن يرى كيف وُلِدَت، ومن أي ألمٍ خرجت، وأي لحظةٍ إنسانيَّةٍ اختبأت خلفَ لحنٍ، صار جزءاً من ذاكرته.

الممثل كآلة موسيقية

 أوستن باتلر من فيلم Elvis - الصورة من الشركة الموزعة


في أفلامِ السيرةِ الموسيقيَّة لا يكفي أن يُشبه الممثِّلُ النجمَ الذي يؤدي شخصيَّته. الشبه بدايةٌ لا أكثر، فالاختبارُ الحقيقي أن يُقنعنا بأن الشهرةَ مرَّت من جسده، وأن الألمَ سكنَ صوتَه، وأن الإيقاعَ لا يأتي من الأغنيةِ فقط، بل وأيضاً من طريقةِ المشي، والنظرِ، والتنفُّس، لذا تبدو هذه الأفلامُ قريبةً دائماً من مواسمِ الجوائز، فالتحوُّلُ الكاملُ الذي يطلبه هذا النوعُ من الممثِّل، يمنحُ الأكاديميَّاتِ الفنيَّةَ ما تحبُّه عادةً: أداءٌ واضحٌ في مجهوده، ومرئي في تحوُّله، ومشحونٌ بالمخاطرة.

وقد رأينا ذلك مع رامي مالك في Bohemian Rhapsody، إذ لم يكن المطلوبُ تقليدَ فريدي ميركوري Freddy Mercury بقدرِ استعادة طاقته المسرحيَّةِ الجامحة. وحدثَ الأمرُ نفسه مع أوستن باتلر Austin Buter في Elvis حيث اقتربَ من ملك الروك أند رول عبر الصوتِ، والجسدِ، والحضور. أمَّا في A Complete Unknown، فيُصبح الاقترابُ من بوب ديلان Bob Dylan اختباراً مختلفاً، لأنّ الأسطورةَ هنا لا تقومُ على البريقِ وحده، بل وأيضاً على الغموضِ، والتمرُّدِ، والصوتِ الذي صنعَ جيلاً من الأسئلة.

في حين يضعُ فيلم Michael جعفر جاكسون Jaafar Jackson أمامَ امتحانٍ خاصٍّ: أداءُ شخصيَّةِ عمِّه مايكل جاكسون Michael Jackson، أحد أكثر نجومِ الموسيقى شهرةً في العالم، وصاحب واحدةٍ من أكثر اللغاتِ الجسديَّةِ حضوراً في تاريخِ البوب. هنا لا تكفي الملامحُ، أو الصوت، لأن مايكل كان حركةً كاملةً في القبَّعةِ، والقفَّازِ، ودورانِ القدم، وانحناءةِ الجسدِ التي يعرفها الجمهورُ عن ظهرِ قلبٍ.


الأغنية بوصفها ذاكرة جماعية

تيموثي شالاميه من فيلم A Complete Unknown - الصورة من الشركة الموزعة

 


لا يكمنُ سرُّ هذه الأفلامِ في أسماءِ النجوم وحدها، بل ويشملُ كذلك الأغنياتِ التي تسبقُ الفيلم إلى قلوبِ المشاهدين، فأغنيةٌ واحدةٌ قادرةٌ على أن تفتحَ بابَ زمنٍ كاملٍ من الذكريات، لذا لا يُشاهد الجمهورُ هذه الأفلامَ بعينيه فقط، بل وأيضاً بذاكرته. كلُّ أغنيةٍ تأتي محمَّلةً بما هو أبعدُ من اللحن: أعمارُ الناس، وخيباتُهم، وقصصُ حبِّهم، وانتصاراتُهم الصغيرة، وصورُهم الشخصيَّة. هنا تتحوَّلُ السيرةُ الموسيقيَّةُ إلى سينما عاطفيَّةٍ جماعيَّةٍ لا تخصُّ حياةَ الفنَّانِ وحده، بل تخصُّ حياةَ كلِّ مَن أحبَّ أغنياته.

هذه نقطةُ قوَّةِ هذا اللونِ السينمائي، فهو لا يبدأ من صفحةٍ بيضاء، وإنما يأتي محاطاً بأرشيفٍ كاملٍ من الأصواتِ، والصورِ، والحكايات، لكنَّه في المقابلِ يُواجه تحدِّياً كبيراً: كيف يُقدِّم جديداً في قِصَّةٍ، يظنُّ الجمهورُ أنه يعرفها، وكيف يُحافظ على وهجِ الأسطورةِ دون أن يُحوِّلها إلى تمثالٍ باردٍ؟

إليك أبرز الأفلام السينمائية التي دارت أحداثها في إطار موسيقي


بين شباك التذاكر والأوسكار


وجدت هوليوود في أفلامِ السيرةِ الموسيقيَّةِ رهاناً جذَّاباً: نجمٌ محبوبٌ، وكتالوجُ أغنياتٍ يعرفه الملايين، وأداءٌ تمثيلي قابلٌ للاحتفاء. حين تجتمعُ هذه العناصر، تُصبح النتيجةُ مغريةً للجمهورِ، والنقَّادِ، ومواسمِ الجوائزِ في الوقتِ نفسه.

وقد شكَّل فيلم Bohemian Rhapsody نقطةَ انفجارٍ حديثةً لهذه الموجة، فالفيلمُ لم يكتفِ بإعادةِ فريدي ميركوري وفرقةِ Queen إلى أجيالٍ جديدةٍ، بل وأثبت كذلك أن السيرةَ الموسيقيَّة قادرةٌ على التحوُّلِ إلى حدثٍ جماهيري عالمي. بعده جاء Elvis، ليُؤكِّد أن الحكايةَ المعروفة يمكن أن تتجدَّدَ بصرياً إذا دخلت يدُ مخرجٍ مثل باز لورمان Baz Luhrmann، الذي تعاملَ مع حياة إلفيس بريسلي Elvis Presley بوصفها عرضاً مبهراً من الضوءِ، واللونِ، والسرعة، لكنْ الأفلامُ الأحدث لم تعد تكتفي بالوصفةِ التقليديَّة: طفلٌ موهوبٌ، وصعودٌ سريعٌ، وشهرةٌ كاسحةٌ، وأزمةٌ، ثم لحظةُ خلاصٍ على المسرح، فهناك رغبةٌ أكبر في فهمِ الفنَّان لا بوصفه أيقونةً فقط، بل وبوصفه أيضاً إنساناً محاصراً بصورته، وصوتاً يحاولُ النجاةَ من ضجيجِ الأسطورة.

هل نرى الحقيقة أم الأسطورة؟

بوستر فيلم Michael - الصورة من Courtesy of Lionsgate
بوستر فيلم Michael - الصورة من Courtesy of Lionsgate


على الرغمِ من جاذبيَّةِ هذه الأفلامِ إلا أنها لا تخلو من أسئلةٍ شائكةٍ، فبعضها يُنتَج بموافقةِ الورثة، أو أصحابِ الحقوق، ما قد يدفعُ أحياناً إلى تقديمِ نسخةٍ ناعمةٍ من الحقيقة، أو إلى تجنُّبِ الزوايا الأكثر إزعاجاً في حياةِ الفنان.

وهنا تكمنُ صعوبةُ السيرةِ الموسيقيَّة، فالجمهورُ يُريد أن يحبَّ نجمَه من جديدٍ، لكنَّه يرغبُ أيضاً في أن يعرفَ الإنسانَ المختبئ خلفَ البريق. يريدُ الأغنياتِ التي يحفظها، لكنَّه يرغبُ كذلك في أن يرى الثمنَ الذي دفعه صاحبها، لذا يُصبح هذا النوعُ مطالباً بأن يكون ممتعاً وصادقاً في الوقتِ نفسه، واحتفالياً ونقدياً، وموسيقياً وإنسانياً.

وفي حالةِ فيلمٍ مثل Michael، يُصبح السؤالُ أكثر حساسيَّةً: أي مايكل سنرى، هل سنرى الطفلَ المعجزة، أم النجمَ الذي غيَّر شكلَ الكليب والاستعراض؟ هل سنُشاهد الرجلَ المحاصرَ بالشهرةِ والجدل، أم النسخةَ التي تُريد الذاكرةُ الجماهيريَّةُ أن تحتفظَ بها؟ هنا لا يختبرُ الفيلمُ صورةَ نجمٍ فقط، بل وأيضاً قدرة السينما على الاقترابِ من أسطورةٍ ضخمةٍ دون أن تذوب في بريقها.

تابعي أيضًا من الحكاية إلى الأسطورة..لأن النهايات الحزينة لا تُنسى


«الست».. حين يدخل الصوت العربي إلى المشهد

منى زكي في دور أم كلثوم - الصورة من الشركة الموزعة

 

وسطَ هذا الازدهارِ العالمي، يأتي فيلمُ «الست» بوصفه اختباراً عربياً بالغَ الأهميَّة، فاستعادةُ أم كلثوم على الشاشةِ ليست مجرَّد تقديمِ سيرةِ مطربةٍ عظيمةٍ، إنه أيضاً محاولةٌ للاقترابِ من واحدةٍ من أكثر الشخصيَّاتِ حضوراً في الذاكرةِ العربيَّةِ الحديثة.

أم كلثوم ليست صوتاً فقط، هي كذلك زمنٌ كاملٌ. هي المسرحُ والراديو، والقصيدةُ والطرب، والحبُّ والسياسة، والأناقةُ والهيبة، والريفُ والمدينة، والمرأةُ التي صارت مؤسَّسةً وجدانيَّةً عابرةً للأجيال، لذا أي فيلمٍ عنها لا يُواجه تحدِّي إعادةِ تمثيلِ شخصيَّةٍ فنيَّةٍ فحسب، بل وأيضاً يُواجه سؤالاً أكبر: كيف يمكن تحويلُ صوتٍ عاشَ في وجدانِ الملايين إلى تجربةٍ سينمائيَّةٍ مرئيَّةٍ؟

ورهانُ «الست» ليس في استعادةِ أم كلثوم كما نعرفها فقط، بل وكذلك في الاقترابِ من اللحظةِ التي صارت فيها امرأةٌ واحدةٌ ذاكرةَ أمَّةٍ كاملةٍ. هنا تلتقي السينما العربيَّةُ مع الموجةِ العالميَّةِ لأفلامِ السيرةِ الموسيقيَّة، لكنْ من بابٍ خاصٍّ جداً: بابُ الطربِ الشرقي، والقصيدةِ، والمسرحِ، والهيبةِ التي صنعتها أم كلثوم على مدى عقودٍ.

وإذا كانت هوليوود قد أعادت اكتشافَ نجومها عبر السينما، فإن السينما العربيَّة تملك أرشيفاً لا يقلُّ ثراءً: عبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، وأسمهان، ووردة، وفيروز، ومحمد عبدالوهاب، وصباح، وغيرهم من الأسماءِ التي لا تحملُ حكاياتٍ فنيَّةً فقط، بل وتحملُ أيضاً تاريخاً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً كاملاً.

لماذا الآن؟

ربما لأن الجمهور، في زمنِ السرعةِ والمنصَّاتِ وتفتُّتِ الذاكرة، يحتاجُ إلى حكاياتٍ كبرى، تُعيد إليه الإحساسَ بالأسطورة، وربما لأن الموسيقى تملك ما لا تملكه أنواعٌ أخرى من الدراما: قدرةٌ فوريَّةٌ على اختراقِ الوجدان. حين تبدأ أغنيةٌ يعرفها المُشاهِد لا يحتاجُ الفيلمُ حينها إلى شرحٍ طويلٍ، فالذاكرةُ تتكفَّلُ بالباقي.

كذلك، السينما نفسها وجدت في الموسيقى فرصةً لتجديدِ لغتها، فالمونتاجُ يمكن أن يتحوَّلَ إلى إيقاعٍ، والإضاءةُ إلى نغمةٍ، والملابسُ إلى زمنٍ، والجسدُ إلى آلةِ عزفٍ. في هذا التمازجِ لا تعودُ الصورةُ منفصلةً عن الصوت، ولا تعودُ الأغنيةُ فاصلاً داخل الحكاية، بل تُصبح الحكايةَ نفسها.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط