منذ اللحظةِ الأولى لعرضِ الإعلانِ الترويجي لفيلمِ «الست»، انطلقت التساؤلاتُ: هل منى زكي الخيارُ المناسبُ لتجسيدِ شخصيَّةِ أم كلثوم؟ وهل يجرؤ فيلمٌ عربي على اقتحامِ حياةِ كوكب الشرق دون أن يقع في فخِ التعظيم، أو المقارنة؟ وهل سيصمدُ هذا العملُ أمامَ إرثِ صوتٍ بحجمِ التاريخ؟أسئلةٌ كثيرةٌ، تدورُ في الذهنِ قبل مشاهدةِ الفيلم، لكنْ الإجابةُ، المفاجئةُ والمباغتة، تبدأ من اللحظةِ الأولى على الشاشة. في فيلمٍ، لا يُشبه غيره، تقفُ منى في امتحانِ العمر، ويضعُ المخرج مروان حامد السينما العربيَّةَ أمامَ مرآتها الحقيقيَّةِ: هل حان الوقتُ لنروي أساطيرنا بأسلوبٍ عالمي؟ وبين دهشةِ الصورة، وسحرِ الصوت، وقوَّةِ الأداء، تتجلَّى الحكايةُ.. لكنَّها ليست حكايةَ أم كلثوم فقط، وإنما حكايةُ كلِّ امرأةٍ عربيَّةٍ، قرَّرت أن تُغني على الرغمِ من الضجيج.

في ليلةٍ فنيَّةٍ آسرةٍ بدبي، احتشدَ النجومُ، والنقَّادُ، والجمهورُ لمشاهدةِ العرضِ الخاصِّ لفيلمِ «الست» الذي طال انتظاره. تزيَّنت الأمسيةُ بألحانِ كوكبِ الشرق في نافورةِ دبي، وتمَّ إضاءةُ برجِ خليفة بصورِ منى زكي وفريقِ العمل تكريماً لهذا المنجزِ السينمائي العربي.
وعلى السجَّادةِ الحمراء، أطلَّت منى برفقةِ سيد رجب وسطَ ترحيبٍ حارٍّ، وتحوَّلَ الحدثُ إلى احتفاءٍ جماعي بالسينما العربيَّة، والدورِ المتنامي للمرأةِ في هذه الصناعةِ الفنيَّة. ولم يخب الظنُّ، فقد قدَّمَ «الست» تجربةً سينمائيَّةً أخَّاذةً، خطفت أنفاسَ الحضور، وأعادت إليهم سحراً فنياً نادراً.
القصة والرؤية الإخراجية

يستندُ فيلمُ «الست» إلى سيناريو أحمد مراد، وإخراج مروان حامد، وهو عملٌ درامي، يروي رحلةَ صعودِ أم كلثوم إنسانياً وفنياً منذ جذورها الريفيَّةِ المتواضعة، وحتى اعتلائها عرشَ الغناءِ العربي. وقد اختارَ صُنَّاع العملِ زاويةً مختلفةً لتناولِ سيرةِ كوكب الشرق، إذ سلَّطوا الضوءَ على المرأةِ خلفَ الأسطورة، وكيف نسجت مجدها الخالدَ بإحساسها الفطري، وتحدِّيها صعوباتِ مجتمعها، فظهرَ الفيلمُ في جوهره وكأنَّه تكريمٌ للأنثى، وطموحها، ومشاعرها بمزيجٍ من الضعفِ والقوَّة، وتغلُّبها على أزماتِ الحياة.
وافتتح المخرجُ مروان حامد الأحداثَ بمشهدٍ كبيرٍ، يُدخِلُ المُشاهِد فوراً إلى قلبِ الحقبة، إذ نجحَ في حشدِ إبهارٍ بصري وسمعي إيقاعي منذ اللحظاتِ الأولى عبر صورةٍ، ومؤثِّراتٍ صوتيَّةٍ متقنةٍ، وإيقاعٍ متناغمٍ، وديكوراتٍ وأزياءٍ من حقبةِ ثلاثينيَّاتِ القرن الماضي، ليضعك في قلبِ الحدثِ منذ بدايةِ الشريطِ السينمائي.
هذا الإتقانُ الإخراجي، مقروناً برؤيةٍ فنيَّةٍ دقيقةٍ، جعلَ السردَ غير الخطِّي لتتابع المراحلِ الزمنيَّةِ في حياةِ أم كلثوم، يبدو سلساً ومقصوداً. الفيلمُ، يتنقَّلُ بين محطَّاتٍ مختلفةٍ "من حفلةِ أولمبياد باريس 1967 المهيبة إلى قريةِ طماي الزهايرة في طفولةِ أم كلثوم، وغير ذلك" دون أن يفقدَ بوصلته، فكلُّ قفزةٍ زمنيَّةٍ، تخدمُ بناءَ الصورةِ الكاملةِ لشخصيَّتها بأسلوبٍ أقربَ إلى ومضاتِ الذاكرةِ السينمائيَّة.
كذلك، لم يخشَ السيناريو التعمُّقَ في زوايا شخصيَّةٍ، وفصولٍ حسَّاسةٍ من حياةِ أم كلثوم، فكشفَ عن المرأةِ خلفَ الأضواءِ دون تجميلٍ، أو رتوشٍ، فنحن نرى "الست" قويَّةً ومنكسرةً، ومنتصرةً ومهزومةً، وتتألَّمُ وتُثابر، ما فكَّك صلابةَ الصورةِ النمطيَّةِ للأسطورةِ التي لا تُقهَر. بهذا، تحرَّرَ العملُ من سرديَّةِ التقديسِ الأحادي، ليُقدِّم أم كلثوم الإنسانةَ التي واجهت الوحدةَ والخذلان، كما واجهت المجدَ والنجاح.
ويُحسَب لصُنَّاع الفيلمِ جرأتهم في طرقِ أبوابٍ، لم يسبق طرقُها في سيرةِ كوكب الشرق السينمائيَّة، من تعاملها مع السُّلطةِ وتقلُّباتِ الزمن إلى تفاصيلِ حياتها العاطفيَّةِ وهمومها الإنسانيَّة، وقد أسهمت هذه الجرأةُ في صناعةِ دراما ثريَّةٍ وشديدةِ التأثير. وليس خفياً أن التصدي لإرثِ أم كلثوم مغامرةٌ فنيَّةٌ كبرى، وقد كان المشروعُ برمَّته مخاطرةً محسوبةً من قِبل مروان حامد، وأحمد مراد، ومنى زكي الذين قبلوا التحدِّي في تقديمِ شخصيَّةٍ أيقونيَّةٍ بحياةٍ حافلةٍ بالمنعطفات، لكنْ النتيجةُ، جاءت على قدرِ التحدِّي: فيلمٌ بديعٌ، يُوازن بين احترامِ الحقيقةِ التاريخيَّة، ومتطلَّباتِ الدراما، وينبضُ بصدقٍ، وحياةٍ، تجعلُ المُشاهِد أسيرَ حكايته منذ البدايةِ وحتى النهاية.
ما رأيك بالاطلاع على أفلام عربية مقتبسة من قصص حقيقية
الأداء التمثيلي

استحوذت منى زكي مركزَ الثقلِ في الفيلمِ بأداءٍ، يستحقُّ الوقوفَ عنده طويلاً. منذ اللحظة الأولى، تلبَّست شخصيَّةَ أم كلثوم بروحها قبل ملامحها، مُقدِّمةً واحداً من أفضلِ أدوارها في مسيرتها. لقد استطاعت منى أن تعبرَ حاجزَ التشابه الشكلي نسبياً، وهو ما حقَّقه المكياجُ بقدرٍ عالٍ من الحِرفيَّة، ووصلت إلى روحِ «الست»، وإحساسها العميقِ في كلِّ مرحلةٍ عمريَّةٍ.
وقد ظلَّ عنصرُ الجذبِ مع المحافظةِ على الإيقاعِ الشعوري طوالَ الفيلمِ سمةً لقوَّةِ أداءِ منى، كما أجادت تجسيدَ الأحاسيسِ الداخليَّةِ لأم كلثوم، شابةً كانت أم كبيرةً في السنِّ.
أما على مستوى بقيةِ فريقِ التمثيل، فيُسجَّل حضورٌ مميَّزٌ للفنَّانِ القديرِ سيد رجب في دورِ والدِ أم كلثوم، الشيخِ إبراهيم البلتاجي. رجب، جسَّد الأبَ البسيطَ والحكيمَ الذي يزرعُ في ابنته الثقةَ والجرأةَ منذ طفولتها، فكان يقفُ خلفَها مثل «جبلٍ»، ويدعمها في مواجهةِ المجتمع، وقد أضفى بأدائه صدقاً وعمقاً على علاقةِ الأبِ بابنته، إذ ظهر مثل حائطٍ صلبٍ وحنونٍ في آنٍ واحدٍ، يُشكِّل وجدان الأسطورةِ منذ بداياتها.
كذلك، قدَّم محمد فراج دورَ الشاعرِ أحمد رامي بحساسيَّةٍ واضحةٍ، عاكساً شغفَه وحبَّه العميقَ لأم كلثوم، والكيمياءَ الفنيَّةَ والعاطفيَّةَ الفريدةَ بينهما.
ولم تغفل رؤيةُ الفيلمِ إسنادَ أدوارِ الشخصيَّاتِ التاريخيَّةِ لنخبةٍ من النجوم، فشهدنا ظهوراً خاصاً لكريم عبدالعزيز في دورِ شريف باشا صبري، ونيلي كريم في شخصيَّةِ الملكة نازلي، وعمرو سعد في دورِ الرئيسِ جمال عبدالناصر، وأحمد حلمي في شخصيَّةِ ضابطِ شرطةٍ، وأحمد أمين في دورِ الطبيبِ حسن الحفناوي. هذه المشاركاتُ اللامعة، أثرت العملَ، ومنحته بُعداً ملحمياً دون أن تطغى على البطولةِ الرئيسة، إذ جاءت مثل قطعِ موزاييك، تُكمل لوحةَ «الست» ببراعةٍ.
الصورة والموسيقى

على الصعيدِ البصري والسمعي، يرتقي «الست» إلى مستوى الأعمالِ السينمائيَّةِ الضخمةِ إنتاجياً، فالتصويرُ السينمائي، جاء لوحةً فنيَّةً نابضةً بالحياة، إذ تنقَّلت الكاميرا بسلاسةٍ بين أجواءِ القريةِ المصريَّةِ الريفيَّةِ بألوانها الحنونة، وأضوائها الطبيعيَّة، وتحوَّلت إلى بهو المسارح، وصالاتِ القصورِ الباهرة، راصدةً تألُّقَ أم كلثوم أمامَ نخبةِ المجتمع في عقودٍ مختلفة.
لقد نجحَ الفيلمُ في توظيفِ أغنياتِ أم كلثوم الخالدةِ بذكاءٍ وحساسيَّةٍ داخلَ السرد، فجاءت كلُّ أغنيةٍ في توقيتٍ مدروسٍ لتعميقِ إحساسِ المشهد، أو التعليقِ على حالةٍ، تعيشها البطلة.
ولم يكتفِ صُنَّاع العملِ بالاعتمادِ على إرثِ الأغنياتِ فحسب، بل وقدَّم الموسيقارُ هشام نزيه أيضاً موسيقى تصويريَّةً أصيلةً، رافقت الأحداثَ بتناغمٍ تام. نزيه، مزجَ أنغامَه الأوركستراليَّةَ بروحِ أغنياتِ أم كلثوم، فكانت الموسيقى التصويريَّة، أشبه بجسرٍ زمني، يصلُ بين عصرِ الأسطورة، وأذنِ المستمعِ المعاصر.
باختصارٍ، نجحَ الفيلمُ سمعياً في أن يجعلنا نُحلِّق مع كلِّ مقامٍ موسيقي، وكلِّ نغمةٍ، مستعيدين سحرَ حفلاتِ أم كلثوم، وكأنَّنا نجلسُ بين جمهورها قبل عقودٍ.
يمكنك أيضًا الاطلاع على بعد 65 عامًا.. فيلم إشاعة حب يعرض في دور السينما السعودية لأول مرة

على هامش إفتتاح فيلم «الست» في دبي، إلتقت «سيدتي» الفنَّانُ القديرُ سيد رجب، الذي جسّد شخصيَّةَ الشيخ إبراهيم البلتاجي، والدِ أم كلثوم.ليكشفُ عن انبهاره بالنتيجةِ النهائيَّةِ للعملِ السينمائي، وكيف فكَّ شفرةَ شخصيَّةِ والدِ «الست» الذي لم يُعرَف عنه الكثير، كما يُقدِّم رؤيتَه للفيلمِ، الذي وصفه بـ «أيقونةٍ للتاريخ». وكان لنا معه الحوار التالي.
بدايةً، فيلمُ «الست» عملٌ ضخمٌ ومحفوفٌ بالمخاطر، صِف لنا شعورك الأوَّلَ عند مشاهدةِ النتيجةِ النهائيَّة؟
بكلِّ صدقٍ، عندما شاهدتُ الفيلمَ، «انبهرت» به كثيراً. الأمرُ، يتجاوزُ مجرَّد الإعجابِ بعملٍ فنِّي، شاركتُ فيه، فكلُّ مشهدٍ، كان يمرُّ أمامي، كنت أجدُ نفسي أردِّد كلمةَ «الله» من فرطِ الجمالِ والدقَّة. سعيدٌ وفخورٌ جداً بكوني جزءاً من هذا المشروع، وأثقُ تماماً أن هذا الفيلم، سيُصبح «أيقونةً سينمائيَّةً»، ستعيشُ طويلاً في تاريخِ السينما.
تُجسِّد شخصيَّةَ الشيخِ إبراهيم البلتاجي، والدِ أم كلثوم، كيف رأيتَ هذا الرجلَ الذي يقفُ خلفَ الأسطورة؟
الشيخُ إبراهيم، ليس مجرَّد أبٍ، إنه الحالمُ الأوَّل. لقد بدأ رحلته مع ابنته، وهي طفلةٌ في الخامسةِ من عمرها، وكان يمتلك ثقةً عمياءَ في موهبتها، وكأنَّها موهبتُه هو شخصياً. كان يحلمُ من خلالها بالمجدِ، والنجاحِ، والشهرة، وظلَّ يُوجِّهها ويرعاها حتى اشتدَّ عودها، وحملت الراية. بالنسبةِ لي، هو يُمثِّل المعنى الحقيقي للتحدِّي، والطموحِ، والإصرارِ، والتضحية.
شخصيَّةُ والدِ أم كلثوم لا تتوفَّرُ عنها مراجعُ بصريَّةٌ، أو تسجيلاتٌ كثيرةٌ، كيف استطعت «مذاكرةَ» الدورِ والتحضيرَ له؟
هنا يأتي دورُ المخرجِ الكبير مروان حامد. جلسنا سوياً، وبدأنا في «تفتيحِ» الأفكارِ والنقاشات. أذكرُ أن مروان، سألني سؤالاً مفتاحياً: «من أين جاءت أم كلثوم بحضورها الطاغي، وسرعةِ بديهتها، وخفَّةِ دمها المعروفةِ، وقدرتها على الردِّ المفحم؟». إجابتي كانت قاطعةً: «من أبيها بالتأكيد». هو مَن ربَّاها، وهو مَن علَّمها كيفيَّةَ المواجهة. تلك الصلابةُ والقدرةُ على التعاملِ مع المواقفِ الصعبة التي تميَّزت بها الست، هي في الأصلِ ميراثٌ، اكتسبته، وبنته من شخصيَّةِ والدها الشيخِ إبراهيم.
كلمةٌ أخيرةٌ عن التجربة؟
الفيلمُ، ليس مجرَّد سيرةٍ ذاتيَّةٍ تقليديَّةٍ، نعرفُ أحداثها مسبقاً، بل هو طرحٌ جديدٌ كلياً وجريءٌ لحياةِ هذه السيِّدةِ العظيمة، وأشكرُ المخرجَ مروان حامد على هذه الرؤية.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط






