في عامِ 2001، حين كانت البيئةُ الرياضيَّةُ للناشئين في جدة تفتقرُ إلى التنظيمِ والاحترافيَّة، قرَّر رائدُ الأعمالِ كريم لنجاوي أن يضعَ حجرَ الأساسِ لمشروعٍ يتجاوزُ حدودَ الرياضة، ليصلَ إلى بناءِ المجتمع. كريم، الذي صقلته الخبراتُ بين إنجلترا وكاليفورنيا، وعملَ في أكبر أسواقِ المالِ العالميَّة، عاد إلى وطنه ليُحوِّل شغفه بالكرةِ والبحرِ إلى واقعٍ ملموسٍ. واليوم، يروي لنا لنجاوي قِصَّة «نادي البحر الأحمر لكرة القدم»، وكيف تحوَّلَ من ملعبٍ مستأجرٍ، وأربعةِ أطفالٍ إلى مؤسَّسةٍ رياضيَّةٍ تربويَّةٍ، صاغت ذكرياتِ أجيالٍ.
كريم لنجاوي

كوتش كريم، بالعودةِ إلى بداياتِ الألفيَّةِ الجديدة، ما الذي دفعَ خبيراً في الاقتصادِ والأسواقِ الآجلة إلى ترك عالمِ الأرقامِ وتأسيسِ ملعبٍ لكرةِ القدم؟
الفكرةُ وُلِدَت من ملاحظةٍ ميدانيَّةٍ بسيطةٍ. في ذلك الوقتِ لم تكن هناك أماكنُ مهيَّأةٌ للأطفالِ لتطويرِ مهاراتهم ضمن بيئةٍ آمنةٍ وطبيعيَّةٍ. رأيتُ فجوةً كبيرةً في التدريبِ الفنِّي، وأيضاً في غيابِ المكانِ الذي يُتيح للصغارِ بناءَ علاقاتٍ اجتماعيَّةٍ إيجابيَّةٍ. الإلهامُ الشخصي جاء من أخي الأصغر وأصدقائه الذين كانوا يطلبون مني تعليمهم مهاراتِ الكرة، فأدركتُ أن هذه الحاجةَ عامَّةٌ. أردتُ إنشاءَ مكانٍ يستثمرُ طاقاتِ الأطفال بعيداً عن العشوائيَّة، ولأن كرةَ القدمِ والبحرَ هما الأقربُ لقلبي فقد اخترتُ اسمَ «نادي البحر الأحمر» ليعكسَ هويَّتي وشغفي ببيئتي.
تحدَّثت عن تحدِّياتِ التأسيسِ عامَ 2001، كيف كانت الخطواتُ الأولى على أرضِ الواقع؟
التحدِّي الأكبر كان: «هل سيتقبَّلُ المجتمع فكرةَ نادٍ منظَّمٍ للأطفال؟». بدأتُ بشكلٍ بسيطٍ عبر استئجارِ ملعبٍ عشبي طبيعي بالقربِ من شارعِ «التحلية»، واشتريتُ 20 كرةً، وصندوقَ تبريدٍ للمشروبات، وبدأنا بأربعةِ أطفالٍ فقط، وهم أخي وثلاثةٌ من أصدقائه، ثم ومع تزايد الإقبالِ سافرتُ إلى إنجلترا للحصولِ على رخصةِ التدريبِ الرسميَّة، لأنني آمنتُ بأن الاحترافيَّةَ سرُّ الاستدامةِ والتميُّز.
يتميَّزُ النادي بمعاييرَ دقيقةٍ جداً في التدريبِ والمعدَّات، ما القواعدُ الصارمةُ التي تتبعونها؟
التنظيمُ، هو الركيزةُ الأساسيَّة. على مدارِ 25 عاماً بنينا نظاماً يُدرِّب الأطفالَ ضمن فئاتهم العمريَّةِ من أجل ضمانِ التطوُّرِ والاستمتاع. لا يمكن التعاملُ مع الطفلِ الصغيرِ كما نتعاملُ مع المراهق، لذا نحرصُ على اختيارِ مدربين يفهمون هذه الفوارقَ النفسيَّة. كذلك نستخدمُ معدَّاتٍ مخصَّصةً: كراتٌ بحجمِ 2 للصغار، وصولاً للحجمِ 5 للكبار، تماماً كما في التنسِ والبيسبول، فالهدفُ هو تمكينُ الطفل، وتعزيزُ ثقته بنفسه عبر أدواتٍ تُناسب قدراته البدنيَّة.
تعرفي أيضًا على الباحث السعودي فيصل درويش الغامدي
لماذا تصرُّون على استخدامِ العشبِ الطبيعي على الرغمِ من تكاليفِ صيانته المرهقة؟
لأن السلامةَ عندنا مسؤوليَّةٌ، وليست خياراً. العشبُ الطبيعي يُوفِّر سطحاً أكثر أماناً وراحةً، ويُقلِّل احتمالاتِ الإصابة. نحن نحرصُ على أعدادٍ محدَّدةٍ في كلِّ مجموعةٍ، وإجراءِ فحصٍ دوري للمعدَّات، فأطفالنا هم أغلى ما لدينا، ولا مجالَ للتهاونِ في حمايتهم، أو جودةِ البيئةِ التي ينمون فيها.
كيف تطوَّر النادي من مجرَّد مكانٍ للتدرُّبِ على الكرة إلى وجهةٍ عائليَّةٍ متكاملةٍ؟
عملنا لمدةِ خمسةِ أعوامٍ في ملاعبَ مستأجرةٍ، لكنني أدركتُ أن بناءَ شيءٍ حقيقي يتطلَّبُ الاستقلال. بفضل الله، طوَّرنا منشأةَ الخالديَّة، ثم انتقلنا إلى حي الشاطئ. واجهنا تحدِّياتٍ كبيرةً خلال جائحةِ كورونا، لكنَّنا استثمرنا في الموقعِ الجديد، ليُصبح اليوم وجهةً تجمعُ العائلةَ، والصحَّةَ، والمجتمع. نحن الآن نُقدِّم معسكراتٍ موسميَّةً، وبطولاتٍ وفعاليَّاتٍ يُشارك فيها الأهلُ أبناءَهم، لتُصبح التجربةُ مشتركةً، وليست مجرَّد مراقبةٍ من المدرَّجات.
كوتش كريم، ما خطَّتُكم المقبلةُ في ظلِّ رؤيةِ 2030؟
رؤيتنا طويلةُ المدى. نحن نسعى إلى تطويرِ المنشأةِ لتُصبح وجهةً رياضيَّةً متكاملةً عبر توسيعِ الأنشطة، والحفاظِ على أعلى المعايير. فخورٌ جداً بشبابٍ مثل حسن، وهم الدافعُ لنا لنستمر. هدفنا يبقى ثابتاً: إنشاءُ مكانٍ يجمعُ الرياضةَ، والعائلةَ، والمجتمعَ بطريقةٍ هادفةٍ ومستدامةٍ، تُسهم في بناءِ أجيالٍ تخدمُ الوطنَ بكلِّ شغفٍ واقتدارٍ.
ما رأيك بالتعرف على حارسة مرمى فريق الهلال ليلى القحطاني
«نقدم في نادي البحر الأحمر معسكرات موسمية، وبطولات وفعاليات يشارك فيها الأهل أبناءهم، لتصبح التجربة مشتركة، وليست مجرد مراقبة من المدرجات»
شهادة من الميدان: حسن أبو الجدايل

حسن أبو الجدايل، أنت مؤسِّسُ وكالةِ HJPR، وأحدُ أبناءِ النادي الذين عادوا إليه بعد 15 عاماً، ما الذي تتذكَّره من طفولتك في هذا المكان؟
ذكرياتي مرتبطةٌ بصورةِ «الملعب الاحترافي»، وعصيرِ التوت الشهير. دخلتُ النادي في سنِّ السابعة محاولاً إبهارَ الكوتش كريم بمهاراتي، ووجدتُ بيئةً استقبلتني بحبٍّ واحترافيَّةٍ. جائزةُ «أفضل لاعبٍ» في بطولةِ البحر الأحمر لا تزالُ في منزلي حتى اليوم، وهي تُذكِّرني دائماً بكيف بدأت ثقتي بنفسي تتشكَّلُ هنا.
كيف أثَّرت تلك الفترةُ في مسيرتك المهنيَّةِ الحاليَّة؟
النادي لم يُعلِّمني كرةَ القدم فقط، بل علَّمني أيضاً القيادةَ والمهاراتِ الاجتماعيَّة. قضيتُ أعوامَ دراستي في لندن، وعندما عدتُ اليوم بوصفي صاحبَ وكالةِ دعايةٍ وجدتُ نفسي في الملعبِ نفسه أصوِّر حملةً لنجمةِ كرةِ قدمٍ سعوديَّةٍ. الدائرةُ اكتملت، فالروحُ التي زرعها الكوتش كريم هي التي شقَّت طريقي للنجاح.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

Google News