mena-gmtdmp

هارالد الخامس.. الحكاية الكاملة لملك النرويج الذي قهر المنفى وانتصر للحب

الملك هارالد الخامس ملك النرويج - Photo by Marcelo Hernandez/Getty Images
الملك هارالد الخامس ملك النرويج - Photo by Marcelo Hernandez/Getty Images

لم تكن حياة الملك هارالد الخامس رحلة ملكية تقليدية تبدأ من القصور وتنتهي عند العرش، بل بدأت بقصة طفل اضطرته الحرب إلى مغادرة وطنه، فعاش سنوات من طفولته بعيداً عن النرويج، قبل أن يعود إليها في الثامنة من عمره وسط حشود احتفلت بعودة العائلة المالكة وانتهاء سنوات الاحتلال. ومن تلك البداية القاسية، كبر الأمير ليصبح رياضياً أولمبياً خاض ثلاث دورات في الإبحار، ورجلاً تمسك بحب امرأة من عامة الشعب رغم تحفظات البلاط، ثم ملكاً دستورياً اختار أن يجعل قربه من الناس جزءاً من معنى العرش نفسه.

وفي 28 أغسطس 2026، توفي الملك هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً، بعد 35 عاماً قضاها على عرش النرويج، وفق إعلان البلاط الملكي النرويجي، منهياً مسيرة ملكية طويلة بدأت عام 1991 واستمرت حتى أيامه الأخيرة. رحل تاركاً خلفه زوجته الملكة سونيا بعد زواج دام 57 عاماً، وابنته الأميرة مارثا لويز، وخمسة أحفاد، فيما انتقلت مسؤولية العرش إلى نجله وولي عهده هاكون.

لكن اختزال هارالد الخامس في سنوات حكمه أو في عمره الطويل لا يروي الحكاية كاملة؛ فخلف الصورة الرسمية كان هناك طفل اختبر معنى المنفى، وشاب وجد في الإبحار مساحة للمنافسة وإثبات الذات، ورجل دافع عن اختياره العاطفي أمام تقاليد البلاط، وملك أصبح حضوره جزءاً من ذاكرة النرويجيين في لحظات الفرح والحزن على حد سواء.

كانت حياته، في جانب كبير منها، رحلة من الحرب إلى الاستقرار، ومن وريث للعرش إلى ملك يرى أن التاج ليس امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية يؤديها حتى النهاية.

 

 

طفل صغير اقتلعته الحرب من وطنه

وُلد هارالد في 21 فبراير 1937 في ضيعة «سكوجوم» بمدينة أسكر، وهو الابن الثالث لولي العهد الأمير أولاف والأميرة مارتا، والابن الذكر الوحيد بين أشقائه. وكان ميلاده حدثاً استثنائياً في تاريخ الملكية النرويجية؛ إذ كان أول أمير نرويجي يولد في البلاد منذ 567 عاماً، في وقت كان فيه الدستور يحصر وراثة العرش في الذكور.

أمضى هارالد سنواته الثلاث الأولى في سكوجوم مع شقيقتيه الأميرة راغنهيلد والأميرة أستريد، قبل أن تنقلب طفولته فجأة في التاسع من أبريل 1940، عندما غزت القوات الألمانية النرويج.

غادرت العائلة المالكة والحكومة ومعظم أعضاء البرلمان أوسلو هرباً من قوات الاحتلال. وفي خضم تلك الفوضى، توجه الملك هاكون السابع وولي العهد أولاف بعيداً عن العاصمة، بينما عبرت الأميرة مارتا الحدود إلى السويد برفقة أطفالها الثلاثة.

لكن السويد لم تكن المحطة الأخيرة في رحلة العائلة. وفي أغسطس 1940، انتقلت الأميرة مارتا وأطفالها إلى الولايات المتحدة، حيث عاشوا سنوات الحرب في منطقة واشنطن، بعيداً عن النرويج التي بقيت تحت الاحتلال.

وهكذا، وجد الطفل الذي كان يفترض أن يعيش طفولته بين القصور الملكية نفسه بعيداً عن وطنه، في واحدة من أكثر مراحل التاريخ الأوروبي اضطراباً.

خمس سنوات في أمريكا صنعت علاقة استمرت طوال حياته

لم تكن السنوات التي أمضاها هارالد في الولايات المتحدة مجرد فترة لجوء مؤقتة؛ فقد تركت أثراً عميقاً في شخصيته وعلاقته اللاحقة بالبلاد.

استضافت الأسرة في الولايات المتحدة، حيث وجدت الأمان بعيداً عن الحرب، وارتبطت بعلاقة وثيقة بالرئيس فرانكلين روزفلت. وعندما عاد هارالد إلى الولايات المتحدة بعد عقود، لم يتحدث عن تلك السنوات باعتبارها مجرد مرحلة في زمن الحرب، بل استعادها باعتزاز واضح.

وفي خطاب ألقاه خلال زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، قال هارالد إنه لن ينسى أبداً استقبال الأمريكيين لعائلته عندما أُجبرت على الفرار من النرويج، مؤكداً أن الولايات المتحدة احتلت مكانة خاصة في قلبه منذ تلك السنوات الخمس.

كانت التجربة المبكرة ذات أهمية خاصة لطفل سيصبح لاحقاً ملكاً؛ فقد عرف هارالد منذ سنواته الأولى معنى الابتعاد عن الوطن، والعيش في مجتمع مختلف، ومراقبة الحرب من بعيد بينما كان والده وجده يؤديان أدوارهما في زمن الاحتلال.

وعندما انتهت الحرب، عاد الطفل إلى بلاده.

في السابع من يونيو 1945، عاد هارالد إلى النرويج مع أفراد العائلة المالكة، واستقبلتهم حشود ضخمة في أوسلو، في مشهد جمع بين نهاية الاحتلال وعودة الأسرة التي ارتبطت في وجدان النرويجيين باستمرار الدولة خلال سنوات الحرب.

كانت تلك العودة من أكثر الصور المبكرة التي ستبقى مرتبطة بسيرة الملك الراحل: طفل صغير يغادر بلاده هرباً من الحرب، ثم يعود إليها وسط احتفال شعبي بانتهاء واحدة من أكثر مراحل تاريخها قسوة.

أمير في مدرسة حكومية.. وتربية بعيداً عن عزلة القصر

بعد العودة إلى النرويج، حرصت العائلة المالكة على ألا ينشأ الأمير هارالد في عزلة كاملة عن المجتمع، التحق بمدرسة حكومية في أوسلو، وتلقى تعليمه إلى جانب أطفال من خارج الأوساط الملكية. وحتى مع وجود الحراسة، كانت التجربة أقرب إلى الحياة اليومية العادية من التعليم الملكي المنعزل الذي كان شائعاً في أوساط الأسر الحاكمة.

كان الهدف واضحاً: أن يكبر وريث العرش وهو يعرف المجتمع الذي سيصبح مسؤولاً عن تمثيله، وأن يعيش جزءاً من طفولته في البيئة نفسها التي يعيش فيها أبناء النرويجيين العاديين.

أكمل هارالد تعليمه في مدرسة كاتدرائية أوسلو، ثم خدم في الجيش والتحق بتدريب الضباط، قبل أن ينتقل إلى المملكة المتحدة للدراسة في جامعة أكسفورد، حيث درس العلوم الاجتماعية والتاريخ والاقتصاد في كلية باليول بين عامي 1960 و1962.

كانت تلك السنوات جزءاً من إعداد طويل للأمير الذي كان يعرف منذ طفولته أنه سيصبح يوماً ملكاً.

لكن هارالد لم يسمح للواجب الملكي بأن يطغى على الجانب الذي سيصبح لاحقاً واحداً من أكثر ملامح شخصيته وضوحاً: الرياضة.

 

 

من وريث للعرش إلى بطل أولمبي في الإبحار

كان البحر بالنسبة إلى هارالد أكثر من مجرد هواية عائلية؛ فقد تحول إلى شغف رياضي حقيقي رافقه لعقود، ورث حب الإبحار عن والده الملك أولاف الخامس، وبدأ المنافسة في سن مبكرة، قبل أن يصل إلى الساحة الأولمبية.

وبصفته ولياً للعهد، مثل هارالد النرويج في الإبحار خلال ثلاث دورات أولمبية، هي طوكيو عام 1964، ومكسيكو سيتي عام 1968، وميونيخ عام 1972. وكان حامل علم بلاده في مراسم افتتاح أولمبياد طوكيو عام 1964.

لكن مسيرته البحرية لم تتوقف عند الأولمبياد، ففي عام 1987، حقق هارالد وطاقمه إنجازاً بارزاً عندما فازوا ببطولة العالم في فئة القوارب ذات الطن الواحد على متن «فرام إكس»، بينما حقق مع طاقمه بطولة أوروبا عام 2005 على متن «فرام إكس في».

والأكثر دلالة أن هارالد لم يتعامل مع الإبحار بوصفه مرحلة شبابية انتهت مع تقدمه في العمر. ظل يشارك في السباقات الوطنية والدولية لعقود، قبل أن يعلن انتهاء مسيرته في الإبحار التنافسي عام 2022.

كان البحر بالنسبة إليه مساحة مختلفة عن القصر؛ هناك لا قيمة للقب الملكي أمام الرياح والوقت والمنافسة، ولا ينجح الفريق إلا إذا عمل أفراده معاً.

قصة حب استمرت تسع سنوات ووضعت التقاليد أمام اختبار صعب

إذا كان البحر قد منح هارالد مساحة للمنافسة، فإن سونيا هارالدسن منحته واحدة من أصعب معاركه الشخصية.

التقى هارالد بسونيا عام 1959، ونشأت بينهما علاقة عاطفية استمرت تسع سنوات، في وقت كانت فيه فكرة زواج وريث العرش من امرأة من عامة الشعب بعيدة عن التقاليد الملكية السائدة.

لم تكن المشكلة عاطفية فقط؛ فقد كانت مرتبطة أيضاً بمستقبل العرش، إذ كانت قواعد وراثة التاج في ذلك الوقت تقصر الخلافة على الذكور.

تمسك هارالد بموقفه، وأبلغ والده الملك أولاف أنه لن يتزوج امرأة أخرى إذا لم يحصل على الموافقة على زواجه من سونيا.

أصبح الموقف قضية تتجاوز حدود الحياة الخاصة؛ فزواج ولي العهد من امرأة من عامة الشعب كان يمكن أن يفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل الملكية نفسها، وبعد مشاورات مع الحكومة والبرلمان والقوى السياسية، جاءت الموافقة.

وفي 29 أغسطس 1968، تزوج هارالد وسونيا في كاتدرائية أوسلو، في واحدة من أكثر الزيجات أهمية في تاريخ الملكية النرويجية الحديث.

لم يكن الزواج مجرد نهاية لقصة حب طويلة؛ فقد شكل أيضاً خطوة إضافية نحو مؤسسة ملكية أكثر قرباً من المجتمع.

الملكة سونيا.. شريكة العرش والمسيرة

بعد الزواج، استقر الزوجان في ضيعة سكوجوم، ورُزقا بابنتهما الأميرة مارثا لويز عام 1971، ثم نجلهما الأمير هاكون عام 1973، وعندما اعتلى هارالد العرش عام 1991، أصبحت سونيا ملكة النرويج، ورافقته في أداء جانب كبير من مهامه الرسمية، مع تركيز خاص على الثقافة والفنون والعمل العام.

وبمرور السنوات، تحولت العلاقة التي بدأت باعتبارها تحدياً لتقاليد البلاط إلى شراكة ملكية استمرت أكثر من نصف قرن.

وفي عام 2018، احتفل الزوجان بالذكرى الخمسين لزواجهما، لتصبح قصة الحب التي أثارت المخاوف قبل عقود واحدة من أكثر القصص استقراراً في تاريخ العائلة المالكة النرويجية.

الملك في دور الأب والجد

خلف الواجبات الرسمية، ظل هارالد مرتبطاً بصورة العائلة.

  • وفي عام 2001، تزوج نجله ولي العهد هاكون من ميتّه ماريت، وانضمت إلى الأسرة الملكية برفقة ابنها من علاقة سابقة، ماريوس بورغ هويبي، الذي نشأ داخل العائلة دون لقب ملكي أو مكان في خط الخلافة.
  • وفي عام 2004، ولدت الأميرة إنغريد ألكسندرا، التي أصبحت لاحقاً الثانية في ترتيب ولاية العرش، ثم ولد الأمير سفيري ماغنوس عام 2005.
  • كما أصبح هارالد جداً لثلاث حفيدات من ابنته الأميرة مارثا لويز وزوجها السابق الراحل آري بيهن، هن ماود أنجيليكا، وليا إيزادورا، وإيما تالولا.
  • وفي هذه الدائرة العائلية، ظهر جانب آخر من شخصية الملك؛ الرجل الذي يمكن أن يخلع عن نفسه للحظات صرامة البروتوكول ليكون أباً وجداً وسط عائلته.

1991.. اعتلاء العرش وإحياء تقاليد عمرها قرون

في 17 يناير 1991، توفي الملك أولاف الخامس، وأصبح ولي العهد هارالد ملكاً للنرويج، وبعد أربعة أيام، أدى الملك الجديد اليمين الدستورية أمام البرلمان، متعهداً بالحفاظ على الدستور وقوانين المملكة. وفي 23 يونيو من العام نفسه، أقيمت مراسم تكريس الملك والملكة في كاتدرائية نيداروس بمدينة تروندهايم، بناءً على رغبتهما، في احتفال جمع بين التقاليد التاريخية والمفهوم الحديث للملكية الدستورية.

اختار هارالد أيضاً الاحتفاظ بالشعار الذي حمله والده وجده: «كل شيء من أجل النرويج» ومع مرور السنوات، أصبح الشعار أقرب إلى تعريف مختصر لطريقة أدائه للمنصب.


هارالد والطبيعة.. شغف تجاوز حدود الهواية

لم تكن الطبيعة بالنسبة إلى هارالد مجرد خلفية لحياته الرياضية، كان يمارس الأنشطة في الهواء الطلق، ويحب الصيد وصيد الأسماك، ويحتفظ بعلاقة وثيقة بالبيئة النرويجية.

كما ارتبط اسمه بالعمل البيئي منذ وقت مبكر، إذ ترأس الفرع النرويجي للصندوق العالمي للطبيعة بين عامي 1970 و1990.

وكان اهتمامه بالبيئة جزءاً من نشاطه العام، وليس مجرد هواية شخصية؛ فقد تحدث في مناسبات عدة عن التغير المناخي وحماية الطبيعة وضرورة أن تتحمل الأجيال مسؤولية المستقبل.

في السادسة والسبعين.. هارالد يعيش أربعة أيام في قلب الأمازون

من أكثر القصص الإنسانية التي تكشف شخصية هارالد بعيداً عن القصر رحلته إلى غابات الأمازون في البرازيل عام 2013، عندما كان في السادسة والسبعين من عمره.

أقام الملك أربعة أيام مع شعب يانومامي في قرية ديميني النائية، في رحلة جاءت بدعوة من مؤسسة الغابات المطيرة النرويجية.

هناك، نام في أرجوحة مثل سكان القرية، وتناول طعامهم، ورافق بعض الصيادين إلى الغابة، واطلع على طريقة حياتهم وارتباطهم بالأرض والطبيعة.

كانت الرحلة مختلفة تماماً عن الزيارات الملكية التقليدية؛ فلم يكن الهدف استقبالاً رسمياً أو مأدبة دولة، بل تجربة مباشرة لحياة مجتمع يعيش في بيئة بعيدة تماماً عن العالم الذي اعتاده الملك.

وفي تلك الرحلة ظهر هارالد كما عرفه النرويجيون في جوانب كثيرة من حياته: فضولياً، محباً للطبيعة، ومستعداً لخوض التجربة بنفسه بدلاً من الاكتفاء بمشاهدتها من بعيد.

الرياضة بقيت جزءاً من شخصيته حتى السنوات الأخيرة

لم يتخل هارالد عن الرياضة حتى بعد أن أصبح ملكاً، كان معروفاً بمتابعته للرياضات النرويجية، وخصوصاً منافسات التزلج والرياضات الشتوية، كما ظل قريباً من الرياضيين ومشجعاً لهم.

وفي عام 2011، حصل على الجائزة الفخرية في حفل الرياضة النرويجي تقديراً لعقود من ارتباطه بالرياضة ودعمه لها.

لكن ربما كان أكثر ما يميزه أن علاقته بالرياضة لم تكن من موقع المشجع فقط؛ فقد كان منافساً حقيقياً، واستمر في الإبحار التنافسي حتى عام 2022، عندما وضع نهاية لمسيرة بحرية امتدت نحو 75 عاماً.

 

 

المرض.. جسد يتعب وملك يتمسك بالواجب

شهدت السنوات الأخيرة من حياة هارالد تراجعاً صحياً تدريجياً، لكنه ظل حريصاً على العودة إلى مهامه كلما سمحت حالته بذلك، وواجه الملك عدة أزمات صحية، من بينها علاجه من سرطان المثانة، ثم مشكلات القلب التي تطلبت تدخلات جراحية، إضافة إلى جراحة في الركبة، وعدوى تنفسية، ومشكلات صحية لاحقة تطلبت تركيب جهاز لتنظيم ضربات القلب.

وفي عام 2024، تعرض لوعكة صحية أثناء وجوده في ماليزيا، حيث عولج من عدوى وانخفاض في معدل ضربات القلب، قبل أن يخضع لاحقاً لتركيب جهاز دائم لتنظيم ضربات القلب في النرويج.

ورغم هذه المتاعب، ظل هارالد يعود إلى العمل الرسمي بعد كل أزمة صحية تقريباً، وكأن العودة إلى واجبه كانت جزءاً من الطريقة التي واجه بها تقدمه في العمر.

وفي أغسطس 2026، تدهورت حالته الصحية بصورة خطيرة. وأعلن البلاط الملكي في 28 أغسطس أن الملك توفي بهدوء في مستشفى أوسلو الجامعي عند الساعة 6:35 صباحاً.

«القسم يستمر مدى الحياة».. لماذا رفض هارالد التقاعد؟

ربما لا توجد عبارة تختصر علاقة هارالد بالعرش أكثر من موقفه من فكرة التنازل عنه، ففي يناير 2024، وبعد إعلان ملكة الدنمارك مارغريت الثانية تنحيها عن العرش، عاد السؤال إلى الواجهة: هل يمكن أن يفعل هارالد الشيء نفسه ويسلم المسؤولية إلى نجله؟

لكن الملك كان واضحاً في موقفه، وأكد أنه أدى قسماً أمام البرلمان عندما اعتلى العرش، وأن هذا القسم بالنسبة إليه يستمر مدى الحياة.

لم يكن ذلك مجرد رفض للتقاعد؛ بل كان تعبيراً عن فهمه للملكية بوصفها عهداً ومسؤولية، لا وظيفة يمكن تركها عندما يصبح الاستمرار فيها أكثر صعوبة.

ولهذا، حتى عندما أصبحت صحته أكثر هشاشة، ظل متمسكاً بفكرة أن واجبه ينتهي فقط عندما تنتهي حياته.

الملك هارالد الخامس.. نهاية رجل بدأت قصته بالمنفى

عندما ننظر إلى حياة هارالد الخامس من نهايتها، قد يبدو الأمر كأنه مسار ملكي طويل: أمير، ثم ولي للعهد، ثم ملك، ثم أقدم ملوك أوروبا عمراً، قبل أن يرحل في التاسعة والثمانين.

لكن النظر إلى البداية يغير الصورة تماماً، كان طفلاً في الثالثة عندما غادر وطنه بسبب الحرب. عاش سنواته الأولى في الولايات المتحدة، ثم عاد إلى النرويج ليكبر بين أبناء شعبه. أصبح رياضياً أولمبياً، وفاز ببطولات عالمية وأوروبية في الإبحار. أحب امرأة من خارج الأسر الملكية، وتمسك بها حتى أصبحت ملكة إلى جواره. أصبح أباً وجداً، وواجه المرض مرات عديدة، لكنه ظل يعود إلى واجبه.

وعندما أصبح ملكاً، لم يحاول أن يجعل التاج أكبر من المجتمع، بل جعل نفسه أقرب إلى المجتمع.

وقف إلى جانب النرويجيين في لحظات الحزن، واحتفل معهم في أوقات الفرح، وتحدث عن وطن يرى أن قيمته الحقيقية تكمن في أهله، لا في حدوده وحدها.

وفي النهاية، بقي وفياً للمبدأ الذي عبّر عنه بوضوح عندما سُئل عن التقاعد: القسم الذي أداه أمام البرلمان يستمر مدى الحياة.

رحل هارالد الخامس في 28 أغسطس 2026، بعد 35 عاماً على العرش، تاركاً وراءه ملكية ارتبطت خلال عهده بصورة أكثر قرباً من الناس، وذاكرة شخصية تجمع بين الطفل الذي عرف المنفى، والبحار الذي أحب المنافسة، والرجل الذي تمسك بحبه، والملك الذي رأى في منصبه عهداً لا ينتهي إلا بانتهاء الحياة.

ويبقى الشعار الذي حمله هارالد ووالده وجده، أكثر من مجرد عبارة ملكية، بل خلاصة لمسيرته كلها:«كل شيء من أجل النرويج».

يمكنكِ التعرف إلى المزيد: الديوان الملكي النرويجي يشارك أول صورة للأميرة ميت ماريت بعد عملية زراعة رئة

لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»

وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»

ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»