mena-gmtdmp

كيف يؤثر التفكير السلبي المتكرر في الدماغ والمزاج؟

التفكير السلبي يُدخل الشخص لحلقة مفرغة- المصدر magnific
التفكير السلبي يُدخل الشخص لحلقة مفرغة- المصدر magnific

قد تمر بأحداث إيجابية عديدة، غير أن الأحداث السلبية هي التي تعلق في ذهنك وتكررها مرارا وتكرارا، ربما بحثًا عن حل، أو محاولة للخروج من الشعور السلبي.
وتكرار التفكير السلبي وبقاءه في الدماغ لفترات أطول، هو حالة معروفة فسرها الخبراء، وتعرف باسم "الاجترار الفكري" أو التفكير السلبي المتكرر. هذا النموذج من التفكير ليس مجرد عادة ذهنية عابرة، بل له أثر فعلي وملموس على الدماغ ووظائفه، بحسب أحدث الدراسات العصبية في هذا المجال.

ما الذي يحدث داخل الدماغ بسبب التفكير السلبي؟

بحسب موقع Psychology Today، فإن مصطلح "rumination" أو الاجترار الفكري مستوحى من عملية اجترار الحيوانات كالأغنام والماعز لطعامها، وهنا المقصود هو أن الإنسان يميل إلى التفكير القائم على إعادة استعادة الأفكار السلبية هي نفسها، مثل الحزن أو القلق أو الأسى، بشكل متكرر ومؤلم.
ويوضح الموقع أن هذا النمط من التفكير يرتبط بشكل مباشر بمنطقة في الدماغ تُعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي"، وهي مجموعة من مناطق الدماغ التي تنشط حين يشرد ذهنك أو تستغرق في التفكير عن حياتك، كما تحدث حين تستعيد ذكرى قديمة أو تفكر في مشكلة شخصية رغم عدم وجود أي محفز خارجي تسبب في ذلك.

جلسات التأمل طريقة لمواجهة الأفكار السلبية- المصدر magnific

دراسة تكشف سبب تكرار التفكير السلبي

أجرى فريق بحثي من جامعة ستانفورد بقيادة الدكتور جيه بول هاملتون، ونُشرت بمجلة Biological Psychiatry. وخلصت هذه الدراسة، إلى أن هناك سبب علمي لتكرار التفكير السلبي، وهو حالة تحدث حين تتزامن منطقة في الدماغ تُعرف بـ"القشرة الجبهية الأمامية تحت الجينية" مع شبكة الوضع الافتراضي.
وللإيضاح، قال القائمين على الدراسة إن هذه المنطقة من الدماغ تلعب في الحالة الطبيعية دورًا مفيدًا، إذ تساعد على التفكير بعمق في المشكلات لإيجاد حلول لها. لكن في حالة الحزن أو الاكتئاب، تفقد هذه المنطقة توازنها وتستحوذ على عملية التفكير الذاتي بطريقة سلبية، فتتحول من أداة للتأمل الحلول، إلى محرك لحلقة مفرغة من الأفكار المؤلمة المتكررة.

التفكير السلبي المتكرر يضعف الذاكرة

التفكير السلبي المتكرر لا يدخل صاحبه في حالة من الحزن و القلق فحسب، بينما يبدو أنه يؤثر أيضًا على الذاكرة. فقد كشفت دراسة نُشرت في مجلة Cognition and Emotion، أُجريت في مركز صحة الدماغ بجامعة تكساس في دالاس، أن الأشخاص الذين يمرون بحالة مزاجية سلبية شهدوا انخفاضًا بنسبة 12 بالمئة في قدرة الذاكرة، مقارنة بمن لا يمرون بهذه الحالة.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، نيكولاس هوبارد، أن الأشخاص أصحاب المزاج السلبي يمتلكون في الأساس قدرة مماثلة على تذكر المعلومات، لكن المشكلة تكمن في عجزهم عن تحويل انتباههم بعيدًا عن الأفكار السلبية المتكررة، وهو ما يستنزف مساحة كبيرة من ذاكرتهم العاملة ويضعف أداءهم الذهني في المهام اليومية.

لماذا يصعب الخروج من التفكير السلبي

الاجترار الفكري، و هو المسمى العلمي لحالة التفكير السلبي المتكرر دون توقف، يشبه إلى حد كبير من يجري على عجلة رياضية دون أن يصل لأي مكان، فالجهد الذهني مستمر، لكن النتيجة غالبًا صفر. ويعود ذلك إلى أن الدماغ في هذه الحالة تظل حبيسة نفس المسارات العصبية، دون أن يفتح مجالًا لأفكار أو زوايا نظر جديدة.
اقرأي أيضًا هل الضحك أفضل دواء.. ما رأي علم النفس؟

طرق مقترحة لكسر للخروج من التفكير السلبي

بحسب ما أشار إليه التقرير، فإن الفصل بين نشاط القشرة الجبهية الأمامية وشبكة الوضع الافتراضي قد يكون مفتاح لكسر هذه الحلقة غير المجدية، ومن الطرق المقترحة لتحقيق ذلك:

ممارسات اليقظة الذهنية

تساعد تمارين التأمل والتنفس على تحويل انتباه الدماغ بعيدًا عن حلقة الأفكار المتكررة، وإعادة توجيهها نحو اللحظة الحالية، وهو شيء غاية من الأهمية، لأننا حين نغرق في التفكير السلبي نفقد تمامًا ما يحدث "الآن".

النشاط الحركي

أشارت دراسة أخرى ذُكرت في التقرير السابق إلى أن ممارسة أنشطة بدنية تتطلب توازنًا حركيًا، كتسلق الأشجار أو المشي على خط سير معين، ارتبطت بزيادة الذاكرة العاملة بنسبة تصل إلى 50 بالمئة، ما يجعلها وسيلة للمساعدة على كسر نمط التفكير السلبي.

تنشيط المشاعر الإيجابية عن عمد

يشير الخبراء إلى أن التفكير السلبي المتكرر هو في جوهره عكس الاستمتاع بالمشاعر الإيجابية، لذا يمكنك تذكر الأحداث الإيجابية عن عمد كطريقة للعلاج، وتنشيط مراكز المكافأة في الدماغ، فهذا يكسر حلقة التفكير السلبي.
ما نستخلصه من حديث الخبراء والدراسات العلمية، هو أن الفهم العلمي لآليات التفكير السلبي يوضح كيف للدماغ أن يكرر هذه الحالة دون توقف، ومن هنا يفتح الباب أيضًا أمام طرق عملية للتعامل معها، بدءًا من الوعي بوجود هذا النمط، وصولًا لاختيار أنشطة يومية بسيطة قد تكون مفتاحًا لكسر الحلقة قبل أن تتفاقم.