في الأعوامِ الأخيرةِ تلقى الفنونُ البصريَّةُ اهتماماً متزايداً، خاصَّةً مع بروزِ تجاربَ شابَّةٍ، تتَّخذُ من الموروثِ مادةً، وتنظرُ إليه نظرةَ إعجابٍ وفخرٍ، وهو ما يُتيح، مع تراكم هذه الأعمال، الحديثَ عن أسلوبٍ فنِّي سعودي واضحِ المعالم. ومن بين هذه التجارب، تطرحُ الفنَّانةُ البصريَّة السعوديَّة أسيل آل يعقوب كيف يمكن أن يكون كلٌّ من التراثِ والهويَّةِ جزءاً من لغةٍ فنيَّةٍ معاصرةٍ قادرةٍ على جذبِ الرائي الذي يتماهى معها، إذ إن هذه الأعمال نابعةٌ من صدقٍ، وملاحظةٍ دقيقةٍ للبيئة. وفي حوارِ «سيدتي» مع الفنَّانة أسيل بمناسبةِ اليوم الوطني السعودي، يتضحُ أن الهويَّةَ السعوديَّة تتجاوزُ الانتماءَ إلى طريقةِ تفكيرٍ واعتزازٍ بالنفس.
الفنون البصرية في السعودية

تلقى الفنونُ البصريَّةُ اهتماماً كبيراً في الأعوامِ الأخيرة، ماذا عن واقعها في المملكة العربيَّة السعوديَّة؟
تعيشُ الفنونُ البصريَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة مرحلةً جميلةً ومتسارعةً، فهناك اهتمامٌ متزايدٌ بالفنَّانِ السعودي، وبالفنِّ بشكلٍ عامٍّ، ولا يظهرُ ذلك من خلال عددِ المعارضِ والفعاليَّاتِ فقط، بل وأيضاً في نظرةِ المجتمعِ إلى الفنِّ والفنَّان. ومن اللافتِ كذلك، أن الفرصَ أصبحت أكثر تنوُّعاً، ولم تعد ممارسةُ الفنَّانِ محصورةً في المعارضِ، أو في بيعِ الأعمالِ الفنيَّة فحسب، بل وأصبحنا نرى أيضاً حضورَ الفنِّ في المشروعاتِ الثقافيَّة، والتعاونِ مع العلاماتِ التجاريَّة، وتصميمِ المنتجات، والمساحاتِ العامَّة، وغيرها من المجالات، وهذا بدوره يفتحُ أمامَ الفنَّانِ مجالاتٍ جديدةً، يستطيعُ من خلالها أن يُطوِّر ممارسته، وأن يُوصل أعماله إلى جمهورٍ أوسع. أعتقدُ أننا ما زلنا في مرحلةِ نموٍّ وتشكُّلٍ، وهذا أمرٌ جميلٌ، لأنه يمنحُ الجيلَ الحالي فرصةً حقيقيَّةً، تتجاوزُ الحضورَ في المشهدِ الفنِّي إلى تشكيله، وتحديدِ ملامحه.
قد يهمك الاطلاع أيضاً على حوار مع مهندسة التصميم الداخلي السعودية نبراس الجعيب
التراث السعودي

ما رؤيتُكِ لتوظيفِ التراثِ في الفنِّ البصري المعاصر، هل هي موضةٌ رائجةٌ، أم انتماءٌ؟
توظيفُ التراث السعودي هنا، هو انتماءٌ قبل أن يكون توجُّهاً فنياً. أنا لا أتعاملُ مع التراث بوصفه عنصراً يجبُ إضافته إلى العملِ حتى يُصبح «سعودياً»، بل بوصفه جزءاً من ذاكرتي البصريَّة، ومن البيئةِ التي نشأتُ فيها، بالتالي من الطبيعي أن يظهر في أعمالي. لكنْ، وفي الوقتِ نفسه، لا أحبُّ أن يكون توظيفُ التراثِ مجرَّد نقلٍ حرفي للماضي، أو تكرارٍ للعناصرِ المتعارفِ عليها. ما يهمُّني، أن آخذ منه ما يرتبطُ بي، ويُؤثِّر فيّ، ثم أعيدُ تقديمه بلغتي البصريَّة، ومن خلال رؤيتي المعاصرة. أنا أؤمنُ بأن العملَ حين ينطلقُ من معنى حقيقي، وارتباطٍ شخصي بالفنَّان، ينعكسُ ذلك على مخرجاته، ويمنحه صدقاً، وخصوصيَّةً، يصعبُ الوصولُ إليهما عندما يكون توظيفُ العناصرِ لمجرَّد حضورها الجمالي.
قد يهمك الاطلاع أيضاً على حوار مع المصورة السعودية بيان الصادق
استلهامات من البيئة السعودية

لاحظتُ في معرضِ معاينةِ أعمالكِ، وأعمالٍ لمُجايِليك، أن هناك «ستايلاً» سعودياً معاصراً غير متأثِّرٍ بالغرب، أو بالاستنساخ عنه آخذٍ بالتبلورِ أخيراً، حدِّثينا أكثر عن ذلك؟
أتَّفقُ مع ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ، وأعتقدُ أن أحدَ أسبابِ هذا التحوُّل، أن الفنَّانَ السعودي أصبح أكثر ثقةً في بيئته، وفي تجربته الخاصَّةِ بوصفهما مصدرَين غنيين للإلهام. نحن نرى اليوم فنَّانين ينظرون إلى محيطهم بطريقةٍ مختلفةٍ: إلى البيتِ، والشارعِ، والمدينةِ، والملابسِ، والعلاقاتِ الاجتماعيَّة، والعمارةِ، وحتى إلى التفاصيلِ اليوميَّةِ البسيطة. لقد أصبحت هذه العناصرُ نفسها مادةً فنيَّةً ثريَّةً، ويُعيد كلُّ فنَّانٍ تقديمها من خلال تجربته، ولغته، وأسلوبه الخاص. ومع تعدُّدِ هذه التجارب، أعتقدُ أنه بدأ يتكوَّنُ بالفعلِ حسٌّ بصري سعودي معاصرٌ، والجميل أن هناك تنوُّعاً كبيراً في الأساليبِ والتجارب، لكنْ يجمعُ بينها اهتمامٌ واضحٌ بالتعبيرِ عن الهويَّةِ، والبيئةِ، والتجربةِ المحليَّةِ من منظورٍ شخصي ومعاصرٍ.
ألوان المنطقة الشرقية

حدِّثينا عن طرقكِ في توظيفِ الألوانِ بفنِّكِ، ومعانيها في عينيكِ؟
اللونُ من أهمِّ العناصرِ في أعمالي، وفي بعضِ الأحيان تبدأ فكرةُ العملِ لدي من مجموعةٍ لونيَّةٍ قبل أن تبدأ من التفاصيلِ نفسها. أنا أميلُ إلى الألوانِ الواضحةِ، والغنيَّةِ، والمرحة، وأستخدمها لبناءِ إحساسِ العملِ وأجوائه، ولا أربطُ كلَّ لونٍ بمعنى ثابتٍ، فاللونُ نفسه قد يمنحني إحساساً مختلفاً تماماً من عملٍ إلى آخرَ حسبَ السياقِ، وبقيَّةِ العناصرِ الموجودةِ معه. كذلك أرى أن علاقتي بالألوانِ مرتبطةٌ بشكلٍ كبيرٍ ببيئتي، وذاكرتي البصريَّة، فلكوني ابنةَ المنطقةِ الشرقيَّة، اختزنت ذاكرتي منذ الصغرِ ألوانَ النخيلِ والبحر، إلى جانبِ الألوانِ الغنيَّةِ التي تحضرُ في مناسباتنا، وملابسنا، وتفاصيلِ حياتنا. كثيرٌ من الأماكنِ، والمناسباتِ، والتفاصيلِ التي ألهمتني، تتميَّزُ أصلاً بحضورٍ لوني قوي، وأعتقدُ أن كلَّ ذلك انعكسَ بشكلٍ طبيعي على اختياراتي اللونيَّة حتى أصبحت الألوانُ جزءاً أساسياً من هويَّتي وأسلوبِ عملي.
لكوني ابنة المنطقة الشرقية تختزن ذاكرتي ألوان النخيل والبحر والدرجات الغنية العائدة لمناسباتنا وملابسنا وتفاصيل حياتنا
فن بصري مرح

ماذا عن هذا الجانبِ المرحِ في أعمالكِ؟
أعتقدُ أنه جزءٌ طبيعي من شخصيَّتي، ومن الطريقةِ التي أرى بها الأشياء. أنا حتى عندما أتناولُ موضوعاً تراثياً، أو اجتماعياً لا أشعرُ بأن العملَ يجبُ أن يكون جاداً، أو ثقيلاً، ليحملَ معنى.
أحبُّ أن تحملَ أعمالي معنى وارتباطاً بالناس، وفي الوقتِ نفسه، أن تترك لديهم شعوراً جميلاً، وهذا تحديداً أحدُ الأمورِ التي أسعى إليها من خلال فنِّي.
الطباعة الفنية

الطباعةُ الفنيَّة، هي تخصُّصكِ الجامعي، ما تحدِّياتُ هذه المهنةِ الفنيَّة؟
أحدُ أبرزِ تحدِّياتِ الطباعةِ الفنيَّة، أنها لا تزالُ غير مفهومةٍ بشكلٍ واسعٍ لدى الجمهور، فكلمةُ «طباعة» قد تجعلُ بعضهم يتصوَّرُ أنها مجرَّد نسخٍ للعمل، في حين أن الطباعةَ الفنيَّةَ في الحقيقةِ عمليَّةٌ فنيَّةٌ متكاملةٌ، تبدأ من إعدادِ القالبِ والتجريب، وتمرُّ بالأحبارِ، والخاماتِ، وعمليَّاتِ الطباعةِ المختلفة، وقد تتطلَّبُ مراحلَ طويلةً حتى نصلَ إلى النتيجةِ النهائيَّة. كذلك، لكلِّ تقنيَّةٍ من تقنيَّاتِ الطباعةِ الفنيَّة خصائصها، ومراحلها، ونتائجها المختلفة، وهذا أحدُ الأمورِ التي جذبتني إليها في الأساس، إذ إن هناك مساحةً كبيرةً جداً للتجريب، وأحياناً لا نعرفُ بشكلٍ كاملٍ كيف ستكون النتيجةُ إلا بعد الطباعةِ نفسها. ومن أبرزِ التحدِّياتِ أيضاً أن بعض تقنيَّاتِ الطباعة تحتاجُ إلى استديوهاتٍ، وتجهيزاتٍ، ومعدَّاتٍ خاصَّةٍ، لذا قد تكون ممارستها بشكلٍ مستقلٍّ بعد الدراسةِ أكثر صعوبةً من بعض الممارساتِ الفنيَّةِ الأخرى. مع ذلك، أرى أن الوعي بها يتطوَّرُ مع تطوُّرِ المشهدِ الفنِّي عموماً، وأتمنَّى أن نرى مستقبلاً مزيداً من المساحاتِ، والاستديوهاتِ المتخصِّصةِ التي تُتيح للفنَّانين ممارسةَ الطباعةِ الفنيَّة، وتُساعد أيضاً في تعريفِ الجمهورِ بهذا المجالِ، وقيمته الفنيَّة.
وسائل التواصل لتسويق الفن

هل يستطيعُ الفنَّانون من الشبابِ أن يعتاشوا من فنِّهم اليوم، وكيف يُسوِّقون أعمالَهم غير الحضورِ المكثَّفِ في مواقعِ التواصل؟
أعتقدُ أن ذلك أصبح ممكناً أكثر من السابق، لكنْ ليس بالضرورةِ من خلال بيعِ اللوحاتِ وحده. اليوم، يستطيعُ الفنَّانُ أن يبني ممارسةً متنوِّعةً، تشملُ إنتاجَ الأعمالِ الأصليَّة، والأعمالِ الخاصَّة، والتعاونَ مع العلاماتِ التجاريَّةِ والمؤسَّسات، والرسمَ والتصميم، وتصميمَ المنتجاتِ، وتنظيمَ ورشِ العمل. بناءُ مسيرةٍ فنيَّةٍ مستدامةٍ يتطلَّبُ وقتاً، وممارسةً، وخبرةً، لذا على الفنَّانِ أن يعملَ كثيراً على نفسه، وعلى جودةِ أعماله، وأن يُعرِّف الناسَ بما يُقدِّمه حتى يصلَ تدريجياً إلى العملاءِ، والمقتنين المناسبين. كذلك، من المهمِّ، خاصةً في البدايات، أن تكون لديه خططٌ بديلةٌ، أو مصادرُ دخلٍ إضافيَّةٌ تمنحه الاستقرارَ، والمساحةَ التي يحتاجها حتى يبني مسيرته الفنيَّة دون استعجالٍ. أمَّا في شأنِ التسويق، فوسائلُ التواصلِ مهمَّةٌ بالتأكيد، لكنَّها ليست الوسيلةَ الوحيدة. بناءُ العلاقاتِ المهنيَّة، والمشاركةُ في المعارضِ والمشروعات، ووجودُ ملفِّ أعمالٍ قوي، والتعاونُ مع جهاتٍ مختلفةٍ، والحضورُ الفعلي في الوسطِ الفنِّي والمهني كلّها عواملُ مهمَّةٌ جداً. وأعتقدُ أن الأهم، أن يبني الفنَّانُ ممارسةً وهويَّةً متماسكةً على المدى الطويل، وأن يستثمرَ في نفسه، وفي جودةِ ما يُقدِّمه بدلاً من أن يكون هدفه مجرَّد الحضورِ المستمرِّ على وسائلِ التواصل، والشهرة.
اليوم الوطني السعودي
ما كلمتُكِ في مناسبةِ اليومِ الوطني السعودي؟
اليوم الوطني السعودي مناسبةٌ قريبةٌ جداً مني بوصفي شخصاً وفنَّانةً، لأنها تجعلني أفكِّرُ في وطني، ليس من خلال الرموزِ المعروفةِ فقط، بل وأيضاً من خلال الناسِ، والحياةِ اليوميَّة، والتفاصيلِ التي نعيشها، ونرتبطُ بها. أعتزُّ كثيراً بموروثنا، وثقافتنا، وهويَّتنا، وأفخرُ بوطني وبما نملكه من إرثٍ، وثقافةٍ، وتنوُّعٍ، وأسعى دائماً من خلال فنِّي إلى التعبيرِ عن هذا الفخرِ والاعتزازِ بطريقتي الخاصَّة. يُسعدني كثيراً أننا نعيشُ اليوم في مرحلةٍ يمتلك فيها الفنَّانُ السعودي مساحةً كبيرةً ليُعبِّر عن وطنه، وهويَّته بلغته الخاصَّة، وأن يكون جزءاً من تشكيلِ المشهدِ الفنِّي في البلاد. وكلَ عامٍ ووطننا الغالي وأهله بخير، وأدام الله علينا نعمةَ الأمنِ والأمانِ والخير.

Google News