mena-gmtdmp

من الصاج لقوالب المعمول... تصاميم استديو توت وفية للتراث

تصميم لأداة تقطير تقليدية تُستخدم لاستخراج ماء الزهر وماء الورد الطبيعي
تصميم معاصر للكركة، وهي أداة تقطير تقليدية تُستخدم لاستخراج ماء الزهر وماء الورد الطبيعي

في يوم التراث العالمي 2026، تُسلط "سيدتي" الضوء على أعمال مصممة المنتجات ميريم أبي طربيه (26 عاماً)، التي تعيد صياغة أدوات المطبخ اللبناني التقليدية من الصاج وقوالب المعمول والكركة بصورة معاصرة. ميريم الحائزة على شهادة البكالوريوس في تصميم المنتجات في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة "الألبا" والماجستير في هندسة التصميم الصناعي والابتكار في "بوليتكنيكو دي ميلانو"، أسست استديو "توت" مستلهِمةً اسمه من تاريخ صناعة الحرير المندثرة في لبنان، وبنت له هوية واضحة تقوم على ثلاثة محاور: صون الإرث الحِرفي، ودعم الحرفيين المحليين، وإعادة توظيف المعارف القديمة في سياق معاصر.

شغف بالتصميم والماضي

الكركة أو آلة تقطير الزهور والنباتات من تصميم استديو توت

ما الذي همست به صفحات الماضي في مسمعك فدفعك إلى استحضار تلك الحكايات العتيقة في ممارستك التصميمية المعاصرة؟

منذ صغري، أردت أن أكون عالمة آثار؛ كانت القصص القديمة تأسرني وكنت أتوق لاكتشافها والحفاظ عليها. ومع نمو شغفي بـالتصميم، أدركت الماضي الذي رافقني طوال عمري أخيراً. أنا ابنة شاتين، قرية صغيرة في جبال شمال لبنان. عاش كبار عائلتي حياة ريفية مختلفة تماماً عما أعيشه اليوم، وكنت دائماً أحنّ إلى أسلوب العيش الذي كانوا يصفونه لي، تلك الحياة في أحضان الطبيعة وبين الناس. رغبتي في التعمق أكثر وإحياء الممارسات المندثرة أيقظت في داخلي هدفاً يتجذر في هويتي، وبات اليوم يتجلى في كل ما أصنعه.

شجرة الكرز الباسقة في شاتين اللبنانية

مصممة المنتجات اللبنانية ميريم أبي طربيه

إذا أغمضتِ عينيك وعدتِ إلى مطبخ طفولتك، هل ثمة لحظة بعينها أو شيء عزيز كان بمثابة الشرارة الأولى في رحلتك بعالم تصميم المنتجات؟

نشأت في دولة الإمارات العربية المتحدة في السنوات الثماني الأولى من حياتي، بعيدة عن ثقافتي وعمّا صنعني. باستثناء تلك الصيفيات التي كنا نقضيها في شاتين، محاطين بالأهل والأقارب، نركض بين كروم العنب وبساتين التفاح. أتذكر جدتي وهي دائماً تُجهّز المنقل لتحضّر أجنحة دجاجها الشهيرة وكبّتها اللذيذة. لكن أكثر ما أحببته وكنت أنتظره كل عام بشوق كانت شجرة الكرز؛ كانت شاهقة لدرجة أننا كنا نقطف ثمارها مباشرة من شرفة المطبخ. كنا نتحلق حولها نقطف ونأكل حتى تتلوّن أيدينا وشفاهنا. في أحد الأعوام، عدت لأجد الشجرة مقطوعة. أذكر شعوراً عميقاً بالذنب، كأنني كان يجب أن أكون هناك لأحميها. علّمتني تلك اللحظة درساً كبيراً: الأشياء تتغير، وأحياناً ليس نحو الأفضل. مهمتي اليوم هي أن أحمي تلك الشجرة بشكل رمزي، أو بالأحرى، ما تمثله.

"عدت ذات صيف إلى شاتين قريتي لأجد شجرة الكرز التي نعشقها مقطوعة — منذ تلك اللحظة، باتت مهمتي حماية ما تمثله"

الذاكرة والحرفة والحداثة في صميم العمل

تصميم معاصر للصاج بتوقيع استديو توت

يبدو عملك كحوار هادئ بين الحِرفة اليدوية والإرث والرؤية الحديثة. كيف تتشابك هذه العناصر الثلاثة في مسيرتك الإبداعية؟

الوقود الذي يحرك عملي هو الذاكرة دائماً؛ سواء في الأدوات أو الطعام أو الطقوس أو الحكايات. أترك أفكاري تترسّخ لبعض الوقت، أهضمها ببطء، وأحوّلها إلى شيء ذي صلة بعالم اليوم. هذا الشغف بالابتكار التراكمي يظهر في عملي؛ فأنا لا أبحث عن الإلهام في تصاميم الآخرين، بل في العالم من حولي، مع منح ما أصنعه لمسةً عصريةً خفيفة. وحين تتضح لي نقطة البداية، تسير رحلتي وفق منهجية التفكير التصميمي: بحث، رسم، نماذج أولية، اختبار، تطوير، تصنيع، وتغليف. لكن عملي لا يرى النور دون الحرفيين الذين أعمل معهم؛ مساهمتهم حيوية وأحياناً محورية في تطوير المنتج. يحملون معرفة حرفية موروثة ما كان لي أن أصل إليها من دونهم، ويمنحون الأفكار التي أطرحها وجوداً مادياً ملموساً. أستطيع القول إن كل هذه الجوانب لا يمكن الاستغناء عن أي منها، وهي مجتمعةً تشكّل "المزيج المثالي" الذي ينبثق منه إنتاجي الإبداعي.

قد يهمك الاطلاع أيضاً إلى: قصة مصممة من الجيل "زد" تروي حواديت مصرية من خلال الديكور

الصاج وقوالب المعمول

هل تأخذيننا في جولة وراء قصة هذه القطع: الصاج والكركة (أداة تقطير تقليدية تُستخدم لاستخراج ماء الزهر وماء الورد الطبيعي) وقوالب المعمول؟ ولماذا شعرت بأهمية إعادة تصوّر أحجامها لتناسب بيوت اليوم؟

كان الصاج أول منتجاتي، صممته بالتشارك عام 2021 لمعرض، وتحوّل لاحقاً إلى منتج تجاري ناجح. لكن فكرة الكركة سبقته؛ أذكر نقاشاً دار عام 2020 حول مشروع زميل، ومن ذلك الحوار وُلدت الفكرة الجوهرية لمنتجي الثاني: "الميني كركة". بعد ست سنوات على تأسيس الاستديو، دفعني الشغف ببناء مجتمع من خلال عملي إلى اختيار قطعة جديدة وتطويرها أمام الملأ. ومع اقتراب عيد الفطر والفصح، قلت في نفسي: ما أنسب من قالب المعمول؟ الهدف من إعادة التصميم هو تمحور المنتج حول المستخدم المعاصر الذي يشتاق للتواصل مع ثقافته لكن مساحتها في حياته اليومية ضاقت. مع انتقالنا من مجتمعات جماعية إلى حياة فردية، كان لزاماً على أدواتنا التقليدية أن تتطور معنا. لماذا نقتصر على أجهزة الأرز الحديثة وقوالب "الموون كيك" ومقالي الكريب؟ تراثنا يستحق هذا التجديد أيضاً، ناهيك أن تشجيع الناس على اقتناء هذه الأدوات يُحيي الممارسات والحِرف المرتبطة بها.

لمن نصمم؟

من هم الأشخاص الذين تتخيلينهم يُدخلون هذه القطع إلى حياتهم؟

تعاني شريحة واسعة من الناس من الشعور بالحنين إلى الجذور الثقافية دون امتلاك السبل للتواصل معها. القطع التي أصمّمها هي طريقتي لجعل هذه الممارسات في متناول الجميع، سواء من حيث التوزيع أو الحجم أو الوزن أو سهولة الاستخدام أو الثمن. أصمّم لمن يحنّ إلى الوطن والتواصل والجماعة. لمن يريد أن يورّث إرثه للأجيال القادمة. لمن يسعى للانغماس في ثقافتنا مع دعم الحِرف اليدوية المحلية. لمن يفهم التصميم ويقدّر التفاصيل. لمن يختار المواد الأصيلة الموروثة على الصرعات الحديثة. ولمن يخشى ضياع الممارسات التي تناقلتها الأجيال ويدرك أهمية الحفاظ عليها.

قد يهمك الاطلاع أيضاً إلى: المصممة السنغافورية فايزة شهر الدين: الأثاث مرآة لهويات وثقافات مختلفة

واقع تصميم المنتجات في المنطقة

حين تتأملين مشهد تصميم المنتجات في منطقتنا اليوم، ما أحلامك لمستقبله وما التحديات التي تواجهينها؟

أتطلع بإعجاب إلى كثير من المصممين في المنطقة وأتمنى أن أحقق مع الوقت مكانةً مشابهة. في الوقت ذاته، أرى فرصة حقيقية لتوسيع نطاق تصميم المنتجات في منطقتنا، إذ لا يزال مرتكزاً بشكل رئيسي على الأثاث والإضاءة والديكور. عملي يقع خارج هذا الإطار، وإن كان هذا يُفهم أحياناً بصورة خاطئة، إلا أنه يكشف عن إمكانيات أوسع في عالم التصميم. على مر السنين، كان التعامل مع التصنيع المحلي، خصوصاً في مجال أدوات الطهي، محفوفاً بالتحديات، لكنه أكّد لي في كل مرة أهمية البناء داخل سياقنا الخاص. أتمنى أن يستكشف المزيد من المصممين فئات متنوعة من المنتجات، وأن يحظى من يعملون خارج الأطر المألوفة بالتقدير الذي يستحقونه.

يوم التراث العالمي

لمناسبة يوم التراث العالمي، ما الرسالة التي تودين توجيهها لمن يجدون الجمال في جذورهم مثلك؟

تمسكوا بموقفكم. في عالم تصوغه العولمة، قد يبدو البقاء على تواصل مع جذورنا أمراً عسيراً أحياناً. صون التقاليد، سواء بإعادة اكتشاف ما اندثر أو الاستمرار في ما لا يزال قائماً، يحتاج إلى قرار واعٍ. لكن ثمة وعياً متنامياً، وكثيرون باتوا يختارون إعادة التواصل مع تراثهم بطرق حقيقية وعميقة. كلما انخرطنا في هذه الممارسات، زاد صمودها واستمرارها. فإن شعرتِ بأنكِ مدفوعة للانتماء إلى هذا الحراك، فاتبعي هذا الشعور دون تردد.