mena-gmtdmp

في اليوم الوطني... المصممة السعودية حنان العامودي: يلهمني التراث بكل ما يحمله من تنوع بصري وإنساني

المصممة حنان العامودي مع الأميرة نورة الفيصل الرئيسة التنفيذية لـ«فنون التراث»، بعد فوزها بمسابقة إحياء التراث السعودي
المصممة حنان العامودي مع الأميرة نورة الفيصل الرئيسة التنفيذية لـ«فنون التراث»، بعد فوزها بمسابقة إحياء التراث السعودي

تؤمن المصممة السعودية حنان العامودي بأن الأزياء هي النافذة الأكثر حيوية لتجسيد الهوية وحملها بصورة ملموسة، حيث ترى أن إحياء التراث بلمسة معاصرة يضمن له البقاء والتحدث بلغة عصرية تفهمها الأجيال القادمة. ومنذ خطواتها الأولى في عالم الأزياء التراثية، ظل الهاجس الأكبر لديها محصوراً في كيفية خلق توازن دقيق بين أصالة الموروث ورحابة الابتكار؛ فهي تحرص على سرد الحكاية، وإبراز جماليات الحرفة، والانفتاح بمرونة على الأفكار المتجددة لتكتشف آفاقاً غير مسبوقة لإبداعها.
​ومن هذا الإيمان الراسخ، خاضت حنان تجربة المشاركة في النسخة الثالثة من برنامج "إحياء التراث السعودي"، الذي نظّمته هيئة الأزياء بالتعاون مع "فنون التراث" و"سواروفسكي"، لتتكلل مساعيها بالتتويج بالمركز الأول عن تصميمها المبتكر «سَدَى ولُحْمَة».
​وفي غمرة احتفالاتنا بـاليوم الوطني السعودي 96، تقف هذه المبدعة السعودية لتلخص رحلتها الملهمة، وتكشف عن الآفاق الواسعة التي تسعى لبلوغها بشغف متقد يربط عراقة الماضي برؤية المستقبل.

الأزياء وسيلة للحوار بين الماضي والحاضر

تصميم «سَدَى ولُحْمَة» للمصممة حنان العامودي

نود لو تضعيننا في بدايات حنان العامودي؛ نشأتك، محطات دراستك، وكيف نبت شغفك الأول بعالم الأزياء والتصميم؟


بدأت علاقتي بالأزياء منذ الطفولة، فقد كانت الخياطة والتفاصيل المرتبطة بالملابس جزءاً مبكراً من تجربتي في عمر 8 سنوات. ومع الوقت تحول هذا الاهتمام إلى شغف حقيقي بالتصميم. ثم جاء التعليم الأكاديمي والخبرة العملية ليمنحا هذا الشغف أساساً أكثر وضوحاً، ويطورا قدرتي على تحويل الأفكار إلى تصاميم متكاملة.
ومع تراكم التجربة، وجدت نفسي أميل بصورة خاصة إلى الأزياء التي تحمل قصة وهوية؛ لذلك أصبح التراث أحد أهم منابع إلهامي، وأصبحت أرى النسيج والأزياء كوسيلة للحوار بين الماضي والحاضر، وهو ما انعكس لاحقاً في اختياراتي المهنية بين تصميم الأزياء التراثية والسينمائية والعمل الحر.

يُعد الغوص في عمق التراث ونقل قصصه بكل احترافية وأمانة مهمة دقيقة، فكيف ولد هذا الشغف، وما أبرز التحديات التي تواجهينها في رحلتك؟

أعتقد أن شغفي بالتراث نشأ من إيماني بأن الزي ليس مجرد مظهر، بل هو وثيقة بصرية تحمل ذاكرة المكان والناس وتفاصيل حياتهم. لذلك عندما أتعامل مع عنصر تراثي، لا أنظر إليه كزخرفة جاهزة للاستخدام، بل أحاول فهمه أولاً، وما الذي يمثله، ثم أبحث عن الطريقة التي يمكن أن ينتقل بها إلى سياق معاصر دون أن يفقد روحه.
أما التحدي الأكبر، فهو تحقيق التوازن بين هوية الموروث وحرية الابتكار؛ فالمبالغة في التغيير قد تفقد العنصر هويته، بينما نقله كما هو قد يجعله بعيداً عن لغة التصميم المعاصر. وهنا تأتي مهمتي كمصممة في إيجاد المساحة التي يلتقي فيها الاثنان.

فهم البيئة الثقافية والاجتماعية

تصميم «سَدَى ولُحْمَة» للمصممة حنان العامودي

أي مصادر أو مراجع ثقافية واجتماعية تستندين إليها وأنت تبنين فكرة تصميمك؟

أبدأ عادةً من البحث في الزي نفسه وتفاصيله؛ من قصاته، وزخارفه، وخاماته، وألوانه، وطريقة ارتدائه، ثم أحاول فهم البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأ فيها. كما أستفيد من الصور والمراجع البصرية المرتبطة بالمنطقة، ومن دراسة الحرفة والتقنيات المستخدمة فيها.
وفي «سَدَى ولُحْمَة» تحديداً، انطلقت من موروثين واضحين: ثوب الصون لقبيلة بني سعد في الطائف والسديرية الحجازية المدينية، ثم بنيت العلاقة بينهما على مفهوم النسيج نفسه؛ السدى واللحمة.

تتنوع مصادر الإلهام التراثية في المملكة باختلاف المناطق والثقافات... ما هو مصدر الإلهام الرئيسي لإبداعات حنان العامودي؟

مصدر إلهامي الرئيسي هو التراث السعودي بكل ما يحمله من تنوع بصري وإنساني، لكنني أجد نفسي بصورة خاصة أمام التفاصيل التي تكشف هوية المكان؛ كالنسيج والتطريز والزخارف والقطع التقليدية.
ما يجذبني في التراث ليس شكله فقط، وإنما القصة التي تقف خلفه. ولذلك أحب أن أبحث عن العلاقة بين العنصر التراثي والإنسان والبيئة التي نشأ فيها، ثم أعيد تقديمه من منظور معاصر. بالنسبة لي، الابتكار الحقيقي لا يعني الابتعاد عن الأصل، بل اكتشاف إمكانات جديدة له.

التنوع والمرونة

تفاصيل مميزة تضمنها تصميم «سَدَى ولُحْمَة» للمصممة حنان العامودي
تفاصيل مميزة تضمنها تصميم «سَدَى ولُحْمَة» للمصممة حنان العامودي

أي المواد والخامات التي تحبين استخدامها بشكل أكبر لتجسيد هويتك التصميمية؟

أميل إلى الخامات والتقنيات التي تمنح التصميم قيمة ملموسة وتُظهر الحرفة، خصوصاً التطريز اليدوي والخيوط والأقمشة التي تسمح ببناء التفاصيل والطبقات.
وفي أعمالي التراثية تحديداً أحب الجمع بين التقنيات التقليدية والعناصر الحديثة. وفي «سَدَى ولُحْمَة»، مثلاً استخدمت التطريز اليدوي بخيوط القطن وخرز الرصاص، ودمجت معها كريستالات سواروفسكي، مع الحفاظ على العناصر الأصلية في تطريز الأكمام والقرقوش. وأرى أن قيمة الخامة لا تكمن في فخامتها وحدها، وإنما في كيف تخدم الفكرة وتحافظ على هوية العمل.

تبرعين أيضاً بتصميم الأزياء الخاصة بالشخصيات والفعاليات للأعمال المسرحية والسينمائية، حدثينا عن ميزات هذا المجال وما يضيفه لمسيرتك؟

تصميم الأزياء للأعمال السينمائية والمسرحية علّمني أن الزي يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من بناء الشخصية وسرد القصة، وليس مجرد عنصر جمالي. المصمم في هذا المجال لا يصمم قطعة منفصلة، بل يبني بصرياً شخصية لها زمن وبيئة وحالة ومشاعر.
هذه التجربة وسّعت رؤيتي كثيراً؛ لأنها جعلتني أكثر وعياً بالتفاصيل وبالعلاقة بين التصميم والسياق. وهذا التنوع منحني مرونة أكبر في التعامل مع الأفكار والخامات والشخصيات.

مسابقة إحياء التراث السعودي

لحظة فوز حنان العامودي بمسابقة إحياء التراث السعودي

ما الذي يعنيه لك اليوم فوزك بالمركز الأول ضمن برنامج إحياء التراث السعودي الذي تنظمه هيئة الأزياء السعودية بالتعاون مع فنون التراث وسواروفسكي؟

يعني لي الكثير، ليس فقط لأنه مركز أول، وإنما لأنه جاء تقديراً لفكرة أؤمن بها منذ سنوات: أن التراث يمكن أن يعيش في الحاضر دون أن يفقد هويته.
وأشعر بأن الفوز يؤكد لي أن العمل الذي يجمع بين البحث في الموروث والابتكار في تقديمه قادر على الوصول والتأثير. كما أنني أعتبره مسؤولية جميلة للاستمرار في تقديم التراث السعودي برؤية معاصرة، وأن أبحث دائماً عن طرق جديدة تجعل هذا الموروث حاضراً في المشهد الإبداعي اليوم.
و«سَدَى ولُحْمَة» تحديداً يمثل مرحلة مهمة في مسيرتي؛ لأنه جمع بين اهتمامي بالتراث والنسيج والتصميم المعاصر في عمل واحد.
ومن حواراتنا مع المصممات السعوديات اخترنا لكم: مصممة الأزياء السعودية الهنوف الجهني: أحلم بترجمة هوية المملكة في قطع كوتور عالمية

المصممة حنان العامودي بعد فوزها بمسابقة إحياء التراث السعودي

برأيك، ما أهم الأسباب والعناصر الفنية التي قادت تصميمك نحو الفوز بالمركز الأول؟

أعتقد أن قوة التصميم جاءت من الفكرة قبل الشكل. حاولت ألا أكتفي باقتباس عناصر تراثية، بل أن أبني بينها علاقة تحمل معنى؛ فجاء اسم «سَدَى ولُحْمَة» من مصطلحي النسيج، حيث يمثل السدى الموروث القبلي لبني سعد في الطائف، وتمثل اللحمة التراث الحضري الذي تجسده السديرية الحجازية المدينية. والتقاؤهما أصبح رمزاً لوحدة الهوية الثقافية للحجاز.
ثم ترجمت هذه الفكرة بصرياً من خلال تحويل حزام الفضة المرتبط بثوب الصون إلى كورسيه معاصر، وتحويل السديرية إلى فستان داخلي، وإعادة تفكيك الزخارف التراثية وتركيبها مع الكريستالات مع الحفاظ على هويتها الأصلية.
وأعتقد أن التوازن بين الأصالة والابتكار، ودقة التنفيذ اليدوي، والاهتمام بالتفاصيل، ووضوح الفكرة كانت جميعها عناصر أساسية في قوة التصميم.

كيف رأيتِ إبداعات المشاركات الأخريات ومستوى الحرفية لديهن خلال هذه التجربة؟

كانت تجربة ثرية جداً، وأكثر ما لفتني هو تنوع القراءات التي يمكن أن يقدمها المصمم للموروث السعودي الواحد. لكل مشاركة زاويتها الخاصة وطريقتها في ترجمة التراث إلى لغة معاصرة، وهذا التنوع بحد ذاته يعكس ثراء الموروث السعودي واتساع مساحات الإبداع فيه.
كما أنني أقدّر مستوى الحرفية والجهد الذي ظهر في الأعمال؛ لأن العمل مع التراث يتطلب وقتاً وصبراً واهتماماً بالتفاصيل. بالنسبة لي، كانت المنافسة مساحة للتعلم وتبادل الرؤى بقدر ما كانت مساحة للتنافس.

اليوم الوطني السعودي

 

المصممة حنان العامودي
المصممة حنان العامودي

 

بمناسبة اليوم الوطني، هل ترين في الأزياء وسيلةً حية للحديث عن الوطن وهويته؟ كيف؟

بالتأكيد. أرى أن الأزياء من أكثر الوسائل قدرة على حمل الهوية بصورة حية وملموسة؛ لأنها ترتبط بالإنسان نفسه، وترافقه في المناسبات والحياة اليومية، وتحمل تفاصيل المكان وذاكرته.
وعندما نعيد تقديم الأزياء التراثية بأسلوب معاصر، فنحن لا نعيد إنتاج الماضي فقط، بل نمنحه فرصة لأن يستمر ويتحدث مع الأجيال الجديدة. وهذا تحديداً ما أؤمن به في عملي: أن نحافظ على جوهر الموروث، ونسمح له في الوقت نفسه بأن يتطور ويأخذ مكانه في الحاضر. وفي اليوم الوطني، أشعر بأن ارتداء عناصر مستوحاة من تراثنا ليس مجرد احتفاء بصري، بل طريقة لارتداء جزء من ذاكرتنا وهويتنا على أجسادنا.
اقرؤوا أيضاً: مؤسّسة علامة Dananeer زهرة الصُغيّر: ما نرتديه انعكاس للثقافة والمشاعر

عبير بو حمدان حرب

محررة أولى

صحافية وكاتبة. عملت في عدد من المؤسسات الإعلامية المرموقة، كما تعاونت مع شركة في مجالي التوثيق والتحرير. محررة أولى في سيدتي وعمل على إجراء اللقاءات والحوارات والتغطيات. وهي مؤلفة رواية فراشة النسيان. الاهتمامات: العائلة، الكتابة، الرسم، التصوير، الأزياء، الأشغال اليدوية، الطبيعة، البيئة، الحيوانات الأليفة، واتباع نمط حياة نباتي انطلاقاً من قناعتها بالرحمة تجاه الكائنات الحية.

صحافية وكاتبة. عملت في عدد من المؤسسات الإعلامية المرموقة، كما تعاونت مع شركة في مجالي التوثيق والتحرير. محررة أولى في سيدتي وعمل على إجراء اللقاءات والحوارات والتغطيات. وهي مؤلفة رواية فراشة النسيان. الاهتمامات: العائلة، الكتابة، الرسم، التصوير، الأزياء، الأشغال اليدوية، الطبيعة، البيئة، الحيوانات الأليفة، واتباع نمط حياة نباتي انطلاقاً من قناعتها بالرحمة تجاه الكائنات الحية.