بعد نحو ست سنوات على وفاة أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييغو أرماندو مارادونا، وبينما كانت محاكمته تقترب من مرحلتها الأخيرة، ظهر فجأة سؤال لم يكن مطروحاً بهذه الصورة طوال أشهر المحاكمة: ماذا لو كان فيروس كورونا موجوداً في جسد مارادونا خلال أيامه الأخيرة؟ المفاجأة لم تأتِ من العثور على تحليل إيجابي أو عينة مخفية في الأرشيف، وإنما من العكس تماماً؛ إذ لم يُجرَ لمارادونا اختبار للكشف عن فيروس كورونا ضمن التشريح الذي أجري بعد وفاته في نوفمبر 2020.
في الجلسة الأخيرة من مرحلة الاستماع إلى الشهود والخبراء، قال الطبيب الشرعي بابلو ماريا فيراري أمام المحكمة إنه لا يستطيع استبعاد احتمال أن يكون كوفيد-19 قد لعب دوراً في وفاة دييغو أرماندو مارادونا، واعتبر عدم إجراء اختبار للفيروس أثناء التشريح «خطأً منهجياً». ولم يتوقف الأمر عند هذه النقطة، إذ قدّم فيراري أيضاً قراءة مختلفة للساعات الأخيرة من حياة النجم الأرجنتيني، معتبراً أن النهاية ربما جاءت بصورة مفاجئة وسريعة، وليس بعد احتضار امتد لنحو 12 ساعة كما خلص خبراء آخرون في بداية القضية.
وهكذا عاد ملف وفاة مارادونا إلى نقطة شديدة الحساسية: فليس هناك دليل يثبت أن كوفيد-19 تسبب في وفاته، لكن غياب الفحص جعل هذا الاحتمال غير قابل للحسم نهائياً، في الوقت الذي أعادت فيه شهادة فيراري فتح الخلاف القديم حول السؤال الأهم في القضية كلها: هل كان مارادونا يحتضر ببطء طوال ساعات، أم أن قلبه انهار بصورة مفاجئة قبل أن تتاح فرصة حقيقية لإنقاذه؟
خبير شرعي يفتح الباب أمام لغز كبير
بابلو ماريا فيراري ليس شاهداً عابراً في هذه القضية. فهو طبيب شرعي وخبير قضائي يعمل ضمن هيئة الخبراء التابعة للسلطة القضائية في سان إيسيدرو، وقد شارك في مراجعة طبية طُلبت عام 2025 من جانب دفاع الطبيب ليوبولدو لوكي، أحد المتهمين الرئيسيين في القضية. وفي 22 سبتمبر 2026، ظهر أمام المحكمة بوصفه آخر الشهود الذين أدلوا بشهادتهم في المحاكمة.
وخلال شهادته، أشار فيراري إلى أن مارادونا توفي في 25 نوفمبر 2020، في ذروة جائحة كوفيد-19 وقبل ظهور اللقاحات، ومع ذلك لم يتضمن التشريح اختباراً للكشف عن فيروس كورونا. وبحسب ما قاله أمام المحكمة، فإن الفيروس كان قادراً في بعض الحالات على التسبب في تدهور سريع للغاية، ولذلك رأى أن غياب الاختبار منع الطب الشرعي من استبعاد هذا الاحتمال بصورة قاطعة.
لكن أهمية كلام فيراري تكمن تحديداً في أنه لم يقل إن مارادونا كان مصاباً بكوفيد، ولم يقدم نتيجة مخبرية تثبت ذلك. ما قاله هو أن الطب الشرعي لا يستطيع استبعاد الاحتمال لأن الفحص الذي كان يمكن أن يجيب عن هذا السؤال لم يُجرَ في وقت الوفاة.
وهنا تظهر المفارقة التي أعادت كوفيد إلى القضية بعد كل هذه السنوات: الفيروس لم يدخل ملف مارادونا من خلال نتيجة إيجابية ظهرت أخيراً، وإنما دخل من خلال سؤال لم يعد من الممكن الإجابة عنه بأثر رجعي.
ماذا قال التشريح عن سبب وفاة مارادونا؟
لفهم سبب أهمية هذا الخلاف، يجب العودة إلى ما حدث في 25 نوفمبر 2020. توفي مارادونا عن عمر 60 عاماً داخل المنزل الذي كان يقيم فيه في مجمع سكني بمدينة تيغري، بعد أسابيع قليلة من خضوعه لجراحة لإزالة ورم دموي مزمن تحت الجافية في الدماغ.
وأظهر التشريح الجنائي أن قلب مارادونا كان يزن 503 غرامات، مع وجود تغيرات مرضية في القلب والرئتين. أما سبب الوفاة المسجل في التقرير الرسمي فكان وذمة رئوية حادة ثانوية لتفاقم قصور قلب مزمن مرتبط باعتلال عضلة قلبية توسعي. وهذا يعني أن السوائل تراكمت في الرئتين نتيجة المشكلة القلبية، وهو ما أدى في النهاية إلى فشل التنفس.
لكن تحديد السبب العضوي المباشر للوفاة لم يكن نهاية القضية. فالسؤال الذي انتقل إلى التحقيق الجنائي كان مختلفاً: هل كان هذا التدهور القلبي معروفاً ويمكن ملاحظته قبل الوفاة؟ وهل ظهرت على مارادونا علامات خطيرة خلال الساعات التي سبقت موته وكان من الممكن أن تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً؟
من هنا بدأت قصة «12 ساعة» التي أصبحت واحدة من أهم نقاط الصراع في المحاكمة.
اللجنة الطبية عام 2021: مارادونا كان يحتضر منذ ساعات
خلصت اللجنة الطبية التي درست ظروف وفاة مارادونا عام 2021 إلى أن الفريق المسؤول عن رعايته تصرف بطريقة وُصفت بأنها «غير ملائمة، ناقصة ومتهورة»، ورأت أن حالته كانت تتدهور قبل وفاته بفترة طويلة، وأنه دخل في مرحلة احتضار ربما بدأت قبل 12 ساعة على الأقل من إعلان وفاته.
هذه القراءة أصبحت من الركائز الأساسية التي استندت إليها النيابة في بناء قضيتها ضد أفراد الفريق الطبي الذين كانوا مسؤولين عن رعايته في المنزل. فكلما طال الوقت الذي كان فيه مارادونا يعاني من تدهور خطير من دون مراقبة أو تدخل طبي مناسب، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بما إذا كان يمكن منع الوفاة أو تأخيرها.
لكن هذه الرواية لم تحظَ بإجماع الخبراء، ففي سبتمبر 2026، قال طبيب القلب ريكاردو إيغليسياس أمام المحكمة إن مارادونا تعرض لـ«موت قلبي مفاجئ»، وإن قلبه كان «طبيعياً تماماً» من وجهة نظره، مضيفاً أنه لم تكن هناك مؤشرات واضحة تسبق هذا النوع من النهاية المفاجئة. وكان إيغليسياس عضواً في اللجنة الطبية التي أصدرت تقرير 2021، لكنه كان من أصحاب الرأي المخالف داخلها.
وهكذا لم يعد الخلاف يدور فقط حول المسؤولية الطبية، بل حول الزمن نفسه: كم استغرقت عملية الموت؟
«لم تكن هناك 12 ساعة من الاحتضار».. رواية الشاهد الأخير
جاءت شهادة بابلو فيراري لتدفع هذه المسألة إلى الواجهة بقوة أكبر. فبحسب قراءته للتشريح والسجلات الطبية التي درسها، لم تكن هناك ضرورة لافتراض احتضار طويل امتد لنصف يوم.
وشرح فيراري أن السيناريو الذي يراه أكثر انسجاماً مع الأدلة هو أن مارادونا تعرض لاضطراب قلبي حاد، أعقبه تجمع سريع للسوائل في الرئتين، ثم حدث اختناق أدى في النهاية إلى توقف القلب والدورة الدموية. وبحسب تقديره، كان هذا المسار يمكن أن يحدث خلال دقائق أو فترة قصيرة جداً من الساعات، وليس بالضرورة خلال 12 ساعة من الاحتضار.
وفي الوقت نفسه، لم يدّعِ فيراري أنه تمكن من تحديد السبب النهائي الذي أدى إلى الانهيار القلبي بصورة قاطعة. وهذا التفصيل مهم للغاية، لأن شهادته لا تقدم تفسيراً بديلاً مكتمل الأركان لسبب الوفاة، وإنما تطعن في بعض الاستنتاجات المتعلقة بمدى طول مرحلة الاحتضار وطبيعة الانهيار الأخير.
وهنا عاد سؤال كوفيد إلى المشهد. فإذا كانت النهاية قد حدثت بصورة سريعة، وكان مارادونا قد توفي خلال فترة كانت فيها جائحة كورونا في ذروتها، ولم يُجرَ له اختبار للكشف عن الفيروس، فإن احتمال الإصابة لا يمكن إثباته، لكنه أيضاً لا يمكن نفيه اعتماداً على فحص لم يحدث أصلاً.
هل يمكن أن يفسر كوفيد ما حدث لرئتي مارادونا؟
من المعروف طبياً أن الحالات الشديدة من كوفيد-19 يمكن أن تسبب أضراراً حادة في الرئتين وفشلاً تنفسياً، لكن وجود سوائل في الرئتين لا يعني في حد ذاته أن السبب هو فيروس كورونا.
فالوذمة الرئوية التي ظهرت في حالة مارادونا يمكن أن تحدث أيضاً نتيجة قصور القلب، وهو التفسير الذي ورد في سبب الوفاة الرسمي. لذلك فإن وجود الوذمة الرئوية لا يمثل دليلاً مستقلاً على الإصابة بكوفيد، كما أن غياب اختبار الفيروس لا يمثل دليلاً على أن مارادونا كان مصاباً به.
المسألة الأكثر إثارة للجدل هي أن الاختبار الذي كان يمكن أن يساعد في الإجابة عن هذا السؤال لم يُجرَ. ولهذا بقي احتمال كوفيد في منطقة لا يمكن تحويلها إلى حقيقة، ولا يمكن في الوقت نفسه إغلاقها بنتيجة مخبرية قاطعة.
مفاجأة كوفيد ظهرت في اللحظة الأخيرة
ربما يكون توقيت شهادة فيراري هو أكثر ما جعل طرحه مثيراً للاهتمام. فقد ظهر احتمال كوفيد خلال الجلسة الأخيرة تقريباً من مرحلة الشهادات، بعد أشهر من المحاكمة وسماع عشرات الشهود، بينما لم يكن هذا الاحتمال مطروحاً بهذه الصورة خلال الجلسات السابقة.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية «EFE»، جاءت الإشارة إلى كوفيد خلال شهادة فيراري الأخيرة، عندما سأله الدفاع عن إمكانية أن يكون الفيروس قد لعب دوراً في وفاة مارادونا. وأثار ذلك مفاجأة في قاعة المحكمة، قبل أن يعترض ممثلو النيابة على توسع الشاهد في هذه النقطة لأنها لم تكن مطروحة بالتفصيل في التقرير الذي أعده.
وهذا يعني أن شهادة فيراري تحمل مسارين متداخلين: الأول طبي، يتعلق بكيفية حدوث الوفاة ومدى سرعة الانهيار الأخير، والثاني يتعلق باحتمال لم يُفحص في حينه، وهو احتمال الإصابة بكوفيد، لكن المسارين لا يصلان حتى الآن إلى نتيجة واحدة مؤكدة.
تابعي المزيد:تعرفوا على كنز مارادونا المخفي بعد رحيله
لماذا أصبحت رحلة احتضار الـ«12 ساعة» نقطة حاسمة في المحاكمة؟
تواجه سبعة شخصيات من الفريق الطبي والتمريضي اتهامات جنائية في القضية، من بينهم جراح الأعصاب ليوبولدو لوكي، والطبيبة النفسية أغوستينا كوساتشوف، والأخصائي النفسي كارلوس دياز، ومنسق الرعاية الطبية بيدرو دي سبانيا، والممرض ريكاردو ألميرون، ومنسق التمريض ماريانو بيروني، ومنسقة الرعاية المنزلية نانسي فورليني. وجميعهم متهمون بالقتل البسيط مع القصد الاحتمالي.
وبصورة مبسطة، تدور فكرة هذا الاتهام حول احتمال أن يكون المتهم قد أدرك أن سلوكه أو تقصيره يمكن أن يؤدي إلى وفاة شخص، ومع ذلك استمر في هذا السلوك وقبل بالمخاطرة.
ولهذا السبب تحديداً أصبحت مسألة الساعات الأخيرة من حياة مارادونا ذات أهمية كبيرة. فإذا كانت حالته تتدهور بصورة واضحة على مدى ساعات طويلة، فإن السؤال حول ما إذا كان الفريق الطبي قد لاحظ ذلك وتعامل معه يصبح أكثر إلحاحاً. أما إذا كان الانهيار قد حدث بصورة مفاجئة خلال فترة قصيرة، فإن هذه الرواية تقدم للمحكمة صورة مختلفة تماماً عن إمكانية توقع الوفاة أو منعها.
وهذه ليست نتيجة حسمتها المحكمة حتى الآن، وإنما واحدة من أهم النقاط التي تتنافس عليها الروايات الطبية المقدمة أمامها.
ملف مارادونا الطبي نفسه يحمل مفاجأة أخرى
ولم تكن شهادة فيراري هي أول واقعة تعيد فتح الأسئلة حول الملف الطبي لمارادونا خلال عام 2026، ففي أغسطس، تبين أن بعض التحاليل الطبية التي درستها اللجنة الطبية التي أعدت تقريرها عام 2021 لم تكن تخص دييغو مارادونا نجم كرة القدم، وإنما والده الذي كان يحمل الاسم نفسه. واكتشف محامو الدفاع الخطأ بعد ملاحظة عدم تطابق بعض البيانات مع رقم العضوية ورقم الملف الطبي. وأمرت المحكمة بالتحقق من الوثائق الأصلية، مع التأكيد على أن اكتشاف هذا الخطأ لا يعني تلقائياً إسقاط بقية الأدلة أو اعتبار تقرير اللجنة الطبية بأكمله باطلاً.
لكن الواقعة أضافت طبقة جديدة إلى قضية تعاني أصلاً من اختلافات كبيرة بين الخبراء. فهناك خلاف حول حالة القلب، وخلاف حول مدة الاحتضار، وأسئلة حول بعض المستندات الطبية التي استخدمت في إعادة بناء الأيام الأخيرة من حياة مارادونا.
وفي قلب كل ذلك يبقى سؤال واحد يزداد غموضاً مع مرور الوقت: ماذا حدث بالفعل خلال الساعات الأخيرة؟
المحاكمة تدخل مرحلة الحسم
بعد انتهاء شهادة بابلو فيراري، انتهت مرحلة الاستماع إلى الشهود والخبراء في المحاكمة، وانتقلت القضية إلى مرحلتها الأخيرة. ومن المقرر أن يحصل المتهمون السبعة على فرصة لتوسيع إفاداتهم في جلسة 29 سبتمبر 2026، قبل بدء المرافعات الختامية في أكتوبر. ومن المقرر أن تبدأ مرافعات الادعاء والمدعين بالحق المدني في 8 و13 و14 أكتوبر، على أن تتبعها مرافعات الدفاع في 20 و21 و22 أكتوبر. وقد يمتد انتظار الحكم إلى ديسمبر.
وبينما تستعد المحكمة للاستماع إلى المرافعات الأخيرة، أصبحت أمامها روايتان متعارضتان للساعات التي سبقت وفاة مارادونا. الرواية الأولى تتحدث عن تدهور طويل واحتضار استمر ساعات وكان يفترض أن يكون قابلاً للملاحظة، بينما ترى الرواية الأخرى أن النجم الأرجنتيني تعرض لانهيار قلبي مفاجئ وسريع لم يكن من السهل توقعه.
أما كوفيد-19، فقد دخل إلى هذه القصة من مكان مختلف تماماً؛ ليس من خلال نتيجة تثبت أن مارادونا كان مصاباً، وإنما من خلال فحص لم يُجرَ أصلاً.
حتى الآن، لا توجد نتيجة تثبت أن فيروس كورونا كان سبب وفاة دييغو مارادونا، ولا توجد أيضاً أدلة تسمح بتحويل احتمال طرحه بابلو فيراري إلى حقيقة طبية. لكن المفارقة التي ستبقى معلقة فوق هذه المحاكمة هي أن الفيروس دخل قصة وفاة أسطورة كرة القدم بعد ست سنوات من رحيله، لا لأن دليلاً جديداً ظهر، وإنما لأن سؤالاً مهماً لم يُطرح عليه الاختبار في الوقت الذي كان يمكن أن يجيب عنه.
وبين قلب يختلف الخبراء حول حالته، ورئتين امتلأتا بالسوائل، ورواية تتحدث عن 12 ساعة من الاحتضار، وأخرى عن موت مفاجئ، وملف طبي ظهرت فيه أخطاء تحتاج إلى المراجعة، تبدو الساعات الأخيرة من حياة مارادونا أبعد عن الحسم مما كانت عليه في أي وقت مضى.
لا تُقدر بثمن.. ما هي محتويات كنز «مارادونا»؟
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»

Google News