mena-gmtdmp

ظاهرة انخفاض الدوبامين Dopamine Crash اليومية.. لماذا نشعر بالفتور بعد لحظات السعادة السريعة؟

بعض الشباب يصابون بانخفاض مفاجيء في الدوبامين دون سبب- المصدر magnific
بعض الشباب يصابون بانخفاض مفاجيء في الدوبامين دون سبب- المصدر magnific

تقضين ساعات في تصفح الهاتف، أو تنتهين من جولة تسوق إلكتروني سريعة، وتنتظرين أن تشعري بالسعادة. لكنك تجدين نفسك فاترة، وحماسك ضعيف، وغير راضية عما فعلت. هذه الحالة تسمى انخفاض الدوبامين أو «Dopamine Crash»، وتتكرر كل يوم عند كثيرين دون أن يعرفوا سببها.
ولفهم ما يحدث وكيف نخرج من هذه الدائرة، التقت "سيدتي" مع الدكتور محمد المؤذن، المختص النفسي والاجتماعي، الذي بدأ حديثه بقوله "لم يحدث من قبل أن امتلك الإنسان هذا العدد من الوسائل التي تمنحه المتعة بسرعة. ومع ذلك فكثرتها لا تعني أننا سنشعر بالرضا والسعادة أكثر".

إعداد: إيمان محمد 

لماذا لا تمنحنا لحظات السعادة السريعة الرضا؟

يوضح المختص النفسي أن مواقع التواصل الاجتماعي والتسوق الإلكتروني والأطعمة المتنوعة والترفيه الرقمي كلها تعطينا مكافآت فورية ومتكررة. ويقول"قد تزيد فرص الاستمتاع في حياتنا، لكن جودة الحياة لا تتحسن بالقدر نفسه، وهذا ما يستحق أن نفكر فيه".

هل الدوبامين هرمون السعادة؟

وعن دور الدوبامين في ما يحدث يقول "الدوبامين مادة في الدماغ تنقل الإشارات بين الخلايا العصبية، وله دور في الدافعية والتعلم والحركة والتعامل مع المكافأة. وهو ليس هرمون السعادة كما يعتقد كثيرون، فهو لا يعطينا الإحساس بالرضا فقط، بل يدفعنا أيضًا إلى السعي وراء المكافآت وتوقعها".
ولهذا يفرق علم الأعصاب بين الرغبة في الشيء والسعادة التي نشعر بها عند الحصول عليه. مثلًا، قد تتمنين تجربة معينة بشدة، ثم لا تمنحك بعد حدوثها الرضا الذي انتظرتِه.

نمط الحياة الحديث له دور كبير في التأثير على الدوبامين - المصدر magnific

كيف تزيد الإشعارات المشكلة؟

يلفت المختص إلى أن كثيرًا من التطبيقات والمتاجر صُممت لتشد انتباهنا وتجعلنا نعود إليها. ويقول هنا "الإشعارات والمحتوى الجديد والعروض تعطينا في كل لحظة سببًا لانتظار مكافأة. ومع التكرار قد تتكون عادة البحث المستمر عن التحفيز، حتى لو قلّ الشعور بالرضا الذي  نحصل عليها فعلًا".
ويطمئن المختص من يخشى الإدمان قائلًا "هذا لا يعني أن كل استخدام للتكنولوجيا أو كل استمتاع بالمكافآت إدمان. الإدمان اضطراب أعقد من ذلك، ويعني فقدان السيطرة على السلوك واستمراره رغم ضرره".

لماذا نلجأ للشعور السريع بالرضا وقت التوتر؟

يرى محمد المؤذن أن الضغوط اليومية تجعل الأمر أسوأ "التوتر الطويل قد يؤثر في الأجزاء المسؤولة عن المكافأة والانتباه والتحكم في المشاعر، وإن كان تأثيره يختلف من شخص إلى آخر".
ويضيف "عندما نتعرض لضغط قد نلجأ إلى ما يريحنا بسرعة، كالتصفح المتواصل أو الشراء الزائد أو الأكل بإفراط. نحن لا نفعل ذلك لأننا نريد أن نشعر بالرضا فقط، بل لنهرب قليلًا من مشاعر مزعجة. فيتكرر الأمر: توتر ثم اندفاع نحو المكافأة ثم ارتياح مؤقت، بينما يبقى سبب الضيق كما هو".

هل السبب خلل بين الدوبامين والسيروتونين؟

يجيب المختص "لا يمكن تفسير الظاهرة بخلل بسيط بين الاثنين، السيروتونين أيضًا مادة عصبية تنظم وظائف نفسية وجسدية كثيرة، والعلاقة بينه وبين الدوبامين معقدة جدًا". ويضيف أن الرضا لا يأتي من ارتفاع مادة كيميائية واحدة، بل من تفاعل الدماغ مع تجاربنا وعلاقاتنا وظروفنا المعيشية ومعنى الحياة بالنسبة إلينا.

كيف نخرج من الدائرة؟

يؤكد الاختصاصي النفسي أن البداية هي معرفة النفس "أن تلاحظي أفكارك ومشاعرك ودوافعك، وتفهمي النمط الذي تتصرفين به". واسألي نفسك قبل أن تلمسي الهاتف: هل أحتاجه فعلًا أم أهرب من الملل؟ وقبل أن تشتري: هل أحتاج هذا الشيء، أم أريد شعورًا لحظيًا بالتحسن؟
ويقول "هذه الأسئلة تمنحك وقتًا للتفكير قبل أن تتصرفي بشكل تلقائي. والمقصود ليس أن نمنع رغباتنا، بل أن ننظمها بما يناسب أولوياتنا وقيمنا".

عادات تحميك من هبوط الدوبامين

وينصح المختص بالنوم المنتظم والنشاط البدني والغذاء المتوازن والتعامل مع الضغوط، مع تخصيص وقت للراحة وللناس الذين نحبهم. ويضيف أن الهوايات والتعلم المستمر وتحقيق الإنجازات خطوة بخطوة تمنحنا مكافأة حقيقية مرتبطة بالجهد وتطور الشخصية.
ويوضح "هذه الأنشطة لا تفرز دوبامين من نوع آخر، لكنها تعطينا خبرات أكثر تنوعًا وأقرب إلى ما نحتاجه على المدى الطويل".

هل تحمينا العلاقات من انخفاض الدوبامين؟

يرى المؤذن أن العلاقات الداعمة والانتماء إلى مجموعة والأهداف ذات المعنى والمشاركة في أعمال الخير، لا تعطينا لحظات سعيدة فقط، بل قد تقوي إحساسنا بقيمتنا واستقرارنا النفسي. ويقول: "الحياة المتوازنة لا تعني أن نترك الترفيه والمتع البسيطة، بل ألا تصبح هي الطريقة الوحيدة لتحسين مزاجنا أو مواجهة صعوبات الحياة".

الدكتور محمد المؤذن، الاختصاصي النفسي والاجتماعي

كيف نعرف أننا سعداء أم لا؟

يوضح المختص أن جودة الحياة أوسع من السعادة اللحظية، فهي تشمل صحتنا الجسدية والنفسية وعلاقاتنا وظروفنا وقدرتنا على تحقيق أهدافنا. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، لا تُقاس جودة الحياة بعدد التجارب الممتعة أو حجم الاستهلاك، بل بقدرة الإنسان على عيش حياة متوازنة لها معنى، مع الأخذ في الاعتبار أن للظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية تأثيرًا لا يتحكم فيه الفرد كله.

ما هو صيام الدوبامين؟

وتناول المختص فكرة "صيام الدوبامين" المنتشرة حاليًا و التي تشير إلى التوقف عن الأشياء التي تثير عملية إفرازه، ويقول "المشكلة ليست في الدوبامين ولا في الشعور بالرضا. الدوبامين ضروري لعمل الدماغ، والرضا جزء طبيعي من حياتنا. التحدي أن نستعيد قدرتنا على الاختيار بوعي، فلا تتحكم المكافآت السريعة في وقتنا وانتباهنا وتصرفاتنا".
يختم محمد المؤذن بقوله "السعادة التي تدوم لا تأتي من تلبية كل رغبة تخطر على بالنا، بل من علاقة واعية مع أنفسنا ومع الحياة. وعندما نوازن بين الرضا والمسؤولية، وبين الإنجاز والراحة، وبين ما نحتاجه الآن وما نريده في المستقبل، نستطيع أن نجعل حياتنا أفضل".
ويضيف "ربما لا نحتاج إلى مزيد من المحفزات لنشعر بحياة أفضل، بل إلى وعي أكبر بما يعطي حياتنا قيمة. كثرة التجارب الممتعة ليست دليلًا على جودة الحياة، والذي يمنحنا رضا أعمق هو الوعي والتوازن ووجود معنى ورسالة".

اقرأي أيضًا متلازمة المحتال.. لماذا نشعر أننا لا نستحق نجاحنا؟