نظام دقيق تتميز به برامج هذا المشروع،
رغم أن الفندق يقع على مسيرة خمس دقائق من محطة مونبارناس التي تنطلق منها
القطارات إلى جهات شتى، إنها محطة مركزية كبرى، في باريس أكثر من محطة، أوسترليتز
في الجنوب، وليون أيضًا، ومحطة الغرب التي تنطلق منها القطارات إلى ليل، وهولندا
وإلى انجلترا، كان ذلك مثار دهشتي في البداية لاعتيادي على محطة واحدة تقوم منها
القطارات إلى قبلي وإلى بحري.
رغم قرب المحطة إلا أن انتقالنا جرى بالعربات، كل شيء محدد بدقة، قائدة الركب مارتين وزميلتها فاليري، مارتين كانت معنا عام أربعة وتسعين أيضًا، ركبنا عربة الدرجة الأولى في القطار فائق السرعة، الآن يربط هذا القطار الذي تصل سرعته عند انطلاقه إلى ثلاثمائة كيلو متر، بين جميع أنحاء فرنسا تقريبًا، أصبح ممكنًا اجتياز فرنسا من أقصى نقطة في الجنوب إلى أقصى الشمال في ثلاث ساعات ونصف الساعة، قطارنا أول توقف له في محطة أفينيون الشهيرة بمهرجان المسرح السنوي، وآخر للشعر، أي أننا سوف نجتاز المسافة كلها دون توقف تقريبًا، في أفينيون سينتظرنا أوتوبيس يقلُّنا إلى آرل التي لا تقع على خط القطار فائق السرعة، سافرت في فرنسا كثيرًا، وأعرف الجنوب والشمال، كلاهما تغطيه الخضرة الكثيفة، فرنسا لا توجد بها صحارى، أو مناطق مهجورة،
>>>
في الجنوب يبدو جمال الطبيعة أكثر تنوعًا وغزارة، حيثُ سلسلة جبال البرانس الشهيرة والتي ارتدَّت الجيوش العربية القادمة من الأندلس عندها في معركة بواتييه الشهيرة، ويقال إن القائد العربي أُصيب بنوبة إسهال أدت إلى انسحابه، ولم أدقق هذا السبب الذي ذكرته بعض المصادر التاريخية، الأراضي المتجهة جنوبًا ليست مستوية، متعددة الارتفاعات، لذلك تبدو الطبيعة ذات أكثر من مستوى، كان القطار يمر بحقول قمح يستمر عبورها فترة؛ ومع ذلك لم نكن نرى بشرًا، تبدو كأنها خالية إلا من بعض المباني المتباعدة من الخشب، وقرى محدودة البيوت، يتوسط كل منها كنيسة، بالطبع لا أكف عن المقارنة، هنا الأرض كلها مغطاة، السكان موزعون على مساحة تقترب من مساحة مصر، المشكلة عندنا في التكدس على ضفتي النيل، أما معظم الأراضي فلا تزال صحراوية لم نعرف بعدُ التعامل معها، وعندما يلوح مشروع يكمن فيه أمل ما يتمخض الجبل فلا نجد إلا قزمًا صغيرًا، والسبب أن المشروعات الكبرى عندنا لا يتم التخطيط لها وفقًا لضرورة موضوعية، إنما تختلط بها أهداف أخرى، بعضها دعائي، في الماضي كان الساحل الشمالي مزروعًا بالقمح، كان سلة خبز الإمبراطورية الرومانية التي كانت فرنسا جزءًا منها، وكان ممكنًا محاولة إحياء هذه المنطقة، لكن تم الاتجاه إلى أقصى الجنوب، وأُهدر المدخر القومي في مشروع فاشل آل معظمه إلى أمير عربي بِيعت إليه الأراضي الشاسعة بثمن بخس ولكنه جمَّدها ولم يُقْدم على استثمارها كما كان متوقعًا.
>>>
القطار مريح، أحمد أبو خينجر يستمع طوال الطريق إلى الشاعر والمنشد الشعبي أحمد برين ابن إسنا، ماجدة تقرأ في أحد كتب لوكليزيو بالفرنسية التي تتقنها، أستمع إلى موسيقى عربية كلاسيكية مسجلة على جهاز الآي-بود الذي مازلت منبهرًا به كأني من القبائل البدائية في مواجهة منجز حضاري، تقطع الطائرة المسافة في حوالي ساعة، ولكن السفر بالقطار أفضل، والآن أسرع وأيسر، بسبب ضرورة الذهاب في وقت مبكر إلى المطار، ثم غلاسة إجراءات التفتيش والتي ازدادت تعقيدًا بعد غزوة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر، هذا ما جلبه نفر منا إلينا!
الأسبوع المقبل: من أفينيون إلى آرل

Google News