mena-gmtdmp

ذكريات لحية بيضاء ـ3ـ


في حجرة ضيقة تطل على شارع ضوضاء، أصحو في غبشة الفجر، أطل تحت السرير فأجد لفافة من دمور، أفتحها فأجد وجها كالبدر، أقف في المرآة ووجه المولود لصق وجهي، وشرع يقول في كل كياني هذا ابنك.

أصحو من نومي مستبشرًا، متعشمًا أن تتحقق يومًا ما، وتمر السنوات، والسماء بخيلة بالمطر، والأرض لا تنبت إلا شوكًا، سبع سنين عجاف في انتظار مصداق الرؤيا، حتى قابلتها.

نظرة فابتسامة كما يقولون، وتلك الجذبة العجيبة التي سلبتني وزني لأصير إليكترونًا في قبضتها الحنون، النواة التي ستصير فيما بعد محور حياتي، وأم ابني،

الولد، ينمو الولد، وأنا أصغر، نصير في سن واحدة، نلعب معًا في كل الأوقات الممكنة، ويحلو له تسلق أكتافي، وكان هذا متعبًا ومفرحًا؛ لأن تعب الحبيب يفرح،

حتى شب عن الطوق، وصارت له دنياه، ودائرة من الأصدقاء، وتركني أنا في سنه من عامين، حين كان ما يزال طفلاً..

أفتقد صداقته، وألعابنا معًا، لقد ارتددتُ للطفولة بينما هو تركني ونما..

لا أملك إلا ذكرياتي معه، ركل الكرة بعنف في باب الشقة، وسائر الأبواب بداخلها، مما أثار صيحات الاستهجان، والإنذار بالعقاب، النزول للشارع طلبًا للحرية، ورجل في الأربعين يلعب الكرة وسط رهط من العيال، غائبًا تمامًا عما يمكن أن يقال في الشبابيك، والشرفات المحيطة بالساحة.

محاولات التشبث بالولد حين كوّن أول صداقة، حين عينت نفسي صاحبًا لكليهما، وأبا، أوعما لزوم النزهة، وركوب الملاهي..

وبسرعة البرق كبر الصديق، فلم تعد تسعه مراجيح ملاهي الأطفال، وما زال صديقي الذي أنجبته قابلاً للطفولة، حتى صغرت الأراجيح عليه هو أيضًا.

ثم بدأ مرحلة التحول من نبات إلى شجرة، وفي ظرف سنتين، أو ثلاث، صار أطول مني، صرت أنظر في فخر، وغيظ: ما شاء الله، أو: «كيف تتجاسر وتنظر لي من أعلى؟ أنا أبوك يا ولد».

صرت أحلم له بعروس، ربما لأسباب أنانية؛ كي أعيده إلى الحياة طفلاً، وأعود للعب معه من جديد.

وكما يقولون في صعيد مصر: «أعز من الوِلد وِلد الوِلد». فعسى أن أحب حفيدي على الأقل كما أحبه، وألعب معه حتى ينقطع نفسي مع مراعاة فروق التوقيت، من الثلاثين وكسور إلى الخمسين وكسور.

وإذا جاءت بنتًا فستكون فرحة قلبي، فأنا لم أذق هذا النبع، لكني أظنه لذيذًا، من مشاهداتي في العائلة.

لكن ربما أحلم له بعروس لأراه سعيدًا، بصرف النظر عن نتائج هذا العرس.

صحيح أن (الواء) صيحة جميلة، وتسر القلب، وأحيانًا فيها حنان، رغم أنه من المفروض أن تكون مزعجة، أتمنى له السعادة بها، أو بغيرها، مع فتاة لطيفة، عاقلة، وطيبة كأمه.

وأتمنى لنفسي ولزوجتي شيخوخة هادئة، يزورنا فيها الأهل، والأصدقاء فيمكثون قليلاً، ويزورنا فيها الأحفاد فيمكثون طويلاً، ويتشبثون بنا؛ كي يدعهم والداهم يمكثون أطول، ونتحمل نحن شقاوتهم في صبر وابتسام، ويرهقون أعصابنا لكن الدفء في صدورنا يزداد عمقا، ورسوخًا.

وحين يستريح رأسنا لأول مرة على وسادة البيت، نشعر بأننا عشنا، وأن ما عشناه أثمن من أن نرتاح في الدقيقة الأخيرة من وجودنا، وأن كل دقيقة عشناها تساوي ألف موت، لهذه الدرجة تترسخ السعادة من آلاف اللحظات الحلوة، المتراكمة في حياة لا تأبه بشيء، إلا الحب.