أسرة ومجتمع /تحقيقات الساعة

كفيف عراقي يعمل بتصليح الأجهزة الكهربائية!

سعدون يصلح إحدى ماكينات الخياطة
سعدون خلال عمله
الكفيف العراقي
العراقي الكفيف منذر سعدون

الإرادة وحب الحياة، هما الأمران المهمان اللذان يمكنّان الأشخاص من المضي في حياتهم، متحدين جميع الصعاب التي قد يراها الكثيرون أنها أمور مستحيلة، فمن يملك هذين الأمرين؛ من المؤكد أنه لا يعرف في قاموسه الشخصي كلمة «مستحيل»، فمهما كانت حياته صعبة، وظروفه قاسية، فهو قادر على إكمال حياته واجتياز جميع هذه المشاكل.

ونقدم لكم الحكاية التالية من العراق، لرجل يبلغ من العمر 58 عامًا، اسمه منذر سعدون، يعيش شرق العاصمة العراقية بغداد، ويعمل في إصلاح الأجهزة الكهربائية، ولسنوات طويلة كسب رزقه ولقمة عيشه من هذا العمل، إلى هذه اللحظة تبدو قصة عادية وروتينية، ولكن حين تعلم عزيزي القارئ بأن «سعدون» رجل كفيف، فقد بصره قبل عقود طويلة، إلا أنه لا يزال يمارس أعماله، على نحو كامل وممتاز، مثله مثل أي شخص آخر بصير، سيختلف الأمر كثيرًا، لاسيّما للذين يعملون في مهنته بالتحديد؛ تصليح الأجهزة الكهربائية.

سعدون، هذا العراقي المحب للحياة، وصاحب الإرادة الحديدية، كان قبل عمله في تصليح الأجهزة الكهربائية والأعمال الميكانيكية، قد مارس العديد من المهن الأخرى، أبرزها صناعة الكراسي والسلال من الخيزران، إلا أنه وبسبب تراجع الطلب على هذه المشغولات اليدوية، قرر التوجّه إلى مهنة أخرى، وهي إصلاح أجهزة الراديو والغسالات وماكينات الخياطة وأجهزة الهواتف القديمة.

وكان سعدون قد فقد بصره عندما كان في عمر الـ20 عامًا، وذلك بعد أن أصابه مرض «الالتهاب السحائي»، لكنه رفض أن يُسلّم إلى الأمر الواقع الذي فرضه المرض عليه، واستمر في تعليم نفسه الحياة بدون أن يراها، حتى أتقن العديد من المهن، منها مهنته الأساسية السابقة في صناعة الأثاث والمشغولات اليدوية من الخيزران.

وفي لقاءات سابقة مع سعدون لوسائل إعلام مختلفة، قال إنه كان قد أصيب في العام 1980 بمرض «السحايا»، ولأن الأطباء لم يتمكنوا حينها من تشخيص المرض وعلاجه، فقد بصره، وكان هذا هو الأمر الذي جعلهم يدركون ماهية وطبيعة الحالة المرضية التي أصابته.

ويتابع سعدون بأنه حتى لا يكون عالة على أحد، ويتمكن من إعالة نفسه وعائلته، تمكن من التركيز والاستعانة بحاسة اللمس لديه، وتطويرها لتكون بصره الجديد، بعد أن صار كفيفًا، وكانت حاسة اللمس هي الوسيلة التي ساعدته على أن يبدأ حياته مرة أخرى، ويتابع أعماله التي كان ينجزها ليؤمن لقمة العيش لنفسه.

ويبين سعدون أنه عندما تعرضت صناعة الخيزران، في العراق، إلى الإهمال والتراجع، وقلّ الطلب على منتجاته ومشغولاته اليدوية، فكّر بمهنة أخرى تساعده على العيش وتأمين قوت يومه، وحينها قام بفتح ورشة صغيرة في بيته لتصليح غسالات الملابس وماكينات الخياطة، والأنواع المختلفة الأخرى من الأجهزة الكهربائية، وحتى بعض الأعمال الميكانيكية، التي تمكن من إتقانها بعد كل هذه الأعوام من العمل والاستعانة بحاسة اللمس لديه بدلاً من البصر.

ولأن منذر سعدون لم يستسلم لمرضه، ولخسارته لبصره، وتابع حياته بإرادة قوية وحب كبير للاستمرار، تمكّن من أن يكسب رزقه بعرق جبينه، وأن يعتمد على نفسه بكل شيء، وأقبل أخيرًا على الزواج، وكوّن أسرته الخاصة والصغيرة؛ ليثبت ويؤكد للعالم أن الإرادة وحب الحياة هما الأمران المهمان للاستمرار ومواجهة الصعوبات والتغلب عليها.

مواضيع ممكن أن تعجبك

أضف تعليقا

X