mena-gmtdmp

دانيال روزبيري.. رحلة مصمم أعاد السريالية إلى واجهة الموضة

دانيال روزبيري Daniel Roseberry، مايو 2022، بمدينة نيويورك، (مصدر الصورة: Lexie Moreland/WWD/Penske Media via Getty Images)
دانيال روزبيري Daniel Roseberry، مايو 2022، بمدينة نيويورك، (مصدر الصورة: Lexie Moreland/WWD/Penske Media via Getty Images)

في عالم الأزياء، لا ينجح المدير الإبداعي لدار تاريخية بمجرد تقديم مجموعات جميلة، بل تكمن مهمته الأصعب في معرفة كيفية التعامل مع إرث عمره عقود من دون أن يتحول إلى مجرد إعادة إنتاج للماضي، وهذه المعادلة تحديدًا استطاع دانيال روزبيري Daniel Roseberry أن يخوضها منذ توليه القيادة الإبداعية لدار سكيابارللي Schiaparelli عام 2019، ليحول اسمًا تاريخيًا ارتبط لعقود بالسريالية والابتكار إلى واحد من أكثر الأسماء حضورًا على منصات عروض الأزياء  والمهرجانات في السنوات الأخيرة.

من تكساس إلى باريس.. بدايات دانيال روزبيري

Embed from Getty Images
وُلد دانيال روزبيري Daniel Roseberry عام 1985 في مدينة بلانو بولاية تكساس الأميركية. لم يكن طريقه إلى عالم الموضة مباشرًا، فبعد المدرسة، خاض تجربة مختلفة تمامًا عندما سافر في بعثات إلى أماكن من بينها هاواي، واهتمامه بالفن والتصميم كان يتزايد، إلى أن قرر الانتقال إلى نيويورك لدراسة الموضة في Fashion Institute of Technology.
وكانت إحدى اللحظات المبكرة التي كشفت له بوضوح عن رغبته في أن يصبح مصمم أزياء مرتبطة بطفولته؛ إذ يتذكر أنه في سن الثالثة عشرة تقريبًا شاهد فستانًا ارتدته عروس شقيقه، فبدأ في رسمه بالطريقة التي كان يتخيل بها التصميم، وهي التجربة التي ساعدته على إدراك أن الموضة يمكن أن تكون المجال الذي يريد أن يبني مستقبله فيه.

أكثر من 10 سنوات مع Thom Browne


قبل أن يصل إلى باريس ويتولى واحدة من أعرق دور الأزياء الفرنسية، أمضى روزبيري نحو عقد كامل داخل عالم Thom Browne، وترك الدراسة في Fashion Institute of Technology بعد عامين، وبدأ العمل لدى دار Thom Browne في نيويورك، وهناك لم يكتفِ بالعمل كمصمم، بل صعد تدريجيًا داخل المؤسسة حتى أصبح رئيس قسم التصميم، وشارك في تطوير مجموعات الرجال والنساء.
وكانت هذه التجربة بمثابة مدرسة مهمة له، خصوصًا أن عالم Thom Browne يعتمد بدرجة كبيرة على الخياطة الدقيقة، بناء الصورة، المسرحية في تقديم الأزياء، واللعب على الحدود بين الملابس اليومية والمبالغة الفنية.
لاحقًا، أشار روزبيري إلى أن سنواته مع Thom Browne جهزته جيدًا للعمل في عالم الهوت كوتور Haute Couture، لأن التجربة منحته فهمًا عميقًا للحرفية والتفاصيل وكيف يمكن للملابس أن تصبح جزءًا من عرض بصري متكامل.

2019.. اللحظة التي غيرت مسيرته

من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعو هوت كوتور ربيع وصيف 2026- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©


في أبريل 2019، أعلنت سكيابارللي Schiaparelli تعيين دانيال روزبيري Daniel Roseberry مديرًا فنيًا للدار، خلفًا للمصمم Bertrand Guyon.
كان يبلغ من العمر آنذاك 33 عامًا فقط، لكنه دخل إلى واحدة من أكثر بيوت الموضة ارتباطًا بتاريخ الموضة الفرنسية، وهي الدار التي أسستها إلسا سكياباريللي Elsa Schiaparelli في باريس عام 1927.
ولم يكن اختياره عشوائيًا؛ فقد رأت Schiaparelli في خبرته السابقة، وخصوصًا في الخياطة والتصميم، أساسًا مناسبًا لإعادة صياغة هوية الدار من دون التخلي عن جذورها.
ومنذ البداية، كان واضحًا أن روزبيري لا يريد التعامل مع أرشيف Schiaparelli باعتباره مجموعة من التصاميم القديمة التي يجب نسخها، بل باعتباره لغة إبداعية يمكن ترجمتها إلى الحاضر.

كيف أعاد دانيال روزبيري Schiaparelli إلى الواجهة؟

دانيال روزبيري وجينفر لوبيز من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعة هوت كوتور ربيع وصيف 2024- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©


ربما كان أكبر نجاح حققه روزبيري هو أنه استطاع أن يجعل اسم Schiaparelli حاضرًا في الثقافة الشعبية بصورة أوسع، فبدلًا من أن تبقى الدار مرتبطة فقط بتاريخ إلسا سكياباريللي، بدأ في بناء هوية جديدة يمكن التعرف إليها فورًا، تعتمد على العناصر السريالية، الأجزاء التشريحية، المجوهرات الذهبية الضخمة، التفاصيل النحتية، الخامات غير التقليدية، والقطع التي تتحول بسهولة إلى صور أيقونية على وسائل التواصل الاجتماعي والسجادة الحمراء.
وكان هذا التحول مدروسًا؛ إذ أعاد روزبيري إحياء رموز مرتبطة بتاريخ الدار، لكنه أعاد تقديمها بطريقة أكثر حداثة، لهذا هو لم يخف هوية الدار بل بالعكس أعاد تجديدها وتطويرها بشكل رائع، ولهذا يقول البعض عنه "لفهم أسلوب دانيال روزبيري، لا بد من العودة إلى إلسا سكياباريللي نفسها".
فقد كانت إلسا واحدة من أكثر المصممين ارتباطًا بالحركة السريالية في القرن العشرين، وتعاونت مع أسماء فنية مثل Salvador Dalí وJean Cocteau، وحولت الملابس إلى مساحة للتعبير الفني من خلال الرسوم الغريبة، والأزرار غير التقليدية، والتطريزات المبالغ فيها، والخامات والتفاصيل التي تتحدى الشكل التقليدي للملابس.
ومن هنا جاء أحد أهم مفاتيح نجاح روزبيري: لم يحاول اختراع شخصية جديدة للدار، وإنما فهم شخصية إلسا ثم ترجمها بلغته الخاصة.
وهو ما يظهر بوضوح في تصميماته التي تجمع بين الأناقة والغرابة، وبين الخياطة الكلاسيكية والتفاصيل النحتية، وبين الأزياء والمجوهرات والفن.

من بيلا حديد إلى ليدي غاغا.. أناقة سكيابارللي على السجادة الحمراء

Embed from Getty Images

كانت السجادة الحمراء واحدة من أهم الأدوات التي ساعدت روزبيري على إعادة سكيابارللي Schiaparelli إلى دائرة الضوء.
ومن اللحظات المبكرة اللافتة ظهوره مع ليدي غاغا Lady Gaga، التي ارتدت تصميمًا من Schiaparelli عام 2021، وكان من أبرز عناصر الإطلالة بروش حمامة ذهبي صممه روزبيري، ثم جاءت إطلالة بيلا حديد Bella Hadid الشهيرة في مهرجان كان عام 2021، عندما ظهرت بفستان أسود من Schiaparelli Haute Couture تميز بتفصيل ذهبي مستوحى من الرئتين، لتصبح الإطلالة واحدة من أكثر لحظات الدار انتشارًا.
ولم تتوقف الاستراتيجية عند ذلك، فقد أصبح ارتداء Schiaparelli مرتبطًا بشكل متزايد بنجمات الصف الأول، وهو ما ساعد الدار على تكوين علاقة قوية بين تصاميم روزبيري وبين اللحظات التي تتحول إلى صور متداولة عالميًا.

عندما أصبحت الملابس نفسها عملًا فنيًا

من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعو هوت كوتور ربيع وصيف 2023- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©


من أكثر ما يميز تجربة روزبيري أنه لا يتعامل مع الهوت كوتور ـHaute Couture باعتبارها مجرد ملابس فاخرة، بل باعتبارها مساحة مفتوحة للتجريب.
ظهر ذلك بقوة في مجموعة Schiaparelli Haute Couture لربيع 2023 ، والتي تضمنت رؤوسًا ضخمة لحيوانات مصنوعة من خامات صناعية، في محاولة لتحويل عارضات الأزياء إلى شخصيات أقرب إلى منحوتات متحركة.

من الهوت كوتور إلى الأزياء الجاهزة

لكن نجاح روزبيري لم يتوقف عند إعادة إحياء صورة Schiaparelli، فمع مرور الوقت، أصبح التحدي هو كيفية تحويل هذا النجاح الفني والإعلامي إلى علامة أزياء أكثر اتساعًا من دون خسارة حصريتها.
ولهذا اتجهت Schiaparelli تحت قيادته إلى تطوير خط الـReady-to-Wear، وقدمت في سبتمبر 2022 مجموعة تمهيدية، قبل إطلاق أول مجموعة كاملة للـReady-to-Wear على منصة العرض في مارس 2023 لموسم Fall 2023.
وهنا ظهرت محاولة واضحة لتحقيق التوازن بين عالم الـCouture شديد المبالغة وبين ملابس يمكن ارتداؤها فعليًا، مع الاحتفاظ بعناصر روزبيري المميزة مثل أزرار الأجزاء التشريحية، وتطريز شريط القياس، وتفاصيل الـCone Bra، والحقائب والمجوهرات ذات الطابع السريالي.
وكان الدنيم تحديدًا مثالًا واضحًا على هذه الفكرة؛ إذ استخدمه روزبيري كعنصر يتناقض ظاهريًا مع فخامة الـHaute Couture، لكنه في الوقت نفسه ينسجم مع فلسفة Schiaparelli القائمة على التناقض.

أسلوب دانيال روزبيري.. بين التناقض والجرأة

من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعة الهوت كوتور لخريف وشتاء 2025- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©
من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعة الهوت كوتور لخريف وشتاء 2025- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©


يمكن اختصار لغة روزبيري الإبداعية في كلمة واحدة تقريبًا: التناقض، فهو لا يبحث عن تصميم متناغم بالمعنى التقليدي، وإنما عن الصدمة الناتجة عن وضع عناصر متناقضة بجانب بعضها البعض: الفخامة مع الغرابة، الأنوثة مع القوة، الخياطة مع النحت، الملابس اليومية مع الكوتور، والماضي مع المستقبل.

أكثر من مجرد إعادة إحياء لاسم تاريخي

من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعة الأزياء جاهزة ربيع وصيف 2026- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©
من عرض سكيابارلي Schiaparelli لمجموعة الأزياء جاهزة ربيع وصيف 2026- الصورة من LaunchmetricsSpotlight ©

 

نجاح دانيال روزبيري مع Schiaparelli لا يكمن فقط في زيادة حضور الدار على السجادة الحمراء، وإنما في أنه نجح في جعل اسمها يبدو معاصرًا من جديد.
فقد حافظ على العناصر التي جعلت إلسا سكياباريللي مختلفة عن أبناء جيلها، لكنه لم يتعامل معها كقواعد جامدة. أعاد تفسير السريالية، وحوّل أجزاء الجسم إلى مجوهرات، واستخدم الدنيم بجانب الـCouture، ووسّع عالم الدار ليشمل الـReady-to-Wear والإكسسوارات، وفي الوقت نفسه حافظ على مكانة الـHaute Couture كقلب أساسي للعلامة.
والأهم أنه أعاد للدار قدرتها على صناعة اللحظة؛ فسواء تعلق الأمر بفستان، أو مجوهرات ذهبية على شكل أجزاء من الجسم، أو إطلالة على السجادة الحمراء، أصبح من السهل التعرف على Schiaparelli من النظرة الأولى.
ولهذا يمكن النظر إلى تجربة روزبيري باعتبارها نموذجًا مختلفًا لإدارة دار تاريخية: ليس بإعادتها إلى الماضي، وإنما باستخدام الماضي لبناء لغة جديدة للمستقبل.
قد يعجبكِ متابعة أول سفيرة للاستدامة.. كم مرة عدّلت الليدي ديانا موديلات فساتينها القديمة؟