mena-gmtdmp

تعرفوا إلى القصة الطريفة وراء المثل العربي "من شابه أباه فما ظلم"

الجد يقرأ للأب قصة طريفة
الأبناء هُم المرآة الحقيقية لآبائهم وإن جينات وطباع الإنسان تظل راسخة في عقبه -المصدر: magnific

يُولَد الإنسان كصفحة بيضاء، خطوطها الأولى هي الأعمق والأبقى في تشكيل ملامح شخصيته المستقبلية، حيث تنغرس السلوكيات والقيم التي يتلقاها في سنواته الأولى داخل وعيه؛ لتتحول تدريجياً إلى قناعات وعادات راسخة يشيخ عليها طوال حياته. ومن هنا تكتسب التربية المبكرة أهميتها. وعلى الجانب الآخر، فإن الطبع يغلب التطبع فمهما حاول المرء إخفاء سجاياه أو عيوبه، تفضحه تصرفات أبنائه التي تأتي أحياناً كنسخة طبق الأصل منه، تماماً كما روت لنا نوادر التراث من طرائف وحكم وأمثال شعبية. إن هذا التماثل العجيب بين الأجيال يجعلنا ندرك عمق وصدق الأمثال الشعبية والحكم القديمة التي خلدها الموروث العربي، ومنها المثل العربي الأصيل: "من شابه أباه فما ظلم"؛ فما قصة هذا المثل العربي القديم؟ وهل هو مثل عربي أو مقولة أو حكمة؟ تابعوت السياق التالي لتعرفوا.

مثل عربي أم مقولة أم حكمة؟.. ما الفارق؟

تقول فاطمة عبد الوهاب السيروطي باحث بقسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية لـ"سيدتي":عبارة "من شابه أباه فما ظلم" تُصنف تاريخياً ولغوياً بأنها "مثل عربي فصيح"، وتحديداً من أمهات الأمثال العربية المأثورة المدونة في المراجع القديمة، على الرغم من تداخل هذه المصطلحات في العصر الحالي، إلا أن هذا التعبير يمتلك تصنيفاً دقيقاً في علوم الأدب العربي.

تعرِّف السيروطي المثل بأنه جملة بليغة مأخوذة من حدث أو قصة أو بيت شعر قديم، شاعت بين الناس وبدأوا يستعيرونها ويضربونها في كل موقف مشابه للموقف الأصلي في حين أن المقولة ما هي إلا مجرد عبارة عامة قالها شخص ما في سياق عابر دون أن ترتبط بالضرورة بقصة تاريخية أو تُقنن كقاعدة سلوكية عامة في كتب التراث، أما الحكمة فتكون تعبيراً عن خلاصة تجارب عميقة تهدف إلى التوجيه الأخلاقي مثل: "الوقت كالسيف".

وعن الفرق الجوهري ما بين المثل الشعبي والحكمة، فالمثل يرتبط دائماً بـ"مورد ومضرب"؛ أي أنه يُقال أول مرة في حادثة أو قصة أو بيت شعر معين ويُسمى المورد، ثم يُستدعى ليُقال في كل موقف مشابه للموقف الأصلي ويُسمى المضرب. بينما الحكمة، كما تحدثنا سابقاً، لا ترتبط بحادثة عابرة أو قصة معينة، بل هي نتاج تأمل طويل وخلاصة تجارب وملاحظات عميقة للحياة والكون والطباع البشرية.
وتلفت الباحثة إلى أن عبارة "من شابه أباه فما ظلم" على الرغم من أنها مثل عربي يحمل في طياته حكمة اجتماعية تتعلق بالوراثة والتربية والطباع؛ فإن قالَبه التركيبي وتداوله التاريخي يجعله يُصنف كـ"مثل جرى مجرى الحكمة" وليس حكمة مجردة.

بيت شعري تحول لمثل عربي شهير

الوراثة ليست مجرد ملامح بيولوجية تُرسم على الوجوه -المصدر: magnific


نشأ المثل العربي الشهير "من شابه أباه فما ظلم" في العصر الأموي، وتحديداً على لسان الشاعر المخضرم رؤبة بن العجاج، عندما كان يمدح عُدي بن حاتم الطائي، الذي كان يُضرَب به المَثَل في الجود والكرم؛ فقد كان أبوه من أجود العرب وأكرمهم، وكان بن العجاج يستعرض مظاهر السخاء والجود الشديد التي ورثها عُدي عن أبيه حاتم الطائي أيقونة الكرم والسخاء لدى العرب؛ فأنشد "بأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمْ... وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ". وقد مثلت هذه الأبيات شاهداً نحوياً بارزاً عند علماء اللغة؛ ومع إطلاق العبارة أول مرة، تباينت التفسيرات لكلمة "فما ظلم"، وكان لها توجيهان عند علماء اللغة:

  • لم يظلم أباه: أي أنه لم يضيع حق أبيه ونسبه، بل جاء شبيهاً به في أفعاله وطباعه وسلوكه.
  • لم يظلم أمه: أي برَّأ أمه من أي ظن أو تهمة تشوب نسبه؛ لأن الشبه الواضح يقطع الشك باليقين في طهارة النسب وشرفه.

والرابط التالي يعرفك: أصل مقولة «على نفسها جنت براقش».. ما قصة براقش؟

كيف تطور المثل العربي ليتحول لموروث شعبي

تقول فاطمة: بمرور الزمن اشتهر الشطر الثاني من البيت كثيراً وحدث به تغيير طفيف لسهولة اللفظ ليصبح "من شابه أباه فما ظلم" ومع التحول التاريخي إلى الموروث الشعبي والفكاهي لم يعُد المثل مقتصراً على مدح الكرم والصفات النبيلة، بل تداولته الألسنة العربية لوصف أي محاكاة وطباع مشتركة بين الابن وأبيه، ونُسجت حوله قصص شعبية طريفة تضعه تارة في سياق التباهي بفطرة الوراثة، وتارة أخرى على سبيل السخرية والتهكم من توارث العادات السيئة والشُّح.

قصة ساخرة استخدمت معنى "من شابه أباه فما ظلم"

في إحدى القرى، زار ضيفٌ رجلاً معروفاً بشدة البخل. أراد الرجل التظاهر بالكرم أمام ضيفه، فنادى ابنه بصوتٍ عالٍ وقال: "يا بُني، لدينا ضيفٌ عزيز، خذ هذا نصف الدينار واشترِ لنا به أفضل لحمٍ عند الجزار". ذهب الولد وغاب طويلاً، ثم عاد إلى المنزل وهو يبتسم ويداه فارغتان تماماً! صُدم الأب وصاح فيه بغضب أمام الضيف: "أين اللحم يا ولد؟!".
أجاب الولد بكل ثقة وهدوء: "يا أبي، ذهبتُ إلى الجزار وطلبتُ أحسن لحم، فقال لي: سأعطيك لحماً كأنه الزبد! فقلتُ في نفسي: إذاً الزبدُ أفضل، وذهبتُ إلى البقال. وهناك طلبتُ أفضل زبد، فقال لي: عندي زبدٌ كأنه عسل التمر! فقلتُ لنفسي: إذاً العسلُ أفضل، وذهبتُ سريعاً إلى بائع العسل".
وأضاف: "وعندما سألتُ بائع العسل عن بضاعته، قال لي متباهياً: عندي عسلٌ كأنه الماء الصافي! وهنا فكرتُ وقلتُ في نفسي: إذا كان العسل يشبه الماء؛ فنحن لدينا ماءٌ كثيرٌ ونظيفٌ في البيت مجاناً، فلماذا أدفع نصف دينار والماء عندنا؟ وهكذا عدتُ بالمال ولم أشترِ شيئاً". عندما سمع الأب البخيل هذا الكلام، طار فرحاً بذكاء ابنه وحرصه على توفير المال، والتفت إلى ضيفه المذهول وهو يضحك بفخر ويقول: "من شابه أباه فما ظلم"!

بالنهاية تؤكد أن مثل "من شابه أباه فما ظلم" مهما تواترت القصص واختفلت يؤكد معناه أن الأبناء هُم المرآة الحقيقية لآبائهم، وأن جينات وطباع الإنسان تظل راسخة في عقبه مهما تغيرت الظروف سواء الحميدة أو حتى السيئة.
قد ترغبين كذلك في التعرف إلى: 8 أمثال شعبية طريفة وُلدت في أسواق ومجالس العرب القديمة